فهرس الكتاب

الصفحة 10588 من 11127

7148 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ

ج 29 ص 522

(عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضمّ الموحّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه هكذا رواه ابن أبي ذئبٍ مرفوعًا، وأدخل عبد الحميد بن جعفر بين سعيدٍ وأبي هريرة رجلًا ولم يرفعه، وابن أبي ذئبٍ أتقن من عبد الحميد وأعرفُ بحديث المقبُري منه، فروايتُه هي المعتمدةُ.

وعقّبه البخاريُّ بطريق عبد الحميد إشارةً منه إلى إمكان تصحيحِ القولين، فلعلَّه كان عند سعيدٍ، عن عُمر بن الحكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفًا على ما رواه عنه عبد الحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطةٍ مرفوعًا، أو وجدت عند كلِّ واحدٍ من الرِّوايتين عن سعيد زيادةً، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرَّفع؛ لأنَّ الرَّاوي قد يَنْشَط فيُسند، وقد لا يَنْشَط فيَقف.

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه (قَالَ إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ) بكسر الرّاء وفتحها، ووقع في رواية شبابة عن ابن أبي ذئبٍ (( ستعرضون ) )بالعين، وأشار إلى أنَّها خطأٌ (عَلَى الإِمَارَةِ) أي العظمى وهي الخلافة، والصُّغرى وهي الولاية على بعض البلاد بطريق النِّيابة، وهذا إخبارٌ منه صلى الله عليه وسلم بالشَّيء قبل وقوعه، فوقع كما أخبر (وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لمن لم يعمل فيها بما ينبغي، وزاد في روايةِ شبابة (( وحسرة ) ). ويوضِّح ذلك ما أخرجه البزَّار والطَّبرانيّ بسندٍ صحيحٍ عن عوف بن مالكٍ بلفظ (( أوَّلها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلَّا من عدلٍ ) ).

وفي «أوسط الطبرانيّ» عن أبي هريرة رضي الله عنه من رواية شريكٍ، عن عبد الله بن عيسى، عن أبي صالحٍ عنه قال شَريك لا أدري رفعه أو لا؟ قال (( الإمارة أوَّلها ندامةٌ، وأوسطها غرامةٌ، وآخرها عذاب يوم القيامة ) ). وله شاهدٌ من حديث شدَّاد بن أوسٍ رفعه بلفظ (( أوَّلها ملامة، وثانيها ندامة ) )أخرجه الطَّبرانيّ. وعند الطَّبرانيّ من حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه رفعه (( نعم الشَّيء الإمارة لمن أخذها بحقِّها وحِلّها، وبئس الشَّيء الإمارة لمن أخذها بغير حقِّها، تكون عليه حسرةً يوم القيامة ) ).

وهذا يقيِّد ما أطلق في الَّذي قبله. ويقيِّده أيضًا ما أخرجه مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال (( إنَّك ضعيفٌ وإنَّها أمانةٌ، وإنَّها يوم القيامة خزيٌ وندامٌة إلَّا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الَّذي عليه فيها ) ).

قال النَّووي هذا أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعفٌ، وهو في حقِّ مَن دخل فيها بغير أهليَّة ولم يعدل، فإنَّه يندم على ما فرَّط منه إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأمَّا من كان

ج 29 ص 523

أهلًا وعدل فيها، فأجره عظيمٌ كما تظاهرت به الأخبار، لكن في الدُّخول فيها خطرٌ عظيمٌ، ولذلك امتنع الأكابر منها.

(فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ) أي الولاية؛ أي نعم أوَّلها؛ لأنَّ فيها المال والجاه ونفاذ الكلمة، وحصول اللَّذَّات الحسيَّة والوهمية حال حصولها (وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) عند الانفصال عنها بموتٍ أو غيره، فإنَّها تقطع عنه تلك اللَّذائذ والمنافع.

قال الدَّاودي (( نعمت المرضعة ) )أي في الدُّنيا (( وبئست الفاطمة ) )أي بعد الموت؛ لأنَّه يصير إلى المحاسبة على ذلك، وتبقى عليه الحسرة والتَّبعات، فيصير كالَّذي يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه.

اعلم أنَّ نعم وبئس فعلان لا يتصرّفان؛ لأنَّهما أزيلا عن موضعهما، فنعمَ منقول من قولك نَعِمَ فلان إذا أصاب نعمةً، وبئس منقولٌ من بَئشسَ إذا أصاب بؤسًا، فنقلا إلى المدح والذَّم، فشابها الحروف. وقيل إنَّهما استُعملا للحال بمعنى الماضي. ويقال نعم المرأة هندٌ، ونعمت المرأة هندٌ، فالحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثًا جواز إلحاق التاء وتركه، فوقع التَّفنن في هذا الحديث.

وقال الطِّيبيّ إنَّما لم يلحق التَّاء بنعم؛ لأنَّ المرضعة مستعارةٌ للإمارة وتأنيثها غير حقيقيٍّ، فتُرك إلحاق التّاء بها، وأُلحقت ببئس نظرًا إلى كون الإمارة حينئذٍ داهية دهياء. قال وإنَّما أتى بالتَّاء في الفاطمة والمرضعة إشارةً إلى تصوير تينك الحالتين المتجدِّدتين في الإرضاع والفطام، فعلى العاقل أن لا يُلمَّ بلذَّة تتبعها حسرات.

وفي «المصابيح» شبَّه على سبيل الاستعارة ما يحصلُ من نفع الولاية حالة ملابستها بالرِّضاع، وشبَّه بالفطام انقطاع ذلك عنها عند الانفصال عنها بالاستعارةِ في المرضعة والفاطمة. فإن قلت هل من لطيفةٍ تتلمح في ترك التَّاء من فعل المدح، وإثباتها مع فعل الذَّم؟

أجيب بأنَّ إرضاعها هو أحبُّ حالتيها إلى النَّفس، وفطامها أشقَّ الحالتين على النَّفس، والتَّأنيث أخفضُ حالتي الفعل، وتركه أشرف حالتيه، إذ هو حالة التَّذكير وهو أشرفُ من التَّأنيث، فأتوا استعمال أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة الَّتي هي أشرفُ حالتي الولاية، واستعمل الحالة الأُخرى، وهي التَّأنيث مع الحالة الشَّاقَّة على النَّفس، وهي حالةُ الفطام من الولاية؛ لمكان المناسبة، فهذا أمرٌ قد يتحصل في هذا المقام. انتهى.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند التِّرمذيّ، وقال حديثٌ غريبٌ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( من ولي القضاء، أو جُعل قاضيًا بين النَّاس

ج 29 ص 524

فقد ذبحَ بغير سكِّينٍ )) . والذَّبح إذا كان بغير سكينٍ، فإنَّ فيه زيادة تعذيب للمذبوح بخلاف الذَّبح بالسِّكين، ففيه إراحة له بتعجيل إزهاق الرُّوح. وقيل إنَّ الذَّبح لمَّا كان في العرف بالسِّكين عدل صلى الله عليه وسلم إلى غيره؛ ليعلم أنَّ المراد ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه.

قال التُّوربشتيّ وشتَّان ما بين الذَّبحين، فإنَّ الذَّبح بالسِّكين عناء ساعةٍ، والأخرى عناء عمره، أو المراد أنَّه ينبغي أن يموتَ جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرَّدية فهو مذبوحٌ بغير سكينٍ، فعلى هذا فالقضاء مرغوبٌ فيه، وعلى ما قبله فالمراد التَّحذير منه.

قال المظهريُّ خطر القضاء كثيرٌ وضرّره عظيمٌ؛ لأنَّه قلَّما عدل القاضي بين الخصمين؛ لأنَّ النَّفس مائلة إلى مَن تحبُّه، أو من له منصبٌ يتوقَّع جاهه، أو يخاف سلطنتَه، وربَّما يميلُ إلى قبول الرِّشوة، وهو الدَّاء العضال.

وما أحسنَ قول ابنِ الفضل في هذا المعنى

~وَلَمَّا أَنْ تَوَلَّيْتَ القَضَايَا وَفَاضَ الجُوْدُ مِنْ كَفَّيْكَ فَيْضًا

~ذُبِحْتَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ وَإِنَّا لَنَرْجُو الذَّبْحَ بِالسِّكِّيْنِ أَيْضًا

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه النَّسائيّ في البيعة والسِّيَّر والقضاء.

(وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحّدة وتشديد الشّين المعجمة، وهو الَّذي يقال له بندار (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم بعدها راء فألف وبعدها نون، البصريُّ الأمويُّ مولاهم، صدوقٌ. وقال ابن حبَّان في «الثِّقات» يخطئٌ، وما له في «الصحيح» إلَّا هذا الموضع. قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) أي ابن عبد الله بن الحَكم بن رافعٍ الأنصاريُّ المدنيّ لم يخرج له البخاريّ إلَّا تعليقًا، وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ.

(عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ) بضمّ عين الأوَّل، وفتح الحاء المهملة والكاف في الثَّاني؛ أي ابن ثوبان المدني الثِّقة، أخرج له البخاريُّ في غير هذا الموضع تعليقًا [خ¦1152] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ) أي موقوفًا عليه. وهذا كما رأيت قد وقعَ بين سعيد المقبُري، وبين أبي هريرة رضي الله عنه عُمر بن الحكم، بخلاف الطَّريقة السَّابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت