47 - (باب قَوْلِهِ) عزَّ وجلَّ ( {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} ) الهمزة فيه للإنكار، قاله الزَّمخشري والبيضاوي ( {أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} ) أي بستان ( {مِنْ نَخِيلٍ} ) في موضع رفع على أنَّه صفة لجنة؛ أي كائنةٌ من نخيل، وهو إمَّا جمع نادرٍ أو اسم جنس ( {وَأَعْنَابٍ} ) وإنَّما خصَّ هذين بالذكر مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبًا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما، ثمَّ ذكر أنَّ فيها من كلِّ الثَّمرات ليدلَّ على احتوائها على سائرِ أنواع الأشجار، وقيل يجوز أن يريدَ بالثَّمرات المنافع الَّتي كانت تحصل له فيها.
( {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ) جملة {تَجْرِي} صفة لجنَّةٍ أو حال منها؛ لأنَّها قد وصفت ( {لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ) جملةٌ مركبة من مبتدأ وخبر مقدَّم، لكن المبتدأ لا يكون جارًا ولا مجرورًا، فيؤول على حذف المبتدأ
ج 19 ص 149
أو الجار والمجرور صفة قائمة مقامه؛ أي له فيها رزقٌ من كلِّ الثَّمرات، أو فاكهةٌ من كلِّ الثَّمرات فحذف الموصوف نفسه، أو من زائدة؛ أي له فيها كلُّ الثَّمرات على رأي الأخفش، وسقط في الأصل وفرعه ذكر قوله < {لَهُ فِيْهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} > بل وقع بعد قوله {جَنَّةٍ} (إِلَى قَوْلِهِ {تَتَفَكَّرُونَ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ < {مِنْ نَخِيْلٍ وَأَعْنَابٍ} إلى قوله {تَتَفَكَّرُونَ} >، وتمام الآية {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} ؛ أي والحال أنَّه أصابه الكبر. وقيل عطف ماضٍ على مستقبل.
قال الفرَّاء هو جائزٌ لأنَّه يقعُ معها لو تقول وددت لو ذهبت عنَّا وددت أن تذهبَ عنَّا {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} وقُرئ (( ضِعاف ) ) {فَأَصَابَهَا} أي الجنَّة المذكورة {إِعْصَارٌ} وهي الرِّيح الشَّديدة، وقد مرَّ تفسيره عن قريبٍ [خ¦4536 قبل] ، ويجمعُ على أعاصير {فِيهِ نَارٌ} أي في الإعصار نارٌ من السُّموم الحارَّة القتَّالة {فَاحْتَرَقَتْ} أي الجنَّة {كَذَلِكَ} أي كما بين الأقاصيصِ والأمثال {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ} أي العلامات {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} في الآيات، فتعتبرون بها، وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها.
قيل هذه الآية متَّصلةٌ بقوله تعالى {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة 264] وهي مثلٌ لعمل من أحسن العمل أولًا، ثمَّ بعد ذلك انعكسَ سيره، فبدَّل الحسنات بالسَّيِّئات، وأبطل بعمله الثَّاني ما أسلفه فيما تقدَّم من الصَّالح، واحتاج إلى شيءٍ من الأوَّل في أضيقِ الأحوال، ولم يحصل منه على شيءٍ، وخانه أحوجُ ما كان إليه [1] ولهذا قال {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} الآية.
[1] في هامش الأصل والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة، ويضم إليها ما يحبطها كرياء أو إيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتد حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه. قاضي.