6 - (بابُ الاِنْتِصَارِ) أي الانتقام (مِنَ الظَّالِمِ؛ لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} ) أي إلاَّ جهر من ظُلم، استُثنِي من الجهر الذي لا يحبُّه الله جهر المظلوم، وهو أن يدعو على الظَّالم، ويذكره بما فيه من السُّوء.
وروى الطَّبري من طريق السُّدِّي قال في قوله {إلَّا من ظلم} ؛ أي فانتصر بمثل ما ظُلِم به فليس عليه ملام، وعن مجاهد إلَّا من ظُلِم فانتصرَ فإنَّ له أن يجهرَ بالسُّوء.
وقال عليُّ بن طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {لا يحبُّ الله الجهر بالسُّوء من القول إلَّا من ظلم} يقول لا يحبُّ الله أن يدعوَ أحدٌ على أحدٍ إلَّا أن يكون مظلومًا، فإنَّه قد أرخصَ له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله تعالى {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} وإن صبرَ فهو خيرٌ له.
وقال عبد الرَّزاق أخبرنا
ج 11 ص 336
المثنى بن الصَّبَّاح، عن مجاهدٍ في قوله تعالى {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} قال ضاف رجلٌ رجلًا فلم يؤدِّ إليه حقَّ ضيافته، فلمَّا خرج أخبر النَّاس فقال ضفت فلانًا فلم يؤدِّ إليَّ حقَّ ضيافتي، قال فذلك الجهر بالسُّوء من القول إلَّا من ظُلم حين لم يؤدِّ إليه الآخر حقَّ ضيافتهِ، ونزولها في واقعةِ عينٍ لا يمنع حملها على عمومها.
وقال عبدُ الكريم بن مالكٍ الجزريُّ في هذه الآية هو الرَّجل يشتمُك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه لقوله تعالى {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى 41] . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( المستبَّان ما قالا فعَلى البادئ منهما ما لم يعتدِ المظلومُ ) ).
وقرئ في الشَّواذ على البناء للفاعل على الانقطاع؛ أي ولكن الظَّالم راكبٌ ما لا يحبُّه الله فيجهر بالسُّوء، ويجوز أن يكون «من ظلم» مرفوعًا كأنه قيل لا يحبُّ الجهر بالسوء إلَّا الظَّالم على لغة من يقول ما جاءني زيدٌ إلَّا عمرو، يعني ما جاءني إلَّا عمرو؛ ومنه {لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل 65] .
( {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا} ) لكلام المظلوم ( {عَلِيمًا} [النساء 148] ) بالظَّالم ( {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى 39] ) البغي الظُّلم؛ أي الذين أصابهم بغي المشركين في الدِّين انتصروا عليهم بالسَّيف، أو إذا بغى عليهم باغٍ كرهوا أن يستذلُّوا لئلَّا يجترئ عليهم الفسَّاق، فإذا قدروا عفوا.
وروى الطَّبري من قول السُّدي في قوله {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} قال يعني فمن بغى عليهم ينتصرون من غير أن يعتدوا.
وروى النَّسائي وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت دخلتْ على زينب بنت جحش فسبَّتني، فردَّها النَّبي صلى الله عليه وسلم فأبتْ، فقال لي (( سُبِّيها ) )فسببتُها حتَّى جفَّ ريقها في فمها، فرأيت وجهه يتهلَّلُ.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو النَّخعي (كَانُوا يَكْرَهُونَ) أي السَّلف (أَنْ يُسْتَذَلُّوا) على صيغة المجهول وهو من الذُّل (فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا) وهذا التَّعليق ذكره عبد بن حميد في «تفسيره» عن قَبيصة عنه، وفي روايةٍ قال منصور سألت إبراهيم عن قوله {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} قال كانوا
ج 11 ص 337
يكرهون للمؤمنين أن يبذلوا أنفسَهم فيجترئ الفسَّاق عليهم.
قال ابن بطَّال وفي معنى كلام إبراهيم رُوِي أنَّه صلى الله عليه وسلم استعاذ من غلبةِ الرِّجال، واستعاذ من شماتةِ الأعداء، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينتقمُ لنفسه ولا يقتصُّ ممَّن جفا عليه.
ورُوِي عن أحمد بن حنبل أنَّه قال جعلتُ المعتصم بالله في حلٍّ من ضربي وسجني؛ لأنِّي لا أحبُّ أن يعذِّب الله بسببي أحدًا.