4545 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كذا هو في رواية الأكثر، وبه صرَّح الإسماعيلي وأبو نعيمٍ وغيرهما، ووقع لأبي علي بن السَّكن عن الفربري عن البُخاري وأسقط ذكر محمد، والصَّواب إثباته، ولعلَّ ابن السَّكن ظنَّ أنَّ محمدًا هو البُخاري فحذفه، وليس كذلك، وقد ثبت في رواية النَّسفي عن البُخاري أيضًا، واختُلف فيه فقال الكلاباذي هو ابنُ يحيى الذُّهلي فيما أُراه قال وقال لي الحاكم هو محمد بن إبراهيم البوشنجي قال وهذا الحديث ممَّا أملاه البوشنجي بنيسابور، انتهى.
وذكر الحاكم هذا الكلام في «تاريخه» عن شيخه أبي عبد الله بن الأخرم، وكلام أبي نُعيمٍ يقتضي أنَّه محمد بن إدريس أبو حاتم الرَّازي، فإنَّه أخرجه من طريقه ثمَّ قال أخرجه البُخاري عن محمَّد عن النُّفيلي.
(حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ) بنون وفاء مصغرًا، هو عبد الله بن محمد بن علي بن نُفيل، يكنى أبا جعفر، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين وليس له في البُخاري ولا لشيخه مسكينٌ سوى هذا الحديث. قال (حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ) هو ابنُ بُكير، أخو الفقير بن بكير أبو عبد الرَّحمن الحَرَّاني _ بفتح المهملة وتشديد الراء وبالنون _ نسبةً إلى حران مدينة بالشرق، اليوم خراب، مات سنة ثلاث أو ثمان وتسعين ومائة.
(عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ) بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة ممدودًا، هو ابنُ مهران، أبو المَنازِل (عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ) ويُقال الأحمر أيضًا، هو أبو خليفة البصري، واسم أبيه خاقان، وقيل سالم، وقد تقدَّم ذكره في «الحج» [خ¦1558] ، وليس له في البُخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الحج.
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهو ابنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أبهم أولًا ثمَّ أوضح بأنَّه ابن عمر رضي الله عنهما. قال الكرماني لعلَّ هذا التوضيح من الرَّاوي عن مروان، أو تذكر آخرًا بعد نسيانه. وقال الحافظُ العسقلاني لم يتَّضح لي من هو الجازم بأنَّه ابن عمر، فإنَّ الرِّواية الآتية بعد هذه وقعت بلفظ «أحسبه ابن عمر» ، قال وعندي في ثبوت كونه ابن عمر رضي الله عنهما توقف
ج 19 ص 162
لأنَّه ثبت أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن اطَّلع على كون هذه الآية منسوخة.
فروى أحمد من طريق مجاهد قال دخلت على ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقلت كنت عند ابن عمر فقرأ {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة 284] فبكى فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّ هذه الآية لمَّا نزلت غمَّت أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غمًّا شديدًا، وقالوا يا رسول الله هلكنا، فإنَّ قلوبنا ليست بأيدينا فقال (( قولوا سمعنا وأطعنا فقالوا، فنسختها هذه الآية {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ) ). وأصله عند مسلم من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما دون قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما.
وأخرج الطَّبري بإسنادٍ صحيحٍ عن الزُّهري أنَّه سمع سعيد بن مرجانة يقول كنت عند ابن عمر رضي الله عنهما فتلا هذه الآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} فقال والله لئن أخذنا بهذا لنُهْلَكنَّ، ثمَّ بكى حتى سُمع نشيجه، فقمت حتَّى أتيت ابن عبَّاس رضي الله عنهما فذكرتُ له ما قال ابن عمر رضي الله عنهما، وما فعل حين تلاها، فقال يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن، لَعمري لقد وجد المسلمون منها حين نزلتْ مثل ما وجد، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
وروى مسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لما نزلت {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة 284] اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر القصَّة مطولًا وفيها فلمَّا فعلوا نسخها الله فأنزل الله {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى آخر السُّورة، ولم يذكر قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما.
ويُمكن أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان أوَّلًا لا يعرف القصَّة، ثمَّ لما تحقَّق ذلك جزم به فيكون مرسل صحابي.
وقال ابن التِّين إن ثبت هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما فمعنى النَّسخ هنا العفو والوضع، وقال العيني لا يحتاج إلى اتِّضاح من هو الجازم بأنَّه ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنَّه أحد رواة الحديث على كلِّ حالٍ وهم ثقاتٌ، وقد جزم في هذه الرِّواية بأنَّه ابن عمر.
وقوله في الرِّواية الأخرى «أحسبه» يحتمل أن يكون ذلك قبل جزمه بأنَّه ابن عمر رضي الله عنهما، فلمَّا تحقق بأنَّه ابن عمر رضي الله عنهما ذكره بالجزمِ.
(أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ)
ج 19 ص 163
بضم النون على البناء للمفعول، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ ( {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . الآيَةَ) نسختها الآية التي بعدها كما تقدم، وسيأتي في الصحيح أيضًا، وقد سبق [خ¦4544] أنَّ النسخ لا يدخلُ الخبر لأنَّه يوهم الكذب؛ أي يوقعه في الوهم حيث يخبر بالشَّيء ثمَّ بنقيضه، وذلك محالٌ على الله تعالى إلَّا إذا تضمَّن الخبر حكمًا فحينئذٍ يمكن دخول النَّسخ فيه باعتبار ما تضمَّنه على أنه قد جوَّز جماعة دخول النَّسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يعلق بشرط قال تعالى {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد 39] وإلى هذا مال البيضاوي، وأمَّا في الخبر الماضي فلا مدخل للشَّرط فيه، وعليه تأوَّل ابن عمر رضي الله عنهما الآية، ويجري ذلك مجرى العفو وهو كرمٌ لا خلف، وقيل يجوز في الخبر الماضي أيضًا لجواز أن يقولَ الله تعالى لبث نوح في قومه ألف سنة، ثم يقول {فلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت 14] . والى هذا مال الإمام الرَّازي والآمدي.
وقال البيهقي النَّسخ هنا بمعنى التَّخصيص أو التَّبيين، فإنَّ الآية الأولى وردتْ مورد العموم فبينت التي بعدها أن ممَّا يخفي شيئًا لا يؤاخذ به، وهو حديث النَّفس الَّذي لا يستطاعُ دفعه، والَّذي يؤاخذُ به هو ما يصمم عليه ويشرعُ فيه دون ما يخطرُ له ولا يستمرُّ عليه، وقد يجري اسم النَّسخ على ما وضعَ عن الأمة التَّعبُّد به.