13 - (باب) وقد سقط في رواية غير أبي ذرٍّ ( {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} ) اختلفوا في الرُّوح المسؤول عنها. قال الزَّمخشري الأكثر على أنَّ الذي سألوه عنه هو حقيقة الرُّوح، فأخبر أنه من أمر الله؛ أي ممَّا استأثر بعلمه. وعن أبي بُريدة مضى النَّبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الرُّوح.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قالت اليهود للنَّبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الرُّوح وكيف تُعذَّب، وإنما هي من الله، ولم يكن نزل عليه فيه شيء فلم يحر جوابًا، فجاءه جبريل عليه السَّلام
ج 20 ص 163
بهذه الآية. وقال الأشعري هو النَّفس الدَّاخل من الخارج، قال وقيل هو جسمٌ لطيفٌ مشارك للأجسام الظَّاهرة والأعضاء الظَّاهرة.
وقال بعضهم لا يعلمها إلَّا الله، وقال الجمهور هي معلومة، فقيل هي الدَّم، وقيل هي نور من نور الله، وحياة من حياته، وقيل هي أمر من أمر الله عزَّ وجلَّ أخفى حقيقتها وعلمها عن الخلق، وقيل هي روحانية خلقت من الملكوت، فإذا صفت رجعت إلى الملكوت، وقيل الرُّوح روحان روح اللاهوتية، وروح النَّاسوتية، وقيل الرُّوح لاهوتية، والنَّفس أرضية طينية ناريَّة، وقيل الرُّوح استنشاق الهواء، وقال عامَّة المعتزلة إنَّها عرض، وأغرب ابن الرَّاوندي فقال إنَّها جسم لطيف يسكنُ البدن.
وقال الواقديُّ المختار أنَّها جسم لطيف توجد به الحياة، وقيل الأرواح على صورة الخلق لها أيدٍ وأرجل وتسمع وتبصر، وقال ابنُ التِّين اختلف النَّاس بالرُّوح في المراد بالرُّوح المسؤول عنه في الخبر على أقوال
الأوَّل روح الإنسان، والثَّاني روح الحيوان، والثَّالث جبرائيل، الرَّابع عيسى، الخامس القرآن، السَّادس الوحي، السَّابع مَلَك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة، الثَّامن مَلَك له أحد عشر ألف جناح ووجه، رجلاه في الأرض السُّفلى، ورأسه عند قائمة العرش، التَّاسع خلق كخلق بني آدم يُقال لهم الرُّوح يأكلون ويشربون لا ينزل ملك من السَّماء إلَّا نزل معه واحد من الرُّوح انتهى كلامه ملخَّصًا بزيادات من كلام غيره.
وهذا إنَّما اجتمع من كلام أهل التَّفسير في معنى لفظ الرُّوح الوارد في القرآن لا بخصوص هذه الآية، فمن الذي في القرآن نزل به الرُّوح الأمين {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى 52] (( يلقي الرُّوح من أمره ) ) [غافر 15] (( وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) ) [المجادلة 22] {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ 38] {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر 4] . فالأوَّل جبرائيل عليه السَّلام، والثَّاني القرآن، والثَّالث الوحي، والرَّابع القوة، والخامس والسَّادس محتمل لجبريل ولغيره، ووقع إطلاق روح الله على عيسى عليه السَّلام.
وقد روى ابن إسحاق في «تفسيره» بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 20 ص 164
قال الرُّوح من الله وخلق من خلق الله، وصور كبني آدم لا ينزل ملك إلَّا ومعه واحد من الرُّوح، وثبت عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه كان لا يُفسِّر الرُّوح؛ أي لا يعين المراد منه في الآية.
وقال الخطَّابي حكوا في المراد بالرُّوح أقوالًا قيل سألوه عن جبرائيل عليه السَّلام، وقيل عن ملك له ألسنة، وقال الأكثر سألوه عن الرُّوح التي تكون بها الحياة في الجسد. وقال الثَّعلبي اختلفوا في تفسير الرُّوح المسؤول عنه في الآية ما هو؟ فقال الحسن وقَتادة هو جبرائيل عليه السَّلام، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو ملك من الملائكة له سبعون ألف رأس، في كلِّ رأس سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف فم، في كلِّ فم سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يُسبح الله تعالى بتلك اللُّغات كلها، يخلق من كلِّ تسبيحة ملك يطيرُ مع الملائكة إلى يوم القيامة.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الرُّوح ضرب من الملائكة خلق الله صورهم على صورِ بني آدم لهم، أيدٍ وأرجل ورؤوس، وكذا رُوي عن مجاهد وأبي صالح والأعمش، وذكر أبو إسحاق الثَّعلبي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفًا عليه قال الرُّوح ملك عظيم أعظم من السَّموات والأرض والجبال والملائكة، وهو في السَّماء الرابعة، يُسبِّح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق من كلِّ تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفًّا واحدًا وحده، والملائكةُ بأسرهم يجيئون صفًّا، وقيل المراد به بنو آدم، قاله ابن عبَّاس والحسن وقتادة.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو الذي ينزل ليلة القدر زعيم الملائكة، وبيده لواءٌ طوله ألف عام، فيغرزه على ظهرِ الكعبة، ولو أذن الله له أن يلتقم السَّموات والأرض لفعل. وعن سعيد بن جُبير لم يخلق الله خلقًا أعظم من الرُّوح، ومن عظمته لو أراد أن يبلع السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع ومن فيهما لقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجههِ على صورة وجه الآدميين
ج 20 ص 165
فيقوم يوم القيامة عن يمين العرش والملائكة معه في صفِّه، وهو أقربُ الخلق إلى الله تعالى، وهو ممَّن يشفع لأهل التَّوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة سترًا من نور لاحترق أهل السَّموات من نورهِ، وقال قومٌ هو المركب في الخلق الذي بفقده فناؤهم وبوجوده بقاؤهم.
وقال بعضُهم أراد بالرُّوح القرآن، وذلك أنَّ المشركين قالوا يا محمَّد من أتاك بهذا القرآن؟ فأنزلَ الله تعالى هذه الآية، وبيَّن أنَّه من عنده. وقال أهل النَّظر سألوه عن كيفيَّة مسلك الرُّوح في البدن وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه.
وقال القُرطبي الرَّاجح أنَّهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأنَّ اليهود لا يعترفون بأنَّ عيسى عليه السَّلام روح الله، ولا يجهلون أنَّ جبرائيل عليه السَّلام ملك، وأنَّ الملائكة أرواح. وقال الإمام الرَّازي المختار أنهم سألوه عن الرُّوح الذي هو سببُ الحياة، وأنَّ الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانه أنَّ السُّؤال عن الرُّوح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيزة، وهل هي حالة في متحيز أم لا، وهل هي قديمة أو حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلِّقاتها قال وليس في السُّؤال ما يُخصِّص أحد هذه المعاني إلَّا أن الأظهر أنَّهم سألوا عن الماهيَّة، وهل الرُّوح قديمة أو حادثة.
والجواب يدلُّ على أنَّها شيءٌ موجود مغاير للطَّبائع والأخلاط وتركيبها، فهي جوهرٌ بسيط مجرَّد لا يحدث إلَّا بمحدث، وهو قوله تعالى {كُنْ} فكأنَّه قال هي موجودةٌ محدثة بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيَّتها المخصوصة نفيها. قال ويُحتملُ أن يكون المراد بالأمر في قوله {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء 85] ، الفعل كقوله تعالى {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود 97] أي فعله، فيكون الجواب [الروح من فعل ربي، وإن كان السؤال هل هي قديمة أو حادثة فيكون الجواب] [1] إنَّها حادثة إلى أن قال، وقد سكت السَّلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمُّق فيها انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وقد تنطَّع قوم
ج 20 ص 166
فتباينت أقوالهم فقيل هي النَّفس الدَّاخل والخارج، وقيل الحياة، وقيل جسمٌ لطيفٌ يحل في جميع البدن، وقيل هي الدَّم، وقيل هي عرض، حتى قيل إنَّ الأقوال فيها بلغت المائة، ونقل ابن مندهْ عن بعض المتكلِّمين إنَّ لكلِّ نبي خمسة أرواح، وإنَّ لكل مؤمن ثلاثة، ولكلِّ حيٍّ واحدة.
وقال ابنُ العربي اختلفوا في الرُّوح والنَّفس، فقيل متغايران، وهو الحقُّ، وقيل هما شيءٌ واحد، قال وقد يُعبَّر بالرُّوح عن النفس وبالعكس كما يُعبَّر عن الرُّوح، وعن النَّفس بالقلب وبالعكس، وقد يعبَّر عن الحياة بالرُّوح حتى يتعدَّى ذلك إلى غير ذوي العقول بل إلى الجماد مجازًا.
وقال السُّهيلي دلَّ على مغايرة الرُّوح والنَّفس قوله تعالى {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر 29] وقوله {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة 116] فإنه لا يصحُّ أحدهما موضع الآخر، ولولا التَّغاير لساغ ذلك. وقال أهلُ الأثر الرُّوح غير النَّفس، وقوام النَّفس بالرُّوح، والنفس لا تريد إلَّا الدُّنيا، والرُّوح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها، وقد جعلَ الهوى تبعًا للنَّفس، والشَّيطان مع النَّفس، والملك مع العقل والرُّوح، وقيل الأرواح تتناسخُ وتنتقل من جسم إلى جسمٍ، وهذا فاسدٌ وهو شرُّ الأقاويل.
ثمَّ اعلم أنَّ أرواح الخلق كلها مخلوقة، وهو مذهبُ أهل السنَّة والجماعة والأثر، واختلفوا هل تموت بموتِ الأبدان والأنفس أو لا تموت؟ فقالت طائفةٌ لا تموتُ ولا تبلى، وقال بعضُهم تموت ولا تبلى وتبلى الأبدانُ، وقيل الأرواح تعذَّب كما تعذَّب الأجسام.
وقال بعضُهم تعذَّب الأرواح والأبدان جميعًا، وكذلك تنعم، وقال بعضُهم الأرواح تبعث يوم القيامة لأنَّها من حكم السَّماء، ولا تبعث الأبدان لأنَّها من الأرض خلقت، وهذا مخالفٌ للكتاب والأثر وأقوال الصَّحابة والتَّابعين، وقال بعضُهم تبعثُ الأرواح يوم القيامة وينشئ الله عزَّ وجلَّ لها أجسامًا من الجنَّة، وهذا أيضًا مخالف لما ذكرنا،
ج 20 ص 167
والله تعالى أعلم.
[1] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.