1307 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيانُ) هو ابن عيينة (قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ)
ج 6 ص 338
عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما (عَنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ) بفتح الراء وكسر الموحدة، صاحب الهجرتين، وقد مرَّ في كتاب «تقصير الصَّلاة» [خ¦1093] .
(عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ فَقُومُوا) سواء كانت لمسلم أو كافر إعظامًا للذي يَقْبض الأرواح على ما سيجيء تفصيله (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ) بضم المثناة الفوقية وفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المشددة؛ أي تجعلكم خلفها وتتجاوزكم وتترككم وراءها، وإسناد التَّخليف إلى الجنازة على سبيل المجاز؛ لأنَّ المراد حاملها، ثمَّ المراد بالتَّخليف ليس التَّخصيص بكون الجنازة تتقدَّم، بل المراد مفارقتها سواء خلفت القائم وراءها أو خلَّفها القائم وراءه، وهو من قولك خلَّفت فلانًا ورائي فتخلَّف عني؛ أي تأخَّر من التَّخليف.
وأمَّا خلَفتُ _ بتخفيف اللام _ فمعناه صرت خليفة عنه تقول خَلَفْتُ الرَّجل في أهله إذا قمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله، وخلف الله لك بخيرٍ، وأخلف عليك خيرًا؛ أي أبدلك بما ذهب منك وعوَّضك عنه، والخلف _ بتحريك اللام والسكون _ كل من يحيى بعد من مضى إلَّا أنَّه بالتحريك في الخير، وبالتَّسكين في الشَّر، يقال خَلَفُ صدق وخَلْف سوء، قال الله تعالى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} [مريم 59] .
(قَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (قَالَ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال الحافظ العسقلانيُّ هذا السِّياق لفظ الحُميدي في «مسنده» .
ويحتمل أن يكون علي بن عبد الله حدَّث به على السِّياقين فقال مرَّة عن سفيان حدَّثنا الزُّهري عن سالم، وقال مرَّة قال الزُّهري أخبرني سالم، وفائدة ذكر هذا الطَّريق بيان أنَّ الأولى بالعنعنة، وهذه بلفظ الإخبار فيفيد التَّقوية.
(زَادَ الْحُمَيْدِيُّ) أبو بكر بن عبد الله المكِّي (عَنْ سُفْيَانَ) أي ابن عيينة يعني بهذا الإسناد، وقد رواه الحميدي موصولًا في «مسنده» ، وأخرجه أبو نُعيم في «مستخرجه» (حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ) بزيادة قوله (( أو توضع ) )والمراد بالوضعِ الوضعُ على الأرض، أو وضعها في اللَّحد، فقد اختلفت فيه الرِّوايات.
فقال أبو داود في «سننه» عقيب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا رأيتُم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتَّى توضع ) ).
روى هذا
ج 6 ص 339
الحديث الثَّوري عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال فيه (( حتَّى توضع بالأرض ) ). ورواه أبو معاوية عن سُهيل (( حتَّى توضع في اللَّحد ) )وقال أبو داود وسفيان أحفظ من أبي معاوية.
ورواه جرير عن سُهيل فقال حتَّى توضع حسب، وزاد قال سُهيل ورأيت أبا صالح لا يجلس حتَّى توضع عن مناكب الرِّجال. أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» بهذه الزِّيادة وهو في مسلم بدونها.
وفي «المحيط» للحنفيَّة الأفضل أن لا يقعد حتَّى يُهال عليها التُّراب، وحجَّتهم رواية أبي معاوية، ورُجِّح الأوَّل عند البخاري بفعل أبي صالح؛ لأنَّه راوي الخبر وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود، والله أعلم.
وفي الباب ما أخرجه الطَّحاوي من حديث أبان بن عثمان أنَّه مرَّت به جنازة فقام لها وقال إنَّ عثمان رضي الله عنه مرَّت به جنازة فقام لها، وقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّت به جنازة فقام لها. ورواه أحمد والبزار أيضًا.
وما أخرجه الطَّحاوي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا صلَّى أحدكم على جنازة ولم يمش معها فليقم حتَّى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتَّى توضع ) ).
وما رواه ابن ماجه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال مُرَّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقام وقال (( قوموا فإنَّ للموت فزعًا ) ).
وما رواه النَّسائي من حديث زيد بن ثابت أنَّهم كانوا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام من معه، فلم يزالوا قيامًا حتَّى بعدت.
وما رواه ابنُ أبي شيبة من حديث عبد الله بن سخبرة أنَّ أبا موسى رضي الله عنه أخبرهم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مرت به جنازة قام حتَّى تجاوزه.
فاحتجَّ قوم بهذه الأحاديث على أنَّ الجنازة إذا مرَّت بأحد يقوم لها، وهم المسور بن مخرمة وقتادة ومحمَّد بن سيرين والشَّعبي والنَّخعي وإسحاق بن إبراهيم وعمرو بن ميمون.
وقال أبو عمر في «التَّمهيد» جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة، وقال بها جماعة من السَّلف والخلف ورووها غير منسوخة وقالوا لا يجلس من اتَّبع الجنازة حتَّى توضع عن أعناق الرِّجال منهم الحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزُّبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم. وذهب إلى ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال محمَّد بن الحسن رحمهم الله.
وقال الطَّحاوي وخالفهم آخرون في ذلك فقالوا ليس على من مرَّت به جنازة أن يقوم لها، ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع، وأراد بالآخرين _ على ما قال العيني _ عروة بن الزُّبير وسعيد بن المسيَّب وعلقمة والأسود ونافع بن جبير
ج 6 ص 340
وأبا حنيفة ومالكًا والشَّافعي وأبا يوسف ومحمَّدًا، وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق، ويروى ذلك عن عليِّ بن أبي طالب وابنه الحسن وابن عبَّاس وأبي هريرة رضي الله عنهم، قاله الحازمي.
وقال القاضي عياض ومنهم من ذهب إلى التَّوسعة والتَّخيير وليس بشيء، وهو قول أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون من المالكيَّة، وهؤلاء الذين قالوا ليس على من مرَّت به جنازة أن يقوم لها ذهبوا إلى أنَّ الأمر بالقيام منسوخ، وتمسَّكوا في ذلك بأحاديث منها ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنازة ثمَّ جلس بَعْدُ. وعند ابن حبَّان في «صحيحه» كان يأمر بالقيام في الجنائز، ثمَّ جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس.
قال الحازمي قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرَّحمن حدَّثنا أبو بكر الطَّبري حدَّثنا يحيى بن محمَّد البصري حدَّثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي معمر قال مرَّت بنا جنازة فقمت فقال عليٌّ رضي الله عنه من أفتاكَ هذا؟ قلت أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فقال عليٌّ رضي الله عنه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا مرَّة، فلمَّا نُسخ ذلك نهى عنه، انتهى.
ثمَّ إنهم اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث فقيل للوجوب، وإنَّ القيام للجنازة إذا مرَّت واجب، وقيل للنَّدب والاستحباب، وإليه ذهب ابن حزم، وقيل كان واجبًا ثمَّ نسخ على ما ذكر، واختار النَّووي أنَّه للاستحباب، وإليه ذهب المتولِّي من الشَّافعية.
وقال النَّووي والحديث ليس بمنسوخ، ولا يصحُّ دعوى النَّسخ في مثل هذا؛ لأنَّ النَّسخ إنَّما يكون إذا تعذَّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذَّر هاهنا.
وقال العيني ورد التَّصريح بالنَّسخ في حديث عليٍّ رضي الله عنه المذكور آنفًا، وتكلَّم الشَّافعي على حديث عامر بن ربيعة باحتمالات حكاها عنه البيهقي والحازمي، فقال وهذا لا بعد في أن يكون منسوخًا، أو أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم قام لها لعلَّة، وقد رواها بعض المحدِّثين أنَّها كانت جنازة يهودي، فقام لها كراهة أن تَطُولَهُ، قال وأيُّهما كان فقد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله قال والحجَّة في ذلك الآخر من أمره إن كان الأوَّل واجبًا، فالآخر من أمره ناسخ، وإن كان مستحبًّا فالآخر هو المستحبُّ، وإن كان مباحًا فلا بأس بالقيام قال والقعود أحبُّ إليَّ؛ لأنَّه الآخر من فعله صلى الله عليه وسلم،
ج 6 ص 341
ثمَّ الأمر بالقيام للجنازة في حديث الباب وغيره عامٌّ في جنازة المسلم وغيره من أهل الكتاب.
وقد ورد في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه التَّصريح بذلك فيما رواه عبد الله بن أحمد في «زياداته على المسند» ، والطَّحاوي من رواية ليث عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا مرَّت بكم جنازة، فإن كان مسلمًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا فقوموا لها فإنَّه ليس يقوم لها، ولكن يقوم لمن معها من الملائكة ) ).
وقال الشَّيخ زين الدِّين في حديث أبي موسى هذا التَّخصيص بجنازة المسلم وأهل الكتاب، والعلَّة المذكورة فيه تقتضي عدم تخصيصه بهم، بل تشمل جميع بني آدم، وإن كانوا كفَّارًا غير أهل كتاب؛ لأنَّ الملائكة مع كلِّ نفس. واختلفت الأحاديث في تعليلِ القيام بجنازة اليهوديَّة.
ففي حديث جابر رضي الله عنه التَّعليل بقوله (( إنَّ الموت فزع ) )أخرجه البخاري [خ¦1311] [1] ، ومسلم والنَّسائي.
وفي حديث سهل بن حنيف وقيس رضي الله عنهما التَّعليل بكونها نفسًا يعني نفسًا ماتت، فالقيام لها لأجل صعوبة الموت وتذكُّره لا لذات الميِّت. أخرجه البخاري [خ¦1312] ، ومسلم، والنَّسائي أيضًا.
وفي حديث أنس رضي الله عنه (( إنَّما قمنا للملائكة ) )أخرجه النَّسائي من رواية حمَّاد بن سلمة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنَّ جنازة مرَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام، فقيل إنَّها جنازة يهودي فقال (( إنَّما قمنا للملائكة ) )يعني ملائكة العذاب، ورجاله رجال الصَّحيح.
وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (( إنَّما تقومون إعظامًا للذي يقبض الأرواح ) )أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من رواية ربيعة بن سيف المغافري، عن أبي عبد الرَّحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تمرُّ بنا جنازة الكافر أفنقوم لها؟ قال (( نعم، فقوموا لها، فإنَّكم لستم تقومون لها إنَّما تقومون إعظامًا للذي يقبض الأرواح ) ).
وفي حديث الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما أنَّه كره أن تعلو رأسه. أخرجه النَّسائي، قال الحسن مرَّ بجنازة يهودي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقها جالسًا فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام.
وفي حديث رواه الطَّحاوي بإسناده عن الحسن وابن عبَّاس أو عن أحدهما رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 342
مرَّت به جنازة يهودي فقام فقال (( آذاني نتنها ) )ويروى (( آذاني ريحها ) ).
تكميل وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه عند مسلم أنَّه صلى الله عليه وسلم قام ثمَّ قعد. قال البيضاويُّ يحتمل قول علي رضي الله عنه «ثمَّ قعد» ؛ أي بعد أن جازت به وبعدت عنه قعد، ويحتمل أن يريدَ كان يقوم في وقت، ثمَّ ترك القيام أصلًا، وعلى هذا يحتمل أن يكون فعله الآخر قرينة على أنَّ المراد بالأمر الوارد في ذلك النَّدب، ويحتمل أن يكون نسخًا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر والأوَّل أرجح؛ لأنَّ احتمال المجاز أولى من دعوى النَّسخ، انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني والاحتمال الأوَّل يدفعه ما رواه البيهقي في حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثمَّ حدَّثهم بالحديث، ومن ثمَّة قال بكراهة القيام جمع منهم سليم الرَّازي وغيره من الشَّافعية، انتهى.
وبالكراهة صرَّح النَّووي في «الرَّوضة» ، لكن قال المتولِّي بالاستحباب. قال في «المجموع» وهو المختار، فقد صحَّت الأحاديث بالأمر بالقيام، ولم يثبتْ في القعود شيء إلَّا حديث علي رضي الله عنه، وليس صريحًا في النَّسخ لاحتمال أنَّ القعودَ فيه لبيان الجواز، وذكر مثله في «شرح مسلم» .
وفي رواية للبيهقيِّ أنَّ عليًّا رضي الله عنه رأى ناسًا قيامًا ينظرون الجنازة أن توضعَ، فأشار إليهم بدرَّة معه أو سوط أن اجلسوا فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلس بعد ما كان يقوم.
قال الأوزاعي وفيما اختاره نظرٌ؛ لأنَّ الذي فهمه علي رضي الله عنه التَّرك مطلقًا، وهو الظَّاهر، ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، واحتجَّ بالحديث، انتهى.
ولذا ذهب إلى النَّسخ عروة بن الزُّبير وسعيد بن المسيَّب وعلقمة والأسود وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمَّد رحمهم الله، وقد ورد النَّهي عن القيام في حديث عبادة رضي الله عنه (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة، فمرَّ به حبر من اليهود، فقال هكذا نفعل فقال اجلسوا وخالفوهم. أخرجه أحمد وأصحاب السُّنن إلا النَّسائي ) ).
قال الحافظ العسقلاني فلو لم يكن إسناده ضعيف، لكان حجَّة في النَّسخ، انتهى.
ثمَّ في حديث الباب رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي في نسقٍ، وإن سفيان والحميدي مكيَّان، والزُّهري وسالمًا مدنيَّان. وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه.
[1] أصله حديث جابر، وهذا اللفظ غير موجود.