فهرس الكتاب

الصفحة 10376 من 11127

6993 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان المروزيّ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزيّ (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيليّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهابٍ، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق الزُّبيديّ عن الزُّهريّ (( أخبرني أبو سلمة سمعت أبا هريرة ) ) (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) بفتح القاف، زاد مسلم من هذا الوجه (( أو فكأنَّما يراني في اليقظة ) )

ج 29 ص 237

هكذا بالشَّك، ووقع عند الإسماعيليّ في الطَّريق المذكورة (( فقد رآني في اليقظة ) )بدل قوله (( فسيراني ) ). ومثله في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند ابن ماجه وصحَّحه التِّرمذيّ وأبو عَوَانة، ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة (( فكأنَّما رآني في اليقظة ) )فهذه ثلاثة ألفاظٍ (( فسيراني في اليقظة ) (( فكأنَّما يراني في اليقظة ) (( فقد رآني في اليقظة ) ).

وقد اختلف أقوال العلماء في ذلك، فقال المازريُّ إن كان المحفوظ (( فكأنَّما رآني في اليقظة ) )فمعناه ظاهرٌ، وإن كان المحفوظ (( فسيراني في اليقظة ) )كما عند البخاريِّ هنا احتمل أن يكون أراد أنَّ أهل عصره ممَّن لم يهاجر إليه، فإنَّه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامةً على أنَّه يراه بعد ذلك في اليقظة، وأوحى الله تعالى بذلك إليه صلى الله عليه وسلم.

وقال القاضي معناه سيرى تأويل تلك الرُّؤيا في اليقظة وصحَّتها، وقيل معنى الرُّؤية في اليقظة أنَّه سيراه في الآخرة، وتعقَّب بأنَّه في الآخرة يراه جميع أمَّته من رآه في المنام ومن لم يره، فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية.

وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النَّوم على الصِّفة الَّتي عُرِف بها ووصف عليها، موجبة لتكرمته في الآخرة، وأنَّه يراه رؤيةً خاصَّةً في القرب منه أو الشَّفاعة له بعلوِّ الدَّرجة ونحو ذلك من الخصوصيَّات.

وعلى هذا ففيه بشارة لرائيه في المنام بأنَّه يموتُ على الإسلام، وكفى بها بشارةً، وذلك لأنَّه لا يراه في القيامة تلك الرُّؤية الخاصَّة باعتبار القرب منه إلَّا من تحقَّقت منه الوفاة على الإسلام، حقَّق الله تعالى لنا ولأحبابنا وللمسلمين ذلك بمنِّه وكرمه آمين.

قال ولا يبعدُ أن يعاقبَ الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيِّه صلى الله عليه وسلم مدَّةً أعاذنا الله من ذلك، وحمله ابنُ أبي جمرة على محملٍ آخر، فذكر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أو غيره أنَّه رأى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام فبقي بعد

ج 29 ص 238

أن استيقظَ متفكرًا في هذا الحديث فدخلَ على بعض أمَّهات المؤمنين لعلَّها خالته ميمونة رضي الله عنها فأخرجت له المرآة الَّتي كانت للنَّبيّ صلى الله عليه وسلم فنظرَ فيها فرأى صورة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم ير صورة نفسه، كذا ذكره الحافظ العَسقلانيّ.

ونقل عن جماعةٍ من الصَّالحين أنهم رأوا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام، ثمَّ رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا متخوِّفين، فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك.

وتعقَّبه الحافظ العَسقلانيّ بأنَّ هذا مشكلٌ جدًّا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء أصحابَه، ولأمكن بقاء الصَّحابة إلى يوم القيامة، ويعكر عليه أنَّ جمعًا جمًّا رأوه في المنام، ثمَّ لم يذكر واحدٌ منهم أنّه رآه في اليقظة، وخبر الصَّادق لا يتخلف.

وقد اشتدَّ إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته، ثمَّ يراها كذلك في اليقظة، وقد فطنَ ابن أبي جمرة لهذا فأحالَ بما قال على كرامات الأولياء فإن يكن كذلك تعيَّن العدول عن العموم في كلِّ رأى، ثمَّ ذكر أنَّه عامٌّ في أهل التَّوفيق، وأمَّا غيرهم فعلى الاحتمال، فإنَّ خرق العادة قد يقعُ للزِّنديق بطريق الابتلاء والإغواء كما يقعُ للصِّديق بطريق الكرامة والإكرام، وإنَّما تحصل التَّفرقة بينهما باتِّباع الكتاب والسُّنّة، انتهى.

فإن قيل كيف يكون ذلك وهو في المدينة والرَّائي في المشرق أو المغرب؟ فالجواب أنَّ الرُّؤية أمرٌ يخلقه الله تعالى ولا يُشترط فيها عقلًا مواجهةٌ ولا مقابلةٌ ولا مقاربةٌ ولا خروجُ شعاعٍ ولا غيرُه، ولذا جاز أن يرى أعمى الصِّين بقة أندلس.

فإن قيل كثيرًا يرى على خلاف صورتهِ المعروفة ويراه شخصان في حالةٍ واحدةٍ في مكانين والجسم الواحد لا يكون إلَّا في مكانٍ واحدٍ.

فالجواب أنَّه يعتبرُ في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئيَّة وصفاته متخيِّلة غير مرئيَّة، فالإدراك

ج 29 ص 239

لا يشترطُ فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة، فلا يكون المرئيُّ مدفونًا في الأرض ولا ظاهرًا عليها، وإنَّما يشترط كونه موجودًا ولم يقم دليلٌ على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم، بل جاء في الخبر الصَّحيح ما يدلُّ على بقائه، ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله، كان هذا من صفاته المتخيلة لا المرئيَّة.

والحاصل أنَّ ذلك ظنُّ الرَّائي أنَّه رآه كذلك، وقد يظنُّ الظَّان بعض الخيالات مرئيًّا لكونه مرتبطًا بما يراه عادة فذاته الشَّريفة هي مرئيَّة قطعًا لا خيال ولا ظنَّ فيه لكن هذه الأمور العارضة قد تكون متخيّلة للرَّائي، كذا أجاب النَّوويّ حاكيًا عن بعضهم.

(وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) في رواية أنس في الحديث الَّذي بعده (( فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي ) )، ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مثله لكن قال (( لا يتمثَّل في صورتي ) ) [خ¦110] . وفي حديث جابرٍ رضي الله عنه عند مسلم وابن ماجه (( لا ينبغي للشَّيطان أن يتمثَّل في صورتي ) )، وفي لفظ لمسلمٍ (( يتشبَّه ) )بدل (( يتمثَّل ) )، وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند التِّرمذيّ وابن ماجه (( إنَّ الشَّيطان لا يستطيع أن يتمثَّل بي ) )، وفي حديث أبي قتادة الَّذي يليه (( وإنَّ الشَّيطان لا يتراءى لي ) )بالرّاء بوزن يتعاطى، ومعناه لا يستطيع أن يصيرَ مرئيًّا بصورتي. وفي رواية غير أبي ذرٍّ بزاي وبعد الألف تحتانيّة، وفي حديث أبي سعيدٍ في آخر الباب (( إنَّ الشَّيطان لا يتكوّنني ) )أمَّا قوله (( لا يتمثَّل بي ) )فمعناه لا يتشبَّه بي، وأمَّا قوله (( في صورتي ) )فمعناه لا يصير كائنًا في مثل صورتي، وأمَّا قوله (( لا يتراءى بي ) )، فرجَّح بعض الشُّرّاح رواية الزَّاي عليها؛ أي لا يظهر في زيّي، وليست الرِّواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى.

وأمَّا قوله (( لا يتكوّنني ) )أي لا يتكوَّن كوني، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل، والمعنى لا يتكوَّن في صورتي، فالجميع راجعٌ إلى معنى واحدٍ وهو كالتَّتميم للمعنى، والتَّعليل للحكم؛ أي لا يحصل للشَّيطان مثال صورتي ولا يتشبَّه بي، فكما منع الله الشَّيطان أن يتصوَّر بصورته الكريمة في اليقظة، كذلك منعه في المنام، لئلَّا يشتبه الحقُّ بالباطل.

وقوله (( لا يستطيع ) )يشير إلى أنَّ الله تعالى وإن مكنه من التَّصور في أيِّ صورةٍ أراد، فإنَّه لا يمكنه بصورة النَّبيّ صلى الله عليه وسلم.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري نفسه، وقد وصله إسماعيل بن إسحاق القاضي من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن أيُّوب (قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد لا يُعتبر رؤيته صلى الله عليه وسلم (إِلَّا إِذَا رَآهُ) الرَّائي (فِي صُورَتِهِ) الَّتي جاء وصفه بها في حياته، وقد ذهبَ إلى هذا جماعةٌ فقالوا في الحديث إنَّ محلَّ ذلك إذا رآه الرَّائي على صورته الَّتي كان عليها، ومنهم من ضيَّق في ذلك حتَّى قال لا بدَّ أن يراه على صورته الَّتي قُبضَ عليها حتَّى يعتبر عدد الشَّعرات البيض الَّتي لم تبلغ عشرين شعرةً، والصَّواب التَّعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورتُه الحقيقيَّة في وقتٍ ما سواء كان

ج 29 ص 240

في شبابه أو رجوليَّته أو كهوليَّته أو آخر عمره، ومقتضاه أنَّه إذا رآه على خلافها كانت رؤيا تأويلٍ لا حقيقةً، فإنَّ من الرُّؤيا ما يخرج على وجههِ، ومنها ما يحتاجُ إلى تأويلٍ، كذا قال القاضي عياض.

وقال النَّوويّ هذا الَّذي قاله القاضي ضعيفٌ، بل الصَّحيح أنَّه يراه حقيقةً سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، وقال ابنُ العربيِّ رؤيته صلى الله عليه وسلم بصفتهِ المعلومة إدراكٌ على الحقيقة، ورؤيتهِ على غيرها إدراكٌ للمثال، ويمكن الجمع بينهما بأن تكون رؤياهُ على الحالين حقيقةً، لكن إذا كان على صورته كان ما يرى في المنام على ظاهرهِ لا يحتاج إلى تعبيرٍ، وإذا كان على غير صورتهِ كان النَّقص من جهة الرَّائي لتخيّله الصِّفة على غير ما هي عليه، ويحتاجُ ما يراه في ذلك المنام إلى التَّعبير، وعلى ذلك جرى علماء التَّعبير، فقالوا إذا قال الجاهلُ رأيت النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّه يسألُ عن صفته، فإن وافق الصِّفة المعروفة، وإلَّا فلا يقبل منه.

وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئةٍ تخالفُ هيئته، فقال أبو سعدٍ أحمدُ بن محمَّد بن نصر من رأى نبيًّا على حالهِ وهيئته، فذلك دليلٌ على صلاح الرَّائي وكمال جاههِ وظفره لمن عاداهُ، ومن رآه متغيِّر الحال عابسًا مثلًا فذاك دليلٌ على سوء حال الرَّائي.

وقال بعضُهم إنَّ من رآه شيخًا فهو عامُ سِلْمٍ، أو شابًّا فهو عامُ حربٍ، ويؤخذ من ذلك ما يتعلَّق بأقواله كما لو رآه أحدٌ يأمرُ بقتل من لا يحلُّ قتله، فإنَّ ذلك يحملُ على الصِّفة المتخيّلة لا المرئيَّة.

ونحا الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة إلى ما اختاره النَّوويّ، فقال بعد أن حكى الخلاف ومنهم من قال إنَّ الشَّيطان لا يتصوَّر على صورته أصلًا كمن رآه في صورةٍ حسنةٍ، فذاك حسنٌ في دين الرَّائي، وإن كان في جارحةٍ من جوارحهِ شَين أو نقص، فذاك خللٌ في الرَّائي من جهة الدِّين، قال وهذا هو الحقُّ، وقد جُرّب ذلك فوُجدَ على هذا الأسلوب، وبه تحصلُ الفائدة الكبرى في رؤياه صلى الله عليه وسلم حتى يتبيَّن

ج 29 ص 241

للرَّائي هل عنده خللٌ أم لا؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نورانيّ مثل المرآة الصَّقيلة، ما كان في النَّاظر فيها من حسنٍ أو غيره تُصوّر فيها، فهي في ذاتها على أحسنِ حالٍ لا نقصَ فيها ولا شين.

وكذلك ما يقالُ في كلامه صلى الله عليه وسلم في النَّوم أنَّه يعرض على سنَّته فما وافقها فهو حقٌّ، وما خالفها فالخللُ في سمع الرَّاوي، فرؤيا الذَّات الكريمة حقٌّ، والخللُ إنَّما هو في سمع الرَّاوي أو بصره، قال وهذا خير ما سمعته في ذلك.

وذكر أبو الحسن علي بن أبي طالبٍ في «مدخله الكبير» رؤية سيِّدنا صلى الله عليه وسلم يدلُّ على الخصبِ والأمطار، وكثرة الرَّحمة، ونصر المجاهدين، وظهور الدِّين، وظفرِ الغزاة والمقاتلين، ودمار الكفَّار، وظفر المسلمين بهم، وصحَّة الدِّين إذا رأى في الصِّفات المحمودة، وربَّما دلَّ على الحوادث في الدِّين وظهور الفتن والبدع إذا رأى في الصِّفات المكروهة.

وهذا قد قال القاضي أبو بكر ابن الطَّيّب إنَّ المراد بقوله (( من رآني في المنام فقد رآني ) )أنَّ رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثًا ولا من تشبيهات الشَّيطان، قال ويعضده قوله في بعض طرقه (( فقد رأى الحقَّ ) )، وفي قوله (( فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي ) )إشارةً إلى أنَّ رؤياه لا تكون أضغاثًا، ثمَّ إنَّ من فوائد رؤيته صلى الله عليه وسلم تسكين شوق الرَّائي لكونه صادقًا في محبَّته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله (( فسيراني في اليقظة ) )أي من رآني رؤية معظِّم لحرمتي ومشتاقٍ إلى مشاهدتي وصلَ إلى رؤية محبوبهِ وظفر بكلِّ مطلوبه.

بقي أنَّه يجوز أن يكون مقصود تلك الرُّؤيا معنى صورتهِ وهو دينه وشريعته، فعبر بحسب ما يراه الرَّائي من زيادةٍ ونقصانٍ أو إساءة وإحسان، والله تعالى أعلم، وقد سقط قوله إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه يوضّحها إن رؤية النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام صحيحة لا تنكر، وليست بأضغاثِ أحلامٍ، وقد أخرجه مسلم في (( التَّعبير ) )، وأبو داود في (( الأدب ) ).

تتمَّة جوّز أهل التَّعبير رؤية الباري في المنام مطلقًا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأجاب بعضُهم عن ذلك بأمورٍ قابلة للتَّأويل في جميعِ وجوهها، فتارةً يعبر بالسُّلطان، وتارةً بالوالد، وتارةً بالسَّيد، وتارةً بالرَّئيس في أيِّ قرنٍ كان، فلمَّا كان الوقوف على حقيقةِ ذاته ممتنعًا

ج 29 ص 242

وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصِّدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى التَّعبير دائمًا؛ بخلاف رؤيةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا رئي على صفته المتَّفق عليها، وهو لا يجوزُ عليه الصِّدق والكذب كانت في هذه الحالة حقًّا محضًا لا يحتاج إلى التَّعبير.

وقال الغزاليّ ليس معنى قوله (( رآني ) )أنَّه رأى جسمي وبدني، وإنَّما المراد أنَّه رأى مثالًا صار ذلك المثال آلةً يتأدَّى بها المعنى الَّذي في نفسي إليه، وكذلك قوله (( فسيراني في اليقظة ) )ليس معناه أنَّه يرى جسمِي وبدني. قال والآلة تارةً تكون حقيقيَّة وتارةً تكون خياليَّة، والنَّفس غير المثال المتخيّل، فما رآه من الشَّكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه صلى الله عليه وسلم، بل هو مثالٌ له على التَّحقيق، قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام، فإنَّ ذاتَه منزَّهة عن الشَّكل والصُّورة ولكن تنتهِي تعريفاتهِ إلى العبد بواسطة مثالٍ محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقًّا في كونه واسطة في التَّعريف، فقول الرَّائي رأيتُ الله تعالى في المنامِ لا يعني به إنِّي رأيتُ ذات الله، كما يقول في حقِّ غيره.

وقال أبو القاسم القُشيريّ ما حاصله إنَّ رؤياهُ على غير صفتهِ لا تستلزم أن لا يكون هو، فإنَّه لو رأى الله على وصفٍ يتعالى عنه، وهو يعتقدُ أنَّه منزَّهٌ عن ذلك، لا يقدحُ في رؤيته، بل يكون لتلك الرُّؤيا ضربٌ من التَّأويل، كما قال الواسطيّ من رأى ربَّه على صورة شيخٍ كان إشارةً إلى وقار الرَّائي وغير ذلك.

وقال الطِّيبيّ المعنى أنَّ (( من رآني في المنام ) )بأيِّ صفةٍ كنت فليستبشرْ ويعلم أنَّه قد رأى الرُّؤيا الحقّ الَّتي هي من الله، وهي مبشّرة، لا الباطل، وكذا قوله (( فقد رآني ) )، فإنَّ الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا دلَّ على الغاية في الكمال؛ أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيءٌ.

وذكر الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جمرة ما ملخَّصه أنه يؤخذ من قوله (( فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي ) )أن من تمثَّلت صورته

ج 29 ص 243

صلى الله عليه وسلم في خاطرهِ من أرباب القلوب وتصوَّر له في عالم سرِّه أنَّه يكلمه أنَّ ذلك يكون حقًّا لما منَّ الله به عليهم من تنوير قلوبهم، انتهى.

قال الحافظ العسقلانيّ وهذا المقام الَّذي أشار إليه هو الإلهام، وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء، ولكن لم أر في شيءٍ من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرُّؤيا أنَّه جزءٌ من النُّبوة، وقد قيل في الفرق بينهما أنَّ المنام يرجعُ إلى قواعد مقرَّرة وله تأويلاتٌ مختلفة ويقعُ لكلِّ أحدٍ، بخلاف الإلهام فإنَّه لا يقع إلَّا للخواصّ ولا يرجعُ إلى قاعدةٍ يميّز بها بينه وبين كمَّة الشَّيطان.

وتعقِّب بأنَّ أهل المعرفة بذلك ذكروا أنَّ الخاطر الَّذي يكون من الحقِّ يستقرُّ ولا يضطرب، والَّذي يكون من الشَّيطان يضطرب ولا يستقرُّ، فهذا إن ثبت كان فارقًا واضحًا، ومع ذلك فقد صرَّح الأئمَّة بأنَّ الأحكام الشَّرعية لا تثبت بذلك.

قال أبو المظفّر ابن السَّمعانيّ في «القواطع» بعد أن حكى عن أبي زيدٍ الدَّبوسي من أئمَّة الحنفيَّة إنَّ الإلهام ما حرَّك القلب لعلمٍ يدعو إلى العمل به من غير استدلالٍ، والَّذي عليه الجمهور أنَّه لا يجوز العمل به إلَّا عند فقد الحُجج كلِّها في باب المباح.

وعن بعض المبتدعة أنَّه حجَّة، واحتجَّ بقوله تعالى {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس 8] وبقوله {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل 68] أي ألهمها حتَّى عرفت مصالحها، فيؤخذ منه مثل ذلك للآدميِّ بطريق الأولى، وذكر ظواهر أخرى، ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (( اتَّقوا فراسة المؤمن ) )، وقوله لوابصة (( ما حاك في صدرك فدعْه وإن أفتوك ) )، فجعل شهادة قلبه حجَّة مقدمةً على الفتوى، وقوله (( قد كان في الأمم محدَثون ) )، فثبت بهذا أنَّ الإلهام حقٌّ وأنَّه وحيٌ باطن، وإنَّما حُرِمه العاصي لاستيلاء وحي الشَّيطان عليه، قال وحجَّة أهل السُّنة الآيات الدَّالة على اعتبار الحجَّة، والحثّ على التَّفكر

ج 29 ص 244

في الآيات والاعتبار والنَّظر في الأدلَّة وذمِّ الأماني والهواجس والظُّنون وهي كثيرةٌ مشهورة، وبأنَّ الخاطر قد يكون من الله، وقد يكون من الشَّيطان، وقد يكون من النَّفس، وكلُّ شيءٍ احتمل أن لا يكون حقًّا لم يوصف بأنَّه حقٌّ، قال والجواب عن قوله {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس 8] أنَّ معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج.

وأمَّا الوحي إلى النَّحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلَّق بالصَّنائع وما فيه صلاح المعاش، وأمَّا الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجَّة؛ لأنَّا لا نتحقَّق كونها من الله أو من غيره، انتهى ملخصًا.

قال ابن السَّمعانيّ وإنكار الإلهام مردودٌ، ويجوز أن يفعلَ الله لعبده ما يكرمه به، ولكن التَّمييز بين الحقِّ والباطل في ذلك أنَّ كلَّ ما استقام على الشَّريعة المحمّديَّة ولم يكن في الكتاب والسُّنّة ما يردّه فهو مقبولٌ، وإلَّا فمردودٌ، ويقعُ من حديث النَّفس ووسوسة الشَّيطان، ثمَّ قال ونحن لا ننكر أنَّ الله يكرم عبده بزيادة نورٍ منه يزداد به نظره، ويقوِّي به رأيه، وإنَّما ننكر أن يرجعَ إلى قلبه بقولٍ لا يعرف أصله، ولا نزعم أنَّه حجَّة شرعيَّة، وإنَّما هو نورٌ يختصُّ الله به من يشاء من عباده فإن وافق الشَّرع كان الشَّرع هو الحجَّة انتهى.

ويؤخذ من هذا ما تقدَّم التَّنبيه عليه أنَّ النَّائم لو رأى النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يأمره بشيءٍ هل يجب عليه امتثاله، أو لا بدَّ أن يعرضه على الشَّرع الظَّاهر، فالثَّاني هو المعتمدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت