(((68 ) )) (سُوْرَةُ ن الْقَلَمِ) ولم يثبت لفظ إلَّا في رواية أبي ذرٍّ. قال مقاتل هي مكيَّةٌ كلُّها. وذكر ابن النَّقيب عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من أولها إلى قوله {سَنَسِمُهُ} [القلم 16] مكيٌّ، ومن بعد ذلك إلى قوله {لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم 33] مدنيٌّ. وقال السَّخَّاوي نزلت بعد سورة المزمِّل وقبل المدَّثر، وهي ألف ومائتان وستة وخمسون حرفًا، وثلاثمائة كلمة، واثنتان وخمسون آية.
والمشهور في {ن} أنَّ حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة، وبه جزم الفرَّاء، وقيل المراد بها الحوت.
روى أبو جعفر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أوَّل ما خلقَ الله القلم، قال اكتبْ القدرَ يجري بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام السَّاعة، ثمَّ خلقَ النون، ورفع بخارَ الماء، ففتقت منه السَّماء،
ج 21 ص 279
وبسطتِ الأرض على ظهر النون فمادت الأرض.
وكذا رواه ابنُ أبي حاتم، وذكر البغويُّ وغيره أنَّ على ظهرِ هذا الحوت صخرةٌ سمكها كغلظِ السَّموات والأرضِ، وعلى ظهرها ثورٌ له أربعون ألف قرن، وعلى متنهِ الأرضون السَّبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ.
واختلف في اسمِ ذلك الحوت، فعن الكلبيِّ ومقاتلٍ يهموت، وعن الواقديِّ ليوثًا، وعن علي رضي الله عنه بلهوت، والله تعالى أعلم.
والقلم هو الَّذي خطَّ اللَّوح، أو الَّذي يخطُّ به، وأقسم به لكثرةِ فوائدهِ، وجواب القسم الجملة المنفيَّة، هذا وقيل هي؛ أي {ن} آخر حروف الرَّحمن. وهي روايةٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا قال الر وحم ون حروف الرَّحمن مقطَّعة. وعن الحسن وقتادة والضَّحَّاك النُّون الدَّواة، وهي روايةٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا. وعن معاوية بن قرَّة لوحٌ من نور رفعه الله إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم. وعن ابن كيسان هو قسمٌ أقسمَ الله به، وعن عطاء افتتاح اسمه نور وناصر ونصير. وعن جعفر الصَّادق نونٌ نهر في الجنَّة.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) لم تثبت البسملة إلَّا في رواية أبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {يَتَخَافَتُونَ} يَنْتَجُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية بعدها جيم (السِّرَارَ وَالكَلاَمَ الخَفِيَّ) أشار به إلى قوله تعالى {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} [القلم 23] وفسَّره بقوله يَنْتَجون. .. إلى آخره. وقد ثبت هذا في رواية أبي ذرٍّ وحده، وثبت للباقين في كتاب «التوحيد» [خ¦7525 قبل] .
(وَقَالَ قَتَادَةُ {حَرْدٍ} ) بالجرِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع (جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) أشار به قتادة إلى قوله تعالى {وَغَدَوا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [القلم 25] وفسَّره بقوله «جِدٍّ» وهو بكسر الجيم وتشديد الدال، بمعنى الاجتهاد والمبالغة في الأمر. وقال ابن التِّين وضبط في بعض الأصول بفتح الجيم.
وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة كانت الجنَّة لشيخٍ، وكان يمسك قوته سنةً ويتصدَّق بالفضلِ، وكان أهله ينهونه عن الصَّدقة، فلمَّا مات أبوهُم غدوا عليها، فقالوا لا يدخلنَّها اليوم عليكم مسكينٌ، وغدوا على حردٍ قادرين يقول على جدٍّ من أمرهم. قال معمر وقال الحسن على فاقةٍ.
وأخرج سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ عن عكرمة قال هم
ج 21 ص 280
ناسٌ من الحبشة كانت لأبيهم جنَّةٌ، فذكر نحوه إلى أن قال {وَغَدَوا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} على أمرٍ مجتمعٍ. وعن النَّخعي ومجاهد على أمرٍ مجمعٍ أسسوه بينهم. وعن سفيان على حنقٍ وغضبٍ. وعن أبي عبيدة على منع، من حاردت الإبل [انقطع] لبنها؛ أي منعها، وحاردت السَّنَة قلَّ مطرها.
وقال الثَّعلبي على قدرةٍ قادرين على أنفسهم. وقوله {قَادِرِينَ} حال من فاعل {غَدَوا} ، و {عَلَى حَرْدٍ} متعلِّقٌ به.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {إِنَّا لَضَالُّونَ} أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) وفي بعض النسخ سقط لفظ < {إَنَّا} > أي قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ*بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم 26 - 27] أضللنا مكان جنَّتنا؛ أي فتهنا عنها، ثمَّ لما رجعوا عمَّا كانوا فيه وتيقَّنوا أنَّها هي قالوا {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي بل هي هذه، ولكن لا حظَّ لنا ولا نصيبٌ، رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جُريج عن عطاء عنه.
وروى عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قتادة {إِنَّا لَضَالُّونَ} أخطأنا الطَّريق ما هذه جنَّتنا، والضَّمير في قوله {فَلَمَّا رَأَوْهَا} إلى الجنة في قوله تعالى {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم 17] يعني امتحنَّا واختبرنا أهل مكَّة بالقحط والجوع {كَمَا بَلَوْنَا} أي كما ابتلينا أصحاب الجنَّة.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما بستانٌ باليمن يُقال له الضَّروان، بقرب صنعاء بفرسخين، وكانوا حلفوا أن لا يصرمن نخلها إلَّا في الظلمة قبل خروج النَّاس من المساكين إليها، فأرسل الله عليها نارًا من السَّماء فأحرقتها، وهم نائمون فلمَّا قاموا وأتوا إليها ورأوها قالوا إنَّا لضالُّون، وليست هذه جنَّتنا.
قال الحافظ العسقلاني زعم بعض الشُّرَّاح أنَّ الصَّواب في هذا أن يُقال (( ضللنا ) )بغير ألف تقول ضللت الشَّيء إذا جعلته في مكانٍ، ثمَّ لم تدر أين هو، وأضللت الشَّيء إذا ضيَّعته. انتهى.
والَّذي وقع في الرِّواية صحيح المعنى؛ أي عملنا عمل من ضيَّع، ويحتمل أن يكون بضم أول أضللنا. انتهى.
وتعقَّبه العيني وقال أراد ببعض الشُّرَّاح الحافظ الدِّمياطي فإنَّه هو الَّذي قال هكذا، والَّذي قاله هو الصَّواب لأنَّ اللغة تساعده، والَّذي اختاره هذا القائل من الوجهين اللَّذين ذكرهما بعيدٌ جدًا، أمَّا الأوَّل فليس بمطابقٍ لقول أهل الجنَّة فإنَّ عملهم
ج 21 ص 281
لم يكن إلَّا رواحهم إلى جنَّتهم فقط، وليس فيه عمل يشبه بعمل من ضيَّع، وأمَّا الثَّاني فهو احتمالٌ لا يقطع، ولكن يُقال في توجيه الذي وقع به الرِّواية الصَّحيحة أضللنا أنفسنا عن مكان جنتنا؛ يعني هذه ليست بجنَّتنا، بل تُهنا في طريقنا. انتهى، فليتأمَّل فيه.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيْمِ} [القلم 20] ( {كَالصَّرِيمِ} كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ) أي انقطع (مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ) أي وكالليل (انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ) فالصَّريم يُطلقُ على اللَّيل وعلى النَّهار، وعلى الصُّبح فهو من الأضداد، وقيل سمُّوا الليل والنَّهار الصَّريم لانصرام هذا عن ذاك، وذاك عن هذا. قال أبو عبيدة (( فأصبحت كالصَّريم ) )النَّهار انصرم من اللَّيل، واللَّيل انصرم من النَّهار. وقال الفرَّاء الصَّريم اللَّيل المسود.
(وَهْوَ) أي الصَّريم (أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ) هو قول أبي عبيدة أيضًا، قال وكذلك الرَّملة تنصرم من معظم الرَّمل (وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ) وهو محصِّل ما أخرجه ابنُ المنذر من طريق شيبان عن قتادة في قوله {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيْمِ} [الملك 20] كأنَّها قد صرمت.
والحاصل أنَّ الصَّريم مقولٌ بالاشتراك على معانٍ يرجعُ جميعها إلى انفصال شيءٍ عن شيءٍ، ويُطلقُ أيضًا على الفعل فيُقال صريم بمعنى مصروم.
وقال عبد الرَّزَّاق عن مَعمر أخبرني تميم بن عبد الرحمن أنَّه سمع سعيد بن جبيرٍ يقول هي _ يعني الجنَّة المذكورة _ أرضٌ باليمن يُقال لها صروان بينها وبين صنعاء ستَّة أميال، وقد سبقَ مثله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وفي «التفسير» (( كالصَّريم ) )؛ أي كالبستان الَّذي صرم ثمارُهُ بحيث لم يبقَ فيه شيءٌ، أو كاللَّيل باحتراقها واسودادها، أو كالنَّهار بابيضاضها من فرط اليبس.