2117 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَجُلًا) وفي رواية أحمد من طريق محمد بن إسحاق حدَّثني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما كان رجلٌ من الأنصار. زاد ابن الجارود في «المنتقى» من طريق سفيان عن نافع أنَّه حَبَّان بن مُنْقِذ _ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة الثقيلة _ ومنقذ اسم فاعلٍ من الإنقاذ، وهو التَّخليص، الصحابيُّ ابن الصحابيِّ الأنصاري المازني شهد أحدًا وما بعدها ومات في زمن عثمان رضي الله عنه.
وقد شُجَّ في بعض مغازيه مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بحجرٍ ببعض الحصون فأصابته في رأسه مأمومةٌ فتغيَّر بها لسانه وعقله لكنَّه لم يخرج عن التَّمييز، وروى الدارقطنيُّ من طريق عبد الأعلى والبيهقي من طريق يونس بن بكير كلاهما، عن ابن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رجلًا من الأنصار كانت بلسانه لوثةٌ وكان لا يزال يغبن في البيوع، فَذُكِرَ ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا بعت فقل لا خلابة مرتين.
وقال ابن إسحاق وحدَّثني محمد بن يحيى بن حَبَّان قال هو جَدِّي مُنْقِذُ بن عمرو وكان رجلًا قد أصابته آمَّةٌ في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن.
وفيه
ج 10 ص 166
وكان عمَّر عمرًا طويلًا عاش مائة وثلاثين سنة، وفي لفظ عن ابن عمر رضي الله عنهما كان حَبَّان بن مُنْقِذٍ رجلًا ضعيفًا، وكان قد سُفِعَ في رأسه مأمومة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثًا، وكان قد ثقل لسانه، فكنت أسمعه يقول (( لا خيابة لا خيابة ) ).
وقال النوويُّ في بعض الروايات (( لا خَيَابة ) )_ بالمعجمة والتحتانية وبالموحدة _، وفي بعضها بالنون، وفي بعضها (( خذَابة ) )_ بإعجام الذال _ وكان الرَّجل ألثغ يقولها بهذه العبارة، ولا يمكنه أن يقول على الصواب وهو لا خلابة، وقال الدارقطنيُّ وكان ضرير البصر.
وفي الطبرانيِّ لَمَّا عمي قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال ابن قُرقُول إنَّ هذا الرجل كان ألثغ ولا يعطيه لسانه إخراج الكلام وكان ينطق ياء باثنتين من تحت أو ذالًا المعجمة.
(ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ) وفي رواية ابن إسحاق فَشَكَى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ما يلقى من الغبن (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام؛ أي لا خديعة في الدين؛ لأنَّ الدِّين النصيحة. زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى عنه (( ثمَّ أنت بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليالٍ، فإن رضيتَ فأمسكْ، وإن سخطتَ فارددْ ) ).
فبقي حتَّى أدرك زمان عثمان رضي الله عنه، وهو ابن مائة وثلاثين سنة فكثر الناس في زمن عثمان رضي الله عنه فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له إنَّك غُبِنْتَ فيه رَجَعَ به فيشهد له الرجل من الصَّحابة بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد جعله بالخيار ثلاثًا فيردُّ له دراهمه.
قال العلماء لقَّنه النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا القول ليتلفَّظ به عند البيع فيطلع به صاحبه على أنَّه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، ويرى له كما يرى لنفسه؛ لِمَا تقرَّر من حضِّ المتبايعين على النَّصيحة، كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام (( فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما ) )الحديث.
وفي الحديث وجوه
الأول أنَّ مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة أنَّ الغبن غير لازمٍ فلا خيار للمغبون سواءٌ قلَّ الغبن أو كثر، وهو الأصحُّ من روايتي مالك، وقال أحمد إنه يردُّ بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السِّلعة. وقال البغداديُّون من أصحاب مالك للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة وإن كان دونه فلا، وكذا حَدَّهُ أبو بكر بن أبي موسى من الحنابلة، وقيل
ج 10 ص 167
السُّدس وعن داود العقد باطل، وعن مالك إن كانا عارفين بتلك السِّلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع كثيرًا كان الغبن أو قليلًا، فإن كان أحدهما غير عارفٍ بذلك فسخ البيع إلَّا أن يريد أن يمضيه ولم يَحُدَّ مالك حدًّا وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور.
وأجاب الحنفيَّة والشافعيَّة وجمهور العلماء عن الحديث بأنَّها واقعةُ عينٍ وحكاية حال، وقال ابن العربي ينبغي أن يقال إنَّه كلَّه مخصوصٌ بصاحبه لا يتعدَّاه إلى غيره فإنَّه كان يخدع في البيوع فيحتمل أنَّ الخديعة كانت في العيب، أو في الغبن، أو في الكذب، أو في الثَّمن وليست قصَّته عامة فيحمل على العموم، وإنَّما هي خاصَّة في واقعة عين وحكاية حال فلا يصحُّ دعوى العموم فيها عند أحدٍ فإنِ احتجَّ بها فإنَّما يحتجُّ بها في حقِّ من كان بصفة الرجل المذكور.
ثمَّ أورد ابن العربي على نفسه قول عمر رضي الله عنه فيما رواه الدارقطنيُّ من طريق ابن لهيعة ثنا حبَّان بن واسع، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنَّه كلَّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في البيوع، فقال ما أجد لكم شيئًا أوسع ممَّا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لَحبَّانَ بنِ مُنْقِذٍ ثلاثة أيَّام، فذكر الحديث.
فلم يجعله عمر رضي الله عنه خاصًّا به، ثمَّ أجاب عنه بضعف الحديث من أجل ابن لهيعة انتهى. وقال الجمهور أيضًا لو كان الغَبْنُ مُثْبِتًَا للخيار لَمَا احتاج إلى اشتراط الخيار، كما رواه البيهقيُّ، والدارقطنيُّ في بعض طرق الحديث أنَّه اشترط الخيار ثلاثًا، ولا احتاج أيضًا إلى قوله (( لا خلابة ) ).
الثاني أنَّه استدلَّ به الشافعيُّ وأحمد وإسحاق على حَجْر السفيه الذي لا يحسن التصرُّف، ووجه ذلك أنَّه لَمَّا طلب أهلُه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم الحجرَ عليه فنهاه عن البيع، والحجر هو المنع، قلنا هذا نهيٌ خاصٌّ به لضعف عقله، ولا يسري هذا في الحجر على الحرِّ البالغ العاقل؛ لأنَّه في حقِّه إهدار الآدميَّة.
وقد روى الترمذيُّ من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رجلًا كان في عقدته ضعفٌ وكان يبايع وأنَّ أهله أتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله،
ج 10 ص 168
احجرْ عليه، فدعاه النَّبي صلى الله عليه وسلم فنهاه، فقال يا رسول الله! إنِّي لا أصبر على البيع، فقال (( إذا بايعت فقل ها ولا خلابة ) )، ورواه بقيَّة أصحاب «السنن» .
وقال النوويُّ هذا الرَّجل هو حَبَّانُ بن مُنْقِذٍ، وقال ابن العربيِّ هو مُنْقِذُ بن عمرو. والأوَّل أرجح، وقوله (( في عقدته ضعف ) )أراد ضعف العقل، وعقدة الرجل ما عقد ضميره ونيَّته؛ أي عزم عليه ونواه.
الثَّالث أنَّه استدلَّ أبو حنيفة رحمه الله إلى أنَّ ضعيف العقل لا يحجر عليه؛ لأنَّه لمَّا قال له (( إنَّه لا يصبر على البيع ) )أذن له فيه بالصفة التي ذكرها. فهذا دالٌّ على عدم الحجر، وتُعُقِّب بأنَّه لو كان الحجرُ على الكبير لا يصحُّ، ولو تبيَّنَ سَفَهَهُ لأَنْكَرَ عليهم. وأمَّا كونه لم يحجر عليه فلا يدلُّ على منع الحجر على السَّفيه فافهم.
الرابع أنَّه استدلَّ به ابن حزم على أنَّه يتعيَّن في اللَّفظ الموجب للخيار، ذكر الخِلابة دون غيره من الألفاظ فلو قال لا خديعة، أو لا غشَّ، أو لا كيد، أو لا مكر، أو لا عيب، أو لا ضرر، أو لا داء، أو لا غائلة، أو لا خبث، أو على السلامة، أو نحو ذلك لم يكن له الخيار المجعول لمن قال لا خِلابة، إلَّا أن يكون في لسانه خللٌ يعجز عن التلفُّظ بها، فيكفي أن يأتي بما يقدر عليه من هذا اللفظ ونحوه، كما كان يفعل هذا الرجل من قوله لا خيابة _ بالمثناة التحتية _ أو لا خذابة _ بالذال _ على اختلاف الروايتين، وكذلك إن لم يكن يحسن العربيَّة، فقال معناها باللِّسان الذي يحسنه فإنَّه يثبت له الخيار.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ومِن أسهلِ ما يُرَدُّ به عليه أنَّه ثبت في «صحيح مسلم» أنَّه كان يقول (( لا خِيَابة ) )بالتحتانية بدل اللام وبالذال المعجمة بدل اللام أيضًا، وكأنَّه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه ومع ذلك لم يتغيَّر الحكم في حقِّه عند أحدٍ من الصَّحابة الذين كانوا يشهدون له بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار، فدلَّ على أنَّهم اكتفوا في ذلك بالمعنى، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ ذلك منه عجيبٌ وكيف يكون هذا أسهلَ ما يُرَدُّ به عليه، وهو قائلٌ بما ذكره هذا القائل عند العجز، وكلامه عند القدرة.
الخامس أنَّه اسْتُدِلَّ به على أنَّ أمد خيار الشَّرط ثلاثة أيَّامٍ من غير زيادةٍ؛ لأنَّه حكم وردَّ على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيِّده
ج 10 ص 169
جعل الخيار في المصرَّاة ثلاثة أيَّام واعتبار الثلاث في غير موضع، وأغرب بعض المالكيَّة، فقال إنَّما قصره على ثلاث؛ لأنَّ معظم بيعه كان في الرقيق، وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرَّد الاحتمال، وقال العينيُّ هذا الباب فيه اختلاف الفقهاء، فقالت طائفة البيع بشرط الخيار جائز، والشَّرط لازمٌ إلى الأمد الذي اشْتُرِطَ إليه الخيارُ.
وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن منذر، وقال اللَّيث يجوز الخيار إلى ثلاثة أيَّام فأقل، وقال عُبيد الله بن الحسن لا يُعجبني شرط الخيار الطَّويل إلَّا أنَّ الخيار للمشتري ما رضيَ البائع، وقال ابن شَبْرُمَةَ والثوريُّ لا يجوزُ البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع أو لهما.
وقال سفيان البيع فاسدٌ بذلك فإن شُرِطَ الخيار للمشتري عشرة أيَّام أو أكثر جاز، وقال مالك يجوز شرط الخيار في بيع الثَّوب اليوم واليومين، والجارية إلى خمسة أيام والجمعة، والدَّابَّة تُرْكَبُ اليوم وشبهه، ويُسَارُ عليها البريد ونحوه، وفي الدار الشهر لتُخْتَبَرَ ويُشَاوَرَ فيها، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري، وقال الأوزاعيُّ يجوز أن يشترط شهرًا وأكثر، وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وزفرُ الخيار في البيع ثلاثة أيَّامٍ ولا يجوز الزيادة عليها فإن زاد فسد البيع، وروي أيضًا عن ابن شبرمة.
وفي «شرح المهذب» ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها، فأمَّا البيوع التي فيها ربا وهي الصرف، وبيع الطَّعام بالطَّعام فلا يجوز فيها شرط الخيار فإنَّه لا يجوز أن يتفرَّقا قبل تمام البيع.
وروى ابن ماجه بسندٍ جيِّدٍ حسنٍ من حديث يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق حَدَّثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال سمعتُ رجلًا من الأنصار يشكو إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه يغبن في البيوع، فقال (( إذا بايعت فقل لا خِلابة ثمَّ أنت بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليال ) ).
ولَمَّا رواه البخاري في «تاريخه» بسندٍ صحيحٍ إلى ابن إسحاق جعله عن منقذ بن عمرو، وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» حَدَّثنا عباد بن العوام، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، قال قال
ج 10 ص 170
رسول الله صلى الله عليه وسلم لمُنْقِذِ بنِ عمرو (( قل لا خِلابة إذا بعتَ بيعًا فأنت بالخيار ثلاثًا ) ).
وروى عبد الرزاق في «مصنَّفه» من حديث أبان بن أبي عيَّاش، عن أنس رضي الله عنه أنَّ رجلًا اشترى من رجلٍ بعيرًا، واشترط عليه الخيار أربعة أيام فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع، وقال (( الخيار ثلاثة أيام ) )، وذكره عبد الحق في «أحكامه» من جهة عبد الرزاق وأعلَّه بأبان بن أبي عَيَّاش وقال إنَّه لا يُحْتَجُّ بحديثه مع أنَّه كان رجلًا صالحًا، وروى الدارقطني في «سننه» عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة حَدَّثنا أبو علقمة حَدَّثنا نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( الخيارُ ثلاثة أيام ) )، وأحمد بن عبد الله بن ميسرة إن كان هو الحرانيُّ فهو متروكٌ.
وقال ابن حبان ثمَّ التقدير بالثلاث خرج مخرج الغالب؛ لأنَّ النَّظر يحصل فيها غالبًا، وهذا لا يمنع من الزيادة عند الحاجة كما قُدِّرَتْ حِجَارَةُ الاستنجاء بالثلاث، ثمَّ تجب الزيادة عند الحاجة، والله أعلم.
وفي الحديث أيضًا ما كان عليه أهل العصر من الرجوع إلى الحقِّ، وقبول خبر الواحد في الحقوق وغيرها، ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ الخداع لو لم يكن مكروهًا؛ لِمَا قال صلى الله عليه وسلم لذلك المخدوع (( إذا بايعت فقل لا خِلابة ) ).
والحديث أخرجهُ المؤلف في (( الحيل ) )أيضًا [خ¦6964] ، وأخرجهُ أبو داود، والنسائيُّ في (( البيوع ) ).