1638 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي أحرمنا بها، فإن قيل سبق في باب التَّمتع [خ¦1562] أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت (( فمنَّا من أهلَّ بحجَّةٍ، ومنا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بهما ) )، وفي مواضع متعددة أنَّها قالت (( كنا لا نرى إلَّا الحج ) )، فما وجه الجمع بين الرِّوايات، فالجواب أنَّهم قالوا وجهه أنَّهم أحرموا بالحجِّ، ثمَّ لمَّا أمرهم بالفسخ على العمرة أحرم أكثرهم متمتِّعين، وبعضهم بسبب الهدي بقوا على ما كانوا عليه، وبعضهم صاروا قارنين، كذا قال الكِرماني.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا) وذلك بعد أن طهرت وطافت بالبيت (أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أخيها (إِلَى التَّنْعِيمِ) وهو على ثلاثة أميال من مكَّة، وهو أقرب المواقيت؛ لأنَّه أقرب الحلِّ إلى الحرم (فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ) ولفظ مكان نُصِبَ على الظرفية؛ أي بدل عمرتك، وقيل إنَّما قال ذلك تطييبًا لقلبها، ويقال معناه بدل عمرتك التي تركتها لأجل حيضتك.
قال الكِرماني وهذه عمرةٌ مستحبَّةٌ لا واجبةٌ، بخلاف ما ذهب إليه أهل الرَّأي أنَّ القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين.
(فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة ) )، فإنَّه هو القارن، وفيه بيان طوافه أنَّه واحد كما هو مذهب الشَّافعي حيث قال يكفي للقارن طوافٌ واحد، وهذا الحديث قد مرَّ في باب كيف تهلُّ الحائض والنَّفساء [خ¦1556] ، وقد مرَّ الكلام فيه على التَّفصيل.
قال الحافظ العسقلاني ما حاصله إنَّ هذا الحديث والحديث الآتي ظاهران في أنَّ القارن لا يجب عليه إلَّا طوافٌ واحد كالمفرد. وقد رواه سعيد بن منصور أَصْرَحَ من سياق حديثي الباب في الرَّفع قال حدَّثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 8 ص 85
(( من أحرم بالحجِّ والعمرة كفاه لهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحد ) )ويُروى (( من جمع بين الحجِّ والعمرة ) ).
وقال الطحَّاوي بعد ما أخرج هذا الحديث في كتابه في باب القارن كم عليه من الطَّواف بسنده فذهب قومٌ إلى هذا الحديث فقالوا على القارن بين الحجِّ والعمرة طوافٌ واحد، لا يجب عليه من الطَّواف غيره، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا بل يطوفُ لكلِّ واحدٍ منهما طوافًا واحدًا، ويسعى سعيًا واحدًا، وكان من الحُجَّة لهم في ذلك أنَّ هذا الحديث؛ أي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أخطأ فيه الدَّراوردي فَرَفَعَه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما أصلُه عن ابن عمر نفسِه، هكذا رواه الحفَّاظ، وهم مع هذا، لا يحتجُّون بالدَّراوردي، عن عبيد الله أصلًا، فلم يحتجون به في هذا، فممَّا رواه الحفَّاظ من ذلك عن عبيد الله حدَّثنا صالح بن عبد الرَّحمن، قال حدَّثنا سعيد بن منصور، قال حدَّثنا هشيم، قال حدَّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يقول إذا قرن طاف لهما طوافًا واحدًا، وإذا فرَّق طاف لكلٍّ منهما طوافًا وسعى سعيًا.
وكذا روى أيُّوب واللَّيث وموسى بن عقبة وغير واحدٍ عن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لا أنَّه روى هذا اللَّفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأنَّ هذه التَّخطئة مردودةٌ؛ لأنَّ الدَّراورديَّ صدوقٌ، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.
وقال العيني المردود ما قاله وذهب إليه من غير تحقيق النَّظر فيه، فهل يحلُّ ردُّ ما لا يُرَدَّ لأجل ما قصر فيه فهمه وكثر تعنُّته ومصادمته للحقِّ الأبلج؟ أفلا وقف هذا على ما قاله التِّرمذي بعد أن ذكر الحديث المذكور، وقد رواه غير واحدٍ عن عبيد الله ولم يرفعوه، وهو أصح. وقال أبو عمر في «الاستذكار» لم يرفعْه أحدٌ عن عبيد الله غير الدَّراوردي، وكلُّ من رواه عنه غيره أوقفه على ابن عمر، وكذا رواه مالك، عن نافعٍ موقوفًا، وقال أبو زرعة الدَّراورديُّ سيِّءُ الحفظ، ذكره عنه الذَّهبي في «الكاشف» ، وقال النَّسائي ليس بالقوي، وحديثُه عن عبيد الله منكر.
وقال ابن سعد كان كثير الحديث يغلط.
هذا، ثمَّ قال الحافظ العسقلاني واحتجَّت الحنفيَّة
ج 8 ص 86
بما روي عن عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّه جمع بين الحجِّ والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، ثمَّ قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) ). وطريقُه عن عليٍّ عند عبد الرَّزَّاق والدَّارقطني وغيرهما ضعيفةٌ، وكذا أَخْرَجَ من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيف نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك، والمُخْرَجُ في «الصَّحيحين» ، وفي «السنن» عنه من طرقٍ كثيرة الاكتفاء بطوافٍ واحد. انتهى.
وقال العيني حديث عليٍّ رضي الله عنه رواه النَّسائي في «سننه الكبرى» عن حمَّاد بن عبد الرَّحمن الأنصاري، عن إبراهيم بن محمَّد قال طفت مع أبي وقد جمع بين الحجِّ والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وحدَّثني أنَّ عليًّا رضي الله عنه فعل ذلك، فإن قيل قال صاحب «التنقيح» وحمَّاد هذا ضعَّفه الأزدي.
فالجواب أنَّه ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» ، وقد أخرجه الدَّارقطني من وجوهٍ عن الحسن بن عمارة، ثمَّ قال وهو متروك. وعن حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، وقال حفص ضعيف، وعن عيسى بن عبد الله بن علي ثمَّ قال وهو متروك، لكن إذا كثرت الطُّرق ولو كان فيها ضعفاء تعاضدوا وتقووا.
وروى الطَّحاوي أيضًا عن أبي النَّضر قال (( أهللت بالحجِّ فأدركت عليًّا رضي الله عنه، فقلت له إنِّي أهللت بالحجِّ أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة؟ قال لا، لو كنت أهللت بالعمرة، ثمَّ أردت أن تضيف إليه الحج ضممته قال قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك قال تصبُّ عليك إداوة ماء، ثمَّ تحرم بهما جميعًا، وتطوف لكلِّ واحدٍ منهما طوافًا ) ). وعنه عن علي وعبد الله رضي الله عنهما قالا (( القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ) ).
أقول وفي إجزاء طوافٍ واحد وسعي واحدٍ للقارن كما هو مذهب الشَّافعي، وعدم إجزائه له بل لا بدَّ له من طوافين وسعيين، كما هو مذهب الحنفيَّة كلامٌ طويلٌ، ومباحثهُ طويلةٌ بين الحافظ العسقلاني والعيني تجدها في كتابيهما إن شئت، لكن الاحتياط في عدم الإجزاء، والله أعلم.
واعلم أنَّه وقع في كثيرٍ من النُّسخ (طافوا) بدون لفظ (فإنَّما) ، وبدون الفاء في طافوا في جواب (وأمَّا الذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة) ، قال الكرماني وهو دليل جواز حذف الفاء في جواب أمَّا، وإن صرَّح النُّحاة بلزوم ذكرها إلَّا في ضرورة الشعر.
وقال بعضهم
ج 8 ص 87
لا يجوز حذف الفاء مستقلًا، لكن يجوز حذفها مع القول، كما في قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} الآية [آل عمران 106] ؛ إذ تقديره فالمقول لهم هذا الكلام.
وقال ابن مالك هذا الحديث ونحوه كقوله صلى الله عليه وسلم (( أمَّا موسى كأنِّي أنظر إليه ) )، (( وأمَّا بعد ما بال رجالٍ يشترطون شروطًا ) )مخالفٌ لهذه القاعدة، فعُلِمَ أنَّ من خصَّه بما إذا حُذِفَ القولُ معه فهو مقصِّرٌ في فتواه عاجز عن نُصْرة دعواه.