64 - (باب صَلاَةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ) والمراد من الصَّلاة الدُّعاء؛ لأنَّه معناها اللُّغوي، وإنما عطفَ لفظ الدُّعاء على الصلاة لئلا يُفهم أنَّ الدعاء بلفظ الصَّلاة متعيَّن، بل غيره من الدُّعاء والثناء يؤدِّي معناها مثل أن يقول آجركَ الله فيما أعطيتَ وبارك لك فيما أبقيتَ، أو يقول اللَّهمَّ اغفرْ له وتقبَّل منه.
ويؤيده ما رواه النسائي من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة (( اللَّهمَّ بارك فيه وفي إبله ) ).
قيل
ج 7 ص 312
وإنما ذكر لفظ الإمام في الترجمة ردًا لشبهة أهل الرِّدة في قولهم لأبي بكر الصِّديق رضي الله عنه إنما قال الله عزَّ وجلَّ لرسوله {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} الآية [التوبة 103] وادَّعوا خصوصية ذلك بالرَّسول فأراد المؤلِّف أنَّ كلَّ إمام داخل فيه، ولهذا ذكر هذه الآية الكريمة حيث قال
(وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على مدخولِ باب ( {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} ) من الذُّنوب ( {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ) وتُنْمي حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين بها ( {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ) أي ادعْ لهم واستغفرْ لهم؛ إذ الصَّلاة من الله مغفرة ورحمة، ومن غيره دعاء واستغفار.
وروى ابنُ أبي حاتم وغيره في قوله تعالى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} قال ادع لهم ( {إِنَّ صَلَواتَكَ} ) بالجمع ويروى < {إِنَّ صَلَاتَكَ} > بالإفراد وقد قرئ بهما في السبعة ( {سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة 103] ) تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، وجمعها لتعدد المدعوِّ لهم.
وآخر الآية {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} أي لدعائك {عَلِيمٌ} من يستحق ذلك منك ومن هو أهل له.
وفي بعض الأصول < {تُطَهِّرُهُمْ} إلى قوله {سَكَنٌ لَهُمْ} >.
وقال ابن بطال معناه صلِّ عليهم إذا ماتوا صلاة الجنازة؛ لأنها في الشَّريعة محمولةٌ على العبادة المفتتحة بالتَّكبير المختتمة بالتَّسليم.
وقال العينيُّ لم ينحصر معنى قوله تعالى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} فيما ذكره ابن بطَّال من الصَّلاة على الجنازة بل جمهور المفسِّرين فسروا قوله {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} بالدُّعاء.
وعن هذا قال الخطَّابي أصل الصلاة في اللغة الدُّعاء إلا أنَّ الدُّعاء يختلف بحسب المدعو له فصلاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمَّته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة الأمَّة له دعاء له بزيادة القُرْبة والزُّلفة، ولذلك كان لا يليق بغيره، وبظاهر الآية أخذَ أهل الظَّاهر وقالوا الدعاء واجبٌ.
وحكاهُ الحنَّاطي وجهًا للشَّافعية وخالفهم جميع العلماء، وقالوا إنَّه مستحبٌّ؛ لأنها تقع الموقع وإن لم يدع، ولو كان واجبًا لأمر السُّعاة بذلك ولعلَّمهم كيفيته.
وأيضًا إنَّ القياس على استيفاءِ سائر الحقوق من الكفَّارات والدُّيون وغيرهما يقتضِي عدم الوجوب؛ إذ لا يجب فيها الدُّعاء اتفاقًا، وأمَّا الآية فتحتمل الاستحباب.
وتحتمل أيضًا أن يكون الوجوب خاصًا به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكون صلاته سكنًا لهم دون غيرهم.