فهرس الكتاب

الصفحة 10910 من 11127

9 - (باب {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالرَّفع، . غرضُه من هذا الرَّدُّ على المعتزلة حيث قالوا إنَّه سميعٌ بلا سمعٍ، وعلى من قال معنى السَّميع العالم بالمسموعات، ومعنى البصير العالم بالمبصرات.

وقولهم هذا يوجب التَّسوية بالأعمى الَّذي يعلم أنَّ السَّماء خضراء ولا يراها، والأصمُّ الَّذي يعلم أنَّ في النَّاس أصواتًا ولا يسمعها، وفسادُه ظاهرٌ فوجب كونه سميعًا بصيرًا مفيدًا لأمرٍ الأمر زائد على ما يفيدُ كونه عالمًا.

وقال البيهقيُّ السَّميع من له سمعٌ يُدرِك به المسموعات، والبصيرُ من له بصرٌ يدرك به المرئيَّات، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللُّغة، والمفهوم في اللُّغة من عليم ذات له علمٌ، بل يستحيلُ عندهم عليمٌ بلا علمٍ كاستحالته بلا معلومٍ، فلا يجوز صرفه عنه إلَّا لقاطعٍ عقليٍّ بوجوب نفيه.

لا يُقال من طرف المعتزلة كيف يُتصوَّر السَّمع له وهو عبارةٌ عن وصول الهواء المتموِّج إلى العصب المفروش في مقعَّر الصِّماخ والله منزَّهٌ عن الجوارح؛ لأنَّ ذلك عادةٌ أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا فيخلقه الله في الحيِّ عند وصول الهواء إليه، ولا ملازمة عقلًا بينهما، والله تعالى يسمع المسموعات بدون هذه الوسائط العارية، وكذا يرى المرئيات بدون المواجهة والمقابلة، وخروج الشَّعاع ونحوه من الأمور التي لا يحصل الإبصار عادةً إلَّا بها. فذاته تعالى مع كونه حيًا لا تشبه الذَّوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصِّفات

ج 30 ص 187

فيسمع ويبصر بلا جارحةِ حدقةٍ وأذن بمرأى منه خفاء الهواجس، وبمسمعٌ منه صوت أرجل النَّمل على الصَّخرة الملساء، وقد علم بالضَّرورة من الدِّين، وثبت في الكتاب والسُّنَّة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله أنَّ الباري تعالى حيٌّ سميعٌ بصير، وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك.

وقد يستدلُّ على الحياة بأنَّه عالمٌ قادرٌ، وكلُّ عالمٍ قادرٍ حيٌّ بالضَّرورة، وعلى السَّمع والبصر بأنَّ كلَّ حيٍّ يصحُّ كونه سميعًا بصيرًا، وكلُّ ما يصحُّ للواجب من الكمالات تثبت بالفعل لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوَّة والإمكان، وعلى الكلِّ بأنَّها صفات كمالٍ قطعًا، والخلوُّ عن صفات الكمال في حقِّ من يصحُّ اتِّصافه بها نقصٌ، وهو على الله تعالى محالٌ، قال تعالى {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} [الأنعام 83] .

وقد ألزم عليه الصلاة والسلام إيَّاه الحجَّة بقوله {لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} ، فأفاد أن عدمهما نقصٌ لا يليق بالمعبود، ولا يلزم من قِدَمهما قِدَم المسموعات والمبصرات، كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات؛ لأنَّها صفاتٌ قديمةٌ تَحْدُث لها تعلُّقات بالحوادث، والله الموفق.

وحظُّ العارف من هذين الاسمين أن يتحقَّقَ أنَّه بمسمعٍ من الله ومرأى منه فلا يستهينُ باطِّلاعه عليه ونظرهِ إليه، ويراقبُ مجامع أحواله من مقالهِ وأفعاله، وقيل إذا عصيتَ مَولاك فاعصِ في موضعٍ لا يراك.

(وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ تَمِيمٍ) أي ابن سلمة الكوفي التَّابعي (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) أي أدرك سمعه الأصوات لا أنَّه اتَّسع سمعه لها؛ لأنَّ الموصوف بالسِّعة يصحُّ وصفه بالضِّيق بدلًا منه، والوصفان جميعًا من صفات الأجسام فيستحيل ذلك في حقِّ الله تعالى، فوجبَ صرفه عن ظاهره إلى ما اقتضاهُ صحَّة الدَّليل.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} ) كذا اختصره، وقد وصله أحمدُ والنَّسائي باللَّفظ المذكور هنا، وعند أحمد بعد قوله «الأصوات» لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلِّمه في جانب البيت ما أسمعُ ما تقولُ فأنزل الله الآية.

وأخرجه ابنُ ماجه من رواية أبي عبيدة بن معنٍ عن الأعمش بلفظ (( تبارك الَّذي وسعَ سمعه كلَّ شيءٍ إنِّي لأسمع كلام خولة ويَخفي عليَّ بعضَه، وهي تشتكِي زوجها إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول أكل شبابي

ج 30 ص 188

ونثرتُ له بطني حتَّى إذا كبرتْ سنِّي وانقطعَ ولدي ظاهرٌ منِّي، اللَّهم إني أشكو إليك، فما برحت حتَّى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات {قد سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} )) انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا أصحُّ ما ورد في قصَّة المجادلة وتسميتها، ويستفادُ منه أنَّ معنى قولها في رواية أحمد «ما أسمعُ ما تقول» نفي سماع مجموع القول. وأخرج أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت ظاهرٌ منِّي زوجي أوس بن الصَّامت ... الحديث.

وهذا يُحملُ على أنَّ اسمها ربما كان يُصغَّرُ وإن كان محفوظًا، فتكون نُسبت في الرِّواية الأخرى لجدِّها، وقد تظاهرت الرِّوايات بالأوَّل ففي مرسل محمد بن كعب القُرظي عند الطَّبري كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصَّامت، فقال لها أنت عليَّ كظهرِ أمِّي.

وعند ابن مَرْدويه من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ أوسَ بن الصَّامت تظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة. وعنده أيضًا من مرسل أبي العالية كانت خَولة بنت دُلَيح تحت رجلٍ من الأنصار سيِّء الخُلق فنازعته في شيءٍ، فقال أنت عليَّ كظهرِ أمي.

ودُلَيح _ بمهملتين مصغرًا _ لعلَّه من أجدادها.

وأخرج أبو داود من رواية حمَّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ جميلة كانت تحت أوس بن الصَّامت، ووصلَهُ من وجهٍ آخر عن عائشة رضي الله عنه، والرِّواية المرسلة أقوى.

وأخرجه ابن مَرْدويه من رواية إسماعيل بن عيَّاش عن هشام عن أبيه عن أوس بن الصَّامت وهو الَّذي ظاهر من امرأتهِ، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفةٌ، وهذا منها فإن كان حفظه، فالمراد بقوله عن أوس بن الصَّامت؛ أي عن قصة أوس بن الصَّامت لا أنَّ عروة حمله عن أوسٍ، فيكون مرسلًا كالرِّواية المحفوظة، وإن كان الرَّاوي حفظ أنَّها جميلةٌ فلعلَّه كان لقبها.

وأمَّا ما أخرجه النَّقَّاش في «تفسيره» بسندٍ ضعيفٍ إلى الشَّعبي قال المرأةُ التي جادلت في زوجها هي خولة بنت الصَّامت، وأمُّها معاذة أَمَةُ عبد الله بن أُبيٍّ الَّتي نزل فيها {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور 33] فقوله بنت الصَّامت خطأٌ، فإنَّ الصَّامت والد زوجها كما تقدَّم، فلعلَّه سقطَ منه شيءٌ، وتسميةُ أمِّها غريبٌ، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت