فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 11127

24 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، نزيل دمشق، وقد مرَّ ذكره (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (مَالِكُ) أي ابن أنس، كما في رواية، وهو إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر ابن الخطَّاب القرشي العدوي التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال.

وقال ابن المسيب كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر رضي الله عنهما. وقال مالك لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن راهويه أصح الأسانيد كلها الزُّهري، عن سالم، عن أبيه. وكان أبوه يلام في إفراط حبِّ سالم، وكان يقبِّله فيقول ألا تعجبون من شيخٍ يقبِّل شيخًا.

مات بالمدينة سنة ست ومائة، وقيل خمس، وقيل ثمان، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وله إخوة عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد، وكان عبد الله وصيُّ أبيه فيهم. روى عنه منهم أربعة عبد الله وسالم وحمزة وبلال.

(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله. ومنها أن فيه التَّحديث والإخبار والعنعنة. ومنها أنَّ في رواية الأكثرين ، وفي رواية الأَصيلي .

وأخرج متنه المؤلف في (( البِرِّ والصِّلة ) )أيضًا [خ¦6118] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي أيضًا.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) يقال مرَّ عليه ومرَّ به بمعنى واحد؛ أي اجتاز (مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ) بكسر العين؛ أي ينصح من الوعظ، وهو النُّصح والتَّذكير بالعواقب.

وقال ابنُ فارس هو التَّخويف والإنذار. وقال الخليل بن أحمد هو التَّذكير بالخير فيما يرق القلب.

(أَخَاهُ) من الدِّين، فيكون مجازًا لغويًا، أو حقيقةً عرفيَّة؛ لأنَّه يراد به الأخ في الإسلام في عرف الشَّرع لقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات 10] ، ويحتمل أن يرادَ الأخ من جهة النَّسب فيكون حقيقة لغوية. قال العسقلاني في (( المقدمة ) )ولم يسمَّيا جميعًا.

(فِي) شأن (الْحَيَاءِ) يعني أنَّه ينهاه عن الحياء ويخوِّفه منه (فَقَالَ) له(رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم

ج 1 ص 230

دَعْهُ)أي اتركه على حيائه، وهو أمرٌ لا ماضي له، وربَّما جاء في ضرورة الشِّعر.

قال أسد بن زنيم

~ليْتَ شعْرِي عن خَلِيليَّ مَا الَّذي غَالَهُ في الوعْدِ حتَّى وَدَعَه

وقد قُرئ في الشواذ قوله تعالى {مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ} [الضحى 3] بالتَّخفيف.

وقال التيميُّ الوعظ الزجر، يعني يزجره ويقول له لا تستحيي، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم دعه يستحيي.

وقال الحافظُ العسقلاني الأَولى أن يشرحَ يعني قوله (( يعظ ) )بما جاء عند المصنِّف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن شهابٍ، ولفظه (( يعاتب أخاهُ في الحياء يقول إنَّك لتستحيي، حتَّى كأنَّه يقول قد أضرَّ بك ) ) [خ¦6118] . انتهى.

وقال محمود العيني هذا بعيد من حيث اللُّغة، فإنَّ معنى الوعظ الزَّجر، ومعنى العتب الوَجْد، يقال عَتَبَ عليه، إذا وجد، على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنيين جليَّين ليس في أحدهما خفاء حتَّى يفسر بالآخر غاية ما في الباب أنَّ الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعمالهِ الحياء وعاتبه عليه.

والرَّاوي حكى في إحدى روايتيهِ بلفظ الوعظ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة، وذلك أنَّ الرَّجل كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه عن استيفاءِ حقوقه فوعظه أخوه على مباشرةِ الحياء وملازمته وعاتبه على ذلك، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلم (( دعه ) )أي اتركه على هذا الخلق السَّنيِّ، ثمَّ زاده في ذلك ترغيبًا فقال

(فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) ؛ لأنَّ الشَّخص يكف عن أشياء منكرة من مناهي الشرع؛ لحيائه وخوف العيب [1] أو الذَّم، ويكثر مثل هذا في زماننَا، بل يكف عن استيفاء حقِّ نفسه فيجرُّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الخُلق لاسيما إذا كان المتروك له مستحقًا.

وقال ابن قتيبة معناه أنَّ الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان؛ فَسُمِّيَ إيمانًا، كما يُسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه.

وحاصلُه أنَّ إطلاق كونه من الإيمان مجاز، ولمَّا كان الواعظ الزَّاجر عن الحياء لا يعرف أنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، وإلَّا لمّا منعه منه أتى عليه السلام بكلمة التَّأكيد.

ويمكن أن يقال أنَّه كان يعرف أنَّه من الإيمان، لكنَّه جعل كالمنكر لظهور أماراتِ الإنكار عليه، فألقى الكلام إليه مؤكِّدًا، ويجوز أن يكون التَّأكيد من جهة أنَّ القضيَّة في نفسها ممَّا يجب أن يهتم بها وإن لم يكن هناك منكرًا وما في حكمه.

ج 1 ص 231

ثمَّ إنَّ كلمة (( من ) )تبعيضيَّة فالمعنى فإنَّ الحياءَ بعض الإيمان. فإن قلت إذا كان الحياء بعض الإيمان، فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان، وانتفاء البعض يستلزمُ انتفاء الكلِّ.

قلتُ قد عرفت أنَّ المراد أنَّه من مكمِّلات الإيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الأصل، نعم على مذهب الاعتزال يردُّ الإشكال، فليتأمل.

تتمة [2] قال الراغب الحياء انقباض النَّفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مُركب من خير وعفَّة، ولذلك لا يكون المستحيي كاشفًا، وقلَّما يكون الشُّجاع مستحييًا. وقد يكون مطلق الانقباض، كما في بعض الصِّبيان.

وقال غيره هو انقباض النفس؛ خشية ارتكاب ما يكره أعمَّ من أن يكون شرعيًّا أو عرفيًّا أو عقليًّا، ومقابل الأول فاسق، ومقابل الثاني أبله، ومقابل الثالث مجنون.

قال وقوله صلَّى الله عليه وسلم (( الحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ ) )أي أثرٌ من آثار الإيمان. وقال الحليميُّ حقيقة الحياء خوف الذَّمِّ بنسبة الشَّر إليه.

وقال غيره فإن كان في محرَّم فهو واجب، وإن كان في مكروه فهو مندوب، وإن كان في مباح فهو العرفي، وهو المراد بقوله عليه السلام (( الحياءُ لا يأتي إلَّا بخيرٍ ) ).

ويجمع كل ذلك أنَّ المباح إنَّما هو ما يقع على وفق الشَّرع إثباتًا ونفيًا، والله أعلم.

وجاء عن بعض السَّلف رأيتُ المعاصي نذالَةً، فتركتُها مروءةً، فصارت ديانةً.

وقد يتولَّد الحياءُ من الله من التَّقلب في نعمه وآلائه فيستحيي العاقل أن يستعينَ بها على معصيته.

وقد قال بعض السَّلف خَفِ الله على قدْرِ قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك، وهو أقربُ إليك من حبل الوريد.

وفي الحديث فوائد

منها الحضُّ على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها، وكل ما يُستَحيى من فعله. ومنها الدَّلالة على أنَّ النصيحة إنما تعتد بها إذا وقعت موقعها. ومنها التَّنبيه على زجر مثل هذا النَّاصح.

[1] في هامش الأصل فإن الحياء على ما مرَّ هو تغير وانكسار يلحق الإنسان عند خوف ما يعاب أو يذم. منه.

[2] في هامش الأصل وإنما قلنا تتمة لأنه قدح تقدم بعض ما يتعلق بالحياء في باب أمور الإيمان. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت