فهرس الكتاب

الصفحة 3314 من 11127

2116 - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أراد البخاريُّ نفسَه (وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ المصريُّ، وقد وصله الإسماعيلي من طريق ابن رنجويه والرمادي وغيرهما، وأبو نعيمٍ من طريق يعقوب بن سفيان كلُّهم عن أبي صالح كاتبِ الليث عن الليث، به قال أبو نُعَيْم، ذكره البخاري، فقال وقال الليث ولم يذكر من دونه؛ لأنَّ الحديث لأبي صالح، وأبو صالح ليس على شرطه.

وذكر البيهقيُّ أنَّ يحيى بن بكير رواه عن الليث كذلك فوضح أنَّ للَّيث فيه شيخين، وقد أخرجه الإسماعيليُّ أيضًا من طريق أيوب بن سويد، عن يونس عن الزُّهري.

(حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) بن مسافر الفهميُّ المصريُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ) أي ابن عفَّان رضي الله عنه (مَالًا) أي أرضًا أو عقارًا (بِالْوَادِي) يعني وادي القرى، وهو من أعمال المدينة فاللام للعهدِ (بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ) وهو بلد عنزة في جهة الشَّمال والشَّرق على المدينة على نحو ستِّ مراحل. وخيبر بلغة اليهود حصن.

(فَلَمَّا تَبايعنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِيّ) وفي رواية أيوب بن سويد (( طفقت أنكصُ على عَقبي القهقرى ) )، وعقبي بلفظ المفرد والمثنَّى(حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ،

ج 10 ص 163

خَشْيَةَ)بالنصب على أنَّه مفعول له لقوله (( رجعت ) ) (أَنْ يُرَادَّنِي) بتشديد الدال وأصله يراددني؛ أي يطلب منِّي استرداده (وَكَانَتِ السُّنَّةُ) أي الطريقة المعهودة (أَنَّ الْمُتَبايعيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا) يعني أنَّ هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان رضي الله عنه، وأنَّه فعل ذلك ليجب البيع ولا يبقى لعثمان رضي الله عنه خيارٌ في فسخه.

واستدلَّ ابن بطَّال بقوله (( وكانت السنَّة ... إلى آخره ) )على أنَّ ذلك كان في أول الأمر. فأمَّا في الزمن الذي فعل ابن عمر رضي الله عنهما ذلك فكان التفرُّق بالأبدان متروكًا، فلذلك فعله ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنَّه كان شديد الاتِّباع، واعترض عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه ليس في قوله (( وكانت السنة ... إلى آخره ) )ما ينفي استمراره. وقد وقع في رواية أيوب بن سويد (( كنَّا إذا تبايعنا كان كلُّ واحدٍ منَّا بالخيار ما لم يفترق ) )المتبايعان (( فتبايعت أنا وعثمان ) )، فساق القصَّة وفيها إشعارٌ باستمرار ذلك، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأن قوله وفيها إشعار باستمرار ذلك غير مسلَّم بل هذه دعوىً بلا برهان، وقد ذكر ابنُ رشدٍ في «المقدمات» له أنَّ عثمان رضي الله عنه قال لابن عمر رضي الله عنهما ليست السنَّة بافتراق الأبدان قد انتسخ ذلك. وقد اعترض عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ هذه الزيادة لم أر لها إسنادًا، ولو صحَّت لم تُخرَّج المسألة؛ لأنَّ أكثر الصَّحابة قد نُقِلَ عنهم القولُ بأنَّ الافتراق بالأبدان.

هذا وتعقَّبه العينيُّ أنَّه لا يلزم من عدم رؤيتِهِ إسناده عدم رؤية قائله، فهذا لا يشفي العليل ولا يروي الغليل، انتهى فليتأمَّل.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) يعني ابنَ عمر رضي الله عنهما (فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ، رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ، بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ) وهم قبيلةٌ من العرب الأولى، وهم قومُ صالحٍ عليه السلام يصرف ولا يصرف وأرضهم قريبة من تبوك.

وحاصل المعنى أنَّه يبيِّن وجه غبنه عثمان رضي الله عنه وهو أنَّه زاد المسافة التي بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها.

ج 10 ص 164

(بِثَلاَثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ لَيَالٍ) يعني أنَّه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذتها عن المسافة التي كانت بيني وبين أرضي؛ أي التي بعتها بثلاث ليال وإنَّما قال إلى المدينة لأنَّهما جميعًا كانا بها، فرأى ابن عمر رضي الله عنهما الغبطة في القرب من المدينة فلذلك قال رأيت أنِّي قد غبنته، وفي الحديث تقديم مصلحة نفسه على مصلحة غيره.

وفيه جواز بيع الأرض بالأرض، وفيه جواز بيع العين الغائبة على الصفة، وفيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى في باب (( بيع الملامسة ) ) [خ¦2144] ، وفيه جواز الاحتيال في إبطال الخيار، وفيه أنَّ الغبن لا يُرَدُ به البيعُ، وفيه الاحتجاج لمن قال أنَّ الافتراق بالكلام؛ إذ لو كان معنى الحديث التفرُّقَ بالأبدان لكان المراد به الحضَّ والنَّدب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم ألا ترى إلى قول ابن عمر رضي الله عنهما وكانت السنَّة أنَّ المتبايعين بالخيار، قال ذلك لِمَا ذكرنا.

وقال ابن التِّين وذكر أبو عبد الملك أنَّ في بعض الرِّوايات وكانت السنَّة يومئذٍ، قال ولو كان على الإلزام لقال كانت السنة وتكون إلى يوم الدين.

قال ابن بطَّال حكى ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ الناس كانوا يلتزمون حينئذٍ النَّدب؛ لأنَّه كان زمن مكارمة، وأنَّ الوقت الذي حكى فيه التفرُّق بالأبدان كان التفرُّق بالأبدان فيه متروكًا ولو كان على الوجوب ما قال وكانت السنَّة، فلذلك جاز أن يرجعَ على عقبيهِ؛ لأنَّه فُهِمَ أنَّ المراد بذلك الحضُّ والنَّدب لا سيَّما هو الذي حضر فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم في هبتهِ البَكْرِ له بحضرةِ البائع قبل التَّفرق.

وقال الطَّحاوي روِّينا عن ابن عمر رضي الله عنهما ما يدلُّ على أنَّ رأيه كان في الفرقة بخلاف ما ذهب إليه من قال إنَّ البيع لا يتمُّ إلا بها وهو ما حدَّثنا سليمان بن شعيب ثنا بشر بن بكر ثنا الأوزاعيُّ حدَّثني الزهريُّ، عن حمزة بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال ما أدركت الصَّفقة حيًّا فهو من مال المبتاع.

قال ابن حزم صحَّ هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما ولا يعلم له مخالفٌ

ج 10 ص 165

من الصَّحابة رضي الله عنهم، وقال ابن المنذر يعني في السِّلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها المشتري بعد تمام البيع هي من مالِ المشتري؛ لأنَّه لو كان عبدًا فأعتقه المشتري كان عتقه جائزًا ولو أعتقه البائع لم يجزْ عتقه.

قال الطَّحاوي فهذا ابن عمر رضي الله عنهما يذهب فيما أدركت الصَّفقة حيًّا فهلك بعدها أنَّه من مال المشتري، فدلَّ ذلك أنَّه كان يرى أنَّ البيع يتمُّ بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك، وأنَّ المبيع ينتقل من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتَّى يهلك من ماله إن هلك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت