12 - (بابُ صَدَقَةِ الْعَلاَنِيَةِ وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالجر عطفًا على قوله صدقة العلانِية ( {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} ) يعمُّون الأوقات والأحوال بالصَّدقة لحرصهم على الخير، فكلَّما نزلت بهم حاجة محتاجٍ عجَّلوا قضاءها، ولم يؤخِّروه ولم يتعلَّلوا بوقتٍ ولا حال.
(إِلَى قَوْلِهِ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ) يريد قوله تعالى {فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم} أي لهم أجرهم يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطَّاعات {وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِم} عند الموت {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة 62] يوم القيامة.
وقد اختلف في سببِ نزول هذه الآية الكريمة،
ج 7 ص 77
فذكر الواحديُّ أنَّها نزلت في أصحاب الخيل، وهو قول أبي أمامة وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما، وكذا قول مكحول والأوزاعي عن ربَاح. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنَّها نزلت في أصحاب الخيل الَّذين يربطونها في سبيل الله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه كان إذا مرَّ بفرسٍ سمين يقرأ هذه الآية. وقال مجاهد والكلبيُّ وابن عباسٍ رضي الله عنهما نزلت في عليِّ بن أبي طالب كان عنده أربعة دراهمٍ فأنفق باللَّيل واحدًا وبالنَّهار واحدًا وفي السِّر واحدًا وفي العلانية واحدًا.
زاد الكلبيُّ فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما حملَك على هذا؟ ) )قال حمَلني أن أستوجِب على الله تعالى الَّذي وعدني، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ألا إنَّ ذلك لك ) )فأنزلَ الله تعالى هذه الآية.
ورواه عبد الرَّزاق أيضًا بإسنادٍ فيه ضَعْف إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ورواه ابن جريرٍ من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيهِ نحوه. ورواه ابنُ مردويه من وجهٍ آخر، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وفي «الكشَّاف» نزلت في أبي بكرٍ رضي الله عنه إذ أنفق أربعين ألف دينار عشرة آلافٍ سرًّا، وعشرة آلاف جهرًا، وعشرة آلاف ليلًا، وعشرة آلاف نهارًا. وقال الطَّبري قال آخرون عني بالآية قومٌ أنفقوا في سبيل الله من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
وقال قتادة نزلتْ فيمن أنفقَ ماله في سبيل الله؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ المكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة إلَّا من قال بالمال هكذا عن يمينه وشماله ) ).
وقال الماورديُّ يُحتمل أن تكون هذه الآية في إباحة الارتفاق بالزُّروع والثِّمار؛ لأنَّه يرتفق بها كلُّ مارٍّ في ليلٍ ونهارٍ في سرٍّ وعلانيةٍ، ثمَّ إنَّ المؤلف رحمه الله كأنَّه لم يجد حديثًا فيه على شرطه فاكتفى بالآية، وقد سقطت هذه التَّرجمة في رواية المستملي وثبتت لغيره.