4537 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصري، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب المصري، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف (وَسَعِيدٍ) هو ابنُ المسيَّب كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ تقديم لفظ إبراهيم على الشَّكِّ. وقال الكرماني فإن قلت كيف جاز الشَّكُّ على إبراهيم عليه السَّلام؟
قلت معناه لا شكَّ عندنا فبالطَّريق الأولى أن لا يكون الشَّكُّ عنده، أو كان الشَّكُّ في كيفيَّة الإحياء لا في نفس الإحياء.
وقال العيني التَّحقيق هنا أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما شهد له بالشَّكِّ، وإنَّما مدحه لأنَّ معناه نحن أحقُّ بالشك منه، والحال أنا ما شككنا فكيف يشكُّ هو، وإنَّما شكَّ هو هل يجيبه ربه تعالى إلى سؤاله أم لا، وأمَّا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نحن أحقُّ بالشَّكِّ منه ) )فإنَّما قاله
ج 19 ص 147
تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو معناه نحن أيَّتها الأمة أحقُّ.
(إِذْ قَالَ {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ) [البقرة 260] واختلف في عامل {إِذْ} فقيل يجوز أن يكون قال {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ؛ أي قال له ربُّه وقت قوله ذلك، وأن يكون قوله ألم تر؛ أي ألم تر إذ قال إبراهيم، وأن يكون مضمرًا تقديره واذكر، فإذ على هذين القولين مفعول لا ظرف، و {رَبِّ} مضاف إلى ياء المتكلِّم حذفت استغناء عنها بالكسرة، والرُّؤية بصريَّة فيتعدَّى إلى واحدٍ، ولما دخلت همزة النقل نصب مفعولًا ثانيًا، فالأول ياء المتكلم، والثَّاني الجملة الاستفهامية، وهي معلَّقة للرُّؤية، و «كيف» في موضعِ نصب على التَّشبيه بالظرف أو بالحال، والعامل فيها (( تُحيي ) ).
وقد ذكروا في سبب سؤال إبراهيم الخليل عليه الصَّلاة والسَّلام لذلك وجوهًا، فقيل إنَّه لما احتجَّ على نمروذ بقوله {رِبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيْتُ} [البقرة 258] قال نمروذ أنا أحي وأميت، أطلق محبوسًا وقتل آخر، قال إبراهيم إنَّ الله يحيي بأن يقصدَ إلى جسد ميِّتٍ فيحييه، ويجعل فيه الرُّوح، فقال نمروذ أنت عاينت ذلك فلم يقدر أن يقول له نعم عاينته، فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى} حتَّى يُخبرَ به معاينةً إن سُئل عن ذلك مرَّةً أخرى، وقيل إنَّه سأل زيادة يقينٍ وقوَّة طمأنينة إذ العلوم الضَّرورية والنَّظرية قد تتفاضلُ في قوَّتها، وطريان الشكوك على الضَّروريات ممتنعٌ، ويجوز في النَّظريات فأراد الانتقال من النَّظر أو الخبر إلى المشاهدة والتَّرقِّي من علم اليقين إلى عين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.
( {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ) بأنِّي قادرٌ على الإحياء بإعادة التَّركيب والحياة؟ قال له ذلك، وقد علم أنَّه أثبت النَّاس إيمانًا ليُجيب بما أجاب فيعلم السَّامعون غرضه ( {قَالَ بَلَى} ) آمنت ( {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ) اللام لام كي فالفعل منصوب بإضمار أن واللام متعلقة بمحذوف بعد «لكن» تقديره ولكن سألتك كيفيَّة الإحياء للاطمئنان، ولا بدَّ من تقدير محذوفٍ آخر قبل لكن
ج 19 ص 148
ليصحَّ معه الاستدراك، والتَّقدير بلى آمنت، وما سألت غير مؤمنٍ، ولكن سألت ليطمئنَّ قلبي لأزيد بصيرةً وسكون قلبٍ.
وقال الطِّيبي سؤال الخليل عليه السَّلام لم يكن عن شكٍّ في القدرة على الإحياء، ولكن عن كيفيتها، فهو كما لو علمت أنَّ زيدًا يحكم في الَّناس، فسألت عن تفاصيل حكمه؟ فقلت كيف تحكم؟ فسؤالك لم يقع عن كونه حاكمًا، ولكن عن أحوال حكمه، وهو مشعرٌ بالتَّصديق بالحكم، ولذلك قطعَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يقعُ في الأوهام من نسبة الشك إليه عليه السَّلام بقوله «نحن أحقُّ بالشَّك» ؛ أي نحن لم نشك فإبراهيم أولى. فإن قيل فعلى هذا كيف قال {أَوَلْم تُؤْمِنْ} ؟ فالجواب أنَّ هذه الصِّيغة في الاستفهام قد تُستعمل أيضًا عند الشَّكِّ في القدرة كما تقول لمن يدَّعي أمرًا تستعجزهُ عنه أرني كيف تصنعه، فجاء قوله {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ، والرَّدُّ ببلى ليزول الاحتمال اللَّفظي في العبارة، ويحصل النَّص الذي لا ارتياب فيه.
فإن قيل قول إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} يُشعر ظاهره بفقد الطُّمأنينة عند السُّؤال؟ فالجواب أنَّ معناه ليزول عن قلبي الفكر في كيفيَّة الإحياء بتصويرها مشاهدةً فتزول الكيفيات المحتملة، انتهى.
وقد مضى الحديث في كتاب «الأنبياء عليهم السَّلام» ، في باب «قوله عزَّ وجلَّ {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} » [الحجر 51] [خ¦3372] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.