17 - (بابٌ) بالتنوين وعدمه. قال الحافظ العسقلاني والتَّقدير باب في تفسير قوله تعالى، أو باب تفسير قوله تعالى {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة 5] . .. إلى آخره.
وتعقَّبه محمود العيني بأنَّ المؤلف رحمه الله ما وضع هذا الباب لتفسير الآية؛ لأنَّه ليس في صدد التَّفسير في هذه الأبواب، وإنَّما هو في صدد بيان أمورِ الإيمان، وبيان أنَّ الأعمال من الإيمان مستدلًا على ذلك بالآية والحديث، حيث فرع التخلية في الآية على أمورٍ هي التوبة، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وفرَّع العصمة
ج 1 ص 232
في الحديث على الشَّهادة، والصَّلاة، والزكاة أيضًا، فيكون مآل الآية والحديث واحدًا، فإنَّ التَّخلية والعصمة بمعنى واحد هنا، وكذا التَّوبة والشَّهادة.
وهذا هو وجه المناسبة بين الآية والحديث على أنَّ في كون الحديث تفسيرًا للآية نظر؛ لأنه قد روي عن أنس رضي الله عنه أنَّ هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن.
ولا شكَّ أنَّ الحديث المذكور متقدِّم عليها؛ لأنَّ النبي عليه السلام إنَّما أمر بقتال الناس في ابتداء البعثة، والمتقدِّم لا يكون مفسرًا للمتأخر، هذا وفيه نظر.
قال فينبغي أن لا يعرب هذا الباب؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلَّا بعد العقد والتَّركيب، ولا تركيب هنا. انتهى.
وفي بحث فإنَّه يجوز أن يكون التَّقدير هذا باب من الأبواب المتعلِّقة بالإيمان وقبوله الزِّيادة والنُّقصان. ويؤيِّده الرواية، فلا تلتفت إلى ما يقال مِن أنَّ التنوين لا تساعده الدِّراية.
ثمَّ الآية المذكورة في سورة التوبة نزلت في مشركي مكة وغيرهم من العرب، وذلك أنهم عاهدوا المسلمين ثمَّ نكثوا، إلا ناسًا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى النَّاكثين، وذلك قوله تعالى {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة 1] ، وأمهل للمشركين أن يسيحوا في الأرض ويسيروا فيها أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرَّض لهم، وتلك الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم.
وقيل هي عشرون من ذي الحجَّة والمحرَّم وصفر وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر، وذلك قوله تعالى {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة 2] ، فإذا انسلخت تلك الأشهر يقاتلونهم، وهو معنى قوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ} أي انقضى. وأصلُ الانسلاخ خروج الشَّيء ممَّا لابسه، من سلخ الشاة، ويقال انسلخ الشهر من سنته؛ أي خرجَ وانقضى. {الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} الَّتي أبيح للنَّاكثين أن يسيحوا فيها، وقيل هي رجب وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم.
قال البيضاويُّ وهذا مُخِلٌّ بالنَّظم مخالف للإجماع، فإنَّه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم، إذ ليس فيما نزل بعدُ ما ينسخها.
{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} النَّاكثين الَّذين نقصوكم وظاهروا عليكم {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} من حلٍّ وحرم {وَخُذُوهُمْ} أي اسِرُوهُم، والأَخْيذ الأسير {وَاحْصُرُوهُمْ} واحبسوهم وامنعوهم من التقلُّب والتَّصرف في البلاد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما حَصْرُهُمْ أن يحالَ بينهم وبين المسجد الحرام.
{وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} كلَّ ممرٍّ ومجتاز ترصدونهم به؛
ج 1 ص 233
لئلا يتشعبوا في البلاد ويتثبطوا.
( {فَإِنْ تَابُوا} ) أي عن شركهم بالإيمان ( {وَأَقَامُوا} ) أي أدُّوا ( {الصَّلاَةَ} ) في أوقاتها ( {وَآتَوُا} ) أي أعطوا ( {الزَّكَاةَ} ) تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم ( {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ) أي أطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو معناه كُفُّوا عنهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء من ذلك؛ لأنهم عصموا دماءهم وأموالهم بالرُّجوع عن الكفر إلى الإسلام وشرائعه.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} يغفر لهم ما سلفَ من الكفر والغدر {رَحِيمٌ} يعفو عنهم ويثيب لهم بالتَّوبة، فهذا القول الكريم تعليلٌ لأمر بالتَّخلية ووعدٌ لهم، وفي الآية كما قال البيضاوي رحمه الله دَلالة على أنَّ تارك الصَّلاة ومانع الزَّكاة لا يُخلَّى سبيله.
ثمَّ إنَّ ذِكَر الآية والتبويبَ عليها للردِّ على المرجئة في قولهم إنَّ الإيمان غير محتاج إلى الأعمال، وأنَّ المعصية لا تضر مع الإيمان، وللتنبيه على أنَّ الأعمال من الإيمان، وأنَّه قول وعمل، كما هو مذهبه ومذهب جماعة من السَّلف.