935 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم الجمعة ) ).
(فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ)
ج 5 ص 114
أبهمها هنا كليلة القدر والاسم الأعظم والرَّجل الصَّالح حتَّى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم، وقد رُوِي (( إن لربِّكم في أيَّام دهركم نفحات، ألا فتعرَّضوا لها ) ).
ويوم الجمعة من جملة تلك الأيَّام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرِّضًا لها بإحضار القلب وملازمة الذِّكر والدُّعاء والفراغ عن وساوس الدُّنيا، وسيأتي ما يتعلَّق بتلك السَّاعة مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.
(لاَ يُوَافِقُهَا) أي لا يصادفها، وهذه اللَّفظة أعمُّ من أن يقصدها أو يتَّفق له وقوع الدعاء فيها (عَبْدٌ مُسْلِمٌ) وفي رواية النسائيِّ (( مؤمن ) ) (وَهْوَ قَائِمٌ) جملة اسمية وقعت حالًا.
وقال الكرمانيُّ قوله «وهو قائم» مفهومه أنَّه لو لم يكن قائمًا لا يكون له هذا الحكم، ثمَّ أجاب بأنَّ شرط مفهوم المخالفة أن لا يخرج الكلام مخرج الغالب، وهاهنا ورد بناء على أنَّ الغالب في المصلِّي أن يكون قائمًا فلا اعتبار لهذا المفهوم.
(يُصَلِّي) جملة فعلية حالية أيضًا، وذلك يحتمل حقيقة القيام والصَّلاة، ويحتمل الدُّعاء ويحتمل الانتظار للصَّلاة، ويحتمل المواظبة على الشَّيء لا الوقوف كما في قوله {مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران 75] يعني مواظبًا.
وقال النوويُّ معنى قولهم «يصلِّي» يدعو، ومعنى «قائم» ملازم ومواظب، وإنَّما ذكروا هذه الاحتمالات؛ لئلَّا يَرِدَ الإشكال بأصحَّ الأحاديث الواردة في تعيين السَّاعة المذكورة، وهما حديثان
أحدُهما من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصَّلاة، والآخر من بعد العصر إلى غروب الشمس، والأُولى حال الخطبة وليست صلاة حقيقةً، والثانية ليست ساعة صلاةٍ.
ألا ترى أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لمَّا روى حديثه المذكور قال فلقيتُ عبد الله بن سلام فذكرت له هذا الحديث فقال أنا أعلمُ بتلك السَّاعة، فقلت أخبرني بها ولا تضنَّن بها عليَّ، قال هي بعد العصر إلى أن تغربَ الشمس.
قلت وكيف تكون بعد العصر وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا يُوافقها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلِّي ) )وتلك السَّاعة لا يُصلَّى فيها؟ قال عبد الله بن سلام أليس قد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من جلس مجلسًا ينتظر الصَّلاة فهو في صلاةٍ ) )قلت بلى، قال (( فهو ذاك ) ). انتهى.
فهذا دالٌّ على أنَّ المراد من الصَّلاة الدعاء، ومن القيام الملازمة والمواظبة لا حقيقة الكلام، ولهذا سقط قوله (( قائم ) )من رواية أبي مصعب وابن أبي أويس ومطرِّف والتنيسي وقتيبة، وأثبتها الباقون.
قال أبو عمر وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد
ج 5 ص 115
من رواية مالك وورقاء وغيرهما عنه، وكان محمد بن وضاح يأمر بحذف هذه الزِّيادة من الحديث؛ لأجل أنَّه كان يستشكلُ بالإشكال الذي ذُكِر، ولكن قد عرفت جوابه.
(يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى) أي فيها، وهي جملة حالية أيضًا من الأحوال المترادفة أو المتداخلةِ (شَيْئًا) أي ممَّا يليق أن يدعوَ به المسلم ويسأل الله.
وفي رواية عند البخاري في «الطَّلاق» [خ¦5294] (( يسأل الله خيرًا ) )، وفي رواية لمسلم كذلك، وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه (( ما لم يسأل حرامًا ) ). وعند أحمد من حديث سعد بن عبادة (( ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحمٍ ) )وقطيعة الرَّحم من جملة الإثم فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ للاهتمام به.
(إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَأَشَارَ) وفي رواية أبي مصعب عن مالك (( وأشار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ) (بِيَدِهِ) الشَّريفة حال كونه (يُقَلِّلُهَا) من التَّقليل خلاف التَّكثير يريد أن السَّاعة لحظة خفيفة.
وفي رواية لمسلم (( يزهِّدها ) )وهو بمعناه، وفي لفظ (( وهي ساعة خفيفة ) )، وللطبرانيِّ في «الأوسط» في حديث أنس رضي الله عنه (( وهي قدر هذا؛ يعني قبضة ) ).
وللمؤلف رحمه الله من رواية سلمة بن علقمة، في «الطلاق» (( ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر ) ) [خ¦5294] .
وبين أبو موسى الكجي أنَّ الذي وضع هو بشر بن المفضَّل راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنَّه فسَّر الإشارة بذلك، وأنَّها ساعةٌ لطيفةٌ تنتقل ما بين وسط النَّهار إلى قرب آخره.
فإن قيل قد وقع في حديث جابر رضي الله عنه أخرجه أبو داود وغيره مرفوعًا بإسناد حسنٍ (( يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة ... ) )إلى آخره، ومقتضاه أنَّها غير خفيفة.
فالجواب أنَّه ليس المراد استغراق الوقت المذكور بل المراد أنَّها لا تخرج عنه، وأنَّها لحظةٌ خفيفةٌ، وفائدة ذكر الوقت أنَّها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنَّتها ابتداء الخطبة مثلًا وانتهاؤه انتهاء الصَّلاة.
ثمَّ اعلم أنَّ حقيقة السَّاعة جزءٌ مخصوصٌ من الزَّمان، ويرد على أنحاء
أحدها أنَّها تطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وهي مجموع اليوم والليلة.
وثانيها أنَّها تطلق على جزءٍ ما غير مقدَّر من الزَّمان.
وثالثها أنَّها تطلق على الوقت الحاضر ولأرباب النُّجوم والهندسة وضعٌ آخر، وذلك أنَّهم يقسمون كلَّ نهارٍ وكلَّ ليلةٍ إلى اثني عشر قسمًا سواء كان النَّهار طويلًا أو قصيرًا وكذلك الليل ويسمُّون كلَّ قسمٍ من هذه الأقسام ساعة.
فعلى هذا تكون السَّاعة تارة طويلةً وتارةً قصيرةً على قدر النهار في طوله وقصره، ويسمون هذه السَّاعات المعوجة، وتلك الأُول مستقيمة.
ج 5 ص 116
ثمَّ إنَّ في تلك السَّاعة اختلافًا هل هي باقية أو رفعت؟
فزعم قومٌ أنَّها رفعت حكاه أبو عمر بن عبد البرِّ وزيَّفه، وقال القاضي عياض ردَّه السَّلف على قائله، واحتجَّ أبو عمر فيه بما رواه عبد الرَّزاق عن ابن جرير عن داود بن أبي عاصم عن عبد الله مولى معاوية قال قلت لأبي هريرة رضي الله عنه زعموا أنَّ السَّاعة التي يوم الجمعة رفعت، قال كذب من قال ذلك، قلت فهي في كلِّ جمعةٍ أستقبلها؟ قال نعم. إسناده قويٌّ.
قال أبو عمر على هذا تواترت الأخبار، وفي «صحيح» الحاكم من حديث أبي سلمة قلت يا أبا سعيد إنَّ أبا هريرة حدَّثنا عن السَّاعة التي في يوم الجمعة هل عندك فيها علمٌ؟ فقال سألنا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها فقال (( إنِّي كنت أعلمها ثمَّ أُنسيتها كما أُنسيتُ ليلة القدر ) )ثمَّ قال صحيحٌ، وخرَّجه ابن خزيمة أيضًا في «صحيحه» .
وفي كتاب ابن زنجويه عن محمَّد بن كعب القرظيِّ أنَّ كلبًا مرَّ بعد العصر في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رجلٌ من الصَّحابة اللَّهم اقتله، فمات، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لقد وافق هذا السَّاعة التي إذا دُعي فيها استجيب ) ).
ثمَّ إنَّها لما ثبت أنَّها باقيةٌ هل هي في كلِّ جمعة أو في جمعةٍ واحدةٍ في كلِّ سنة؟
قال كعب الأحبار في كلِّ سنةٍ يومٌ، فقال أبو هريرة بل في كلِّ جمعةٍ، قال فقرأ كعب التوراة [1] فقال صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رواه أبو داود والنسائيُّ والترمذي، فرجع كعبٌ إليه.
ثمَّ إنَّهم اختلفوا في تعيين وقتها على أقوال فقيل هي مخفيةٌ في جميع اليوم كليلة القدر، قاله ابن قُدامة، وحكاه القاضي عياض وغيره، ونقله ابن الصباغ عن كعب الأحبار.
والحكمة في إخفائها الجِدُّ والاجتهاد في طلبها في كلِّ اليوم كما أخفى أولياءه في خلقه تحسينًا للظَّنِّ بالصَّالحين، وقيل إنَّها تنتقل في يوم الجمعة، ولا يلزم ساعةً معينة لا ظاهرة ولا مخفيةً. قال الغزاليُّ هذا أشبه الأقوال، وجزم به ابن عساكر وغيره.
وقال المحبُّ الطبريُّ إنَّه هو الأظهر، وقيل إذا أذَّن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره ابن أبي شيبة.
وقيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرَّازي عن ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقيل رواه ابنُ عساكر مثله، وقيل من العصر إلى الغروب، رواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة عن ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وتابعه فضيل بن عياض عن ليث، عند ابن المنذر.
وقيل ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبِّر، رواه حُميد بن زنجويه في «الترغيب» له من طريق عطاء بن قرَّة عن عبد الله بن ضمرة
ج 5 ص 117
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال التمسوا السَّاعة التي يجاب فيها الدُّعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثَّلاثة فذكرها.
وقيل إنَّها أوَّل ساعةٍ بعد طلوع الشَّمس، حكاه المحبُّ الطبري، وقيل عند طلوع الشَّمس، حكاه الغزاليُّ في «الإحياء» ، وقيل في آخر السَّاعة الثَّالثة من النَّهار؛ لما رواه أحمد من طريق علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم ) ). وفي آخره [2] (( ثلاث ساعاتٍ منه ساعةٌ من دعى الله فيها استُجِيب له ) )وفي إسناده فرج بن فَضَالة وهو ضعيفٌ، وعليٌّ لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه.
وقيل من الزَّوال إلى أن يصيرَ الظِّلُّ نصف ذراع، حكاه المحبُّ الطبريُّ في «الأحكام» ، وقيل مثله، لكن قيل إلى أن يصير الظلُّ ذراعًا، حكاه القاضي عياض والقرطبيُّ والنوويُّ. وقيل بعد زوال الشَّمس بشِبْر إلى ذراعٍ، رواه ابن المنذر وابن عبد البر بإسنادٍ قويٍّ إلى الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الرحمن بن حجَيْرة عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ امرأته سألته عنها فقال ذلك. وقيل إذا زالت الشَّمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وروى ابن سعدٍ في «الطبقات» عن عبيد الله بن نوفل نحوه.
وروى ابن عساكر من طريق سعيدِ بن أبي عَروبة عن قتادة قال كانوا يرون السَّاعة المستجاب فيها الدُّعاء إذا زالت الشَّمس.
وقيل إذا أذَّن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت يوم الجمعة مثل يوم عرفة تُفتح فيه أبواب السَّماء، وفيه ساعةٌ لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلَّا أعطاه، قيل أيَّة ساعة؟ قالت إذا أذَّن المؤذن لصلاة الجمعة.
والفرق بينه وبين القول الذي قبله من حيث إنَّ الأذان قد يتأخَّر عن الزوال، وقيل من الزَّوال إلى أن يدخل الرَّجل في الصَّلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوار العدوي، وحكاه ابن الصَّبَّاغ بلفظ (( إلى أن يدخل الإمام ) ).
وقيل من الزَّوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو الطيِّب الطبريُّ، وقيل من الزَّوال إلى غروب الشمس، حكي عن الحسن ونقله صاحب «التوضيح» .
وقيل ما بين خروج الإمام إلى أن تقامَ الصلاة رواه ابن المنذر عن الحسن، وقيل عند خروج الإمام [3] رُوِي ذلك عن الحسن، وقيل ما بين خروج الإمام إلى أن تنقضيَ الصلاة. رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالمٍ عن الشعبيِّ.
ومن طريق معاوية بن قرَّة
ج 5 ص 118
عن أبي بُردة بن أبي موسى، وفيه أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما استصوب ذلك.
وقيل ما بين أن يحرمَ البيع إلى أن يحلَّ، رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبيِّ، وقيل ما بين الأذان إلى انقضاء الصَّلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وحكاه البغويُّ في «شرح السنة» عنه.
وقيل ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصَّلاة، رواه مسلم وأبو داود من طريق مخرمة بن بُكير عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى أنَّ ابن عمر رضي الله عنهم سأله عمَّا سمع من أبيه في ساعة الجمعة فقال سمعت أبي، يقول سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ... فذكره. ويحتمل أن يكون هذا والقولان اللذان قبله متحدة.
وقيل عند التَّأذين وعند تذكير الإمام وعند الإقامة رواه حميد بن زنجويه من طريق سليم بن عامر عن عوف بن مالك الأشجعيِّ الصحابيِّ رضي الله عنه.
وقيل مثله، لكن قيل إذا أذَّن وإذا رَقِيَ المنبر وإذا أقيمت الصَّلاة، رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي أُمامة الصحابيِّ رضي الله عنه.
وقيل من حين يفتتح الإمام الخطبة حتَّى يفرغها، رواه ابن عبد البرِّ من طريق محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وإسناده ضعيف.
وقيل إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في «الإحياء» .
وقيل عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيُّ عن بعض شراح «المصابيح» .
وقيل عند نزول الإمام عن المنبر، رواه ابن أبي شيبة وحميد بن زنجويه وابن جرير وابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي إسحاق عن أبي بُردة.
وقيل حين تقام الصَّلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر عن الحسن أيضًا، وروى الطبرانيُّ من حديث ميمونة بنت سعدٍ نحوه مرفوعًا بإسناد ضعيف.
وقيل من إقامة الصَّلاة إلى تمام الصَّلاة، رواه الترمذيُّ وابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا وفيه قالوا أيَّة ساعة يا رسول الله؟ قال (( حين تقام الصَّلاة إلى الانصراف منها ) ). ورواه البيهقيُّ في «شعب الإيمان» من هذا الوجه بلفظ (( ما بين أن ينزلَ الإمام من المنبر إلى أن تنقضيَ الصَّلاة ) )، ورواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة عن واصل الأحدب عن أبي بُردة، وإسناده قويٌّ إليه، وفيه أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما استحسن ذلك منه وبرَّك عليه ومسح على رأسه، ورواه ابن جرير وسعيد بن منصور عن ابن سيرين نحوه.
وقيل هي السَّاعة التي كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي فيها الجمعة، رواه ابنُ عساكر بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن سيرين.
وقيل من صلاة العصر إلى غروب الشَّمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 5 ص 119
مرفوعًا. ومن طريق صفوان بن سُليم عن أبي سلمة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنهما مرفوعًا بلفظ (( فالتمسوها بعد العصر ) )، ورواه الترمذيُّ من طريق موسى بن وَرْدان عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ (( بعد العصر إلى غيبوبة الشمس ) )وإسناده ضعيف.
وقيل في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق عن عمر بن ذرٍّ عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلًا، وقيل بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزاليُّ في «الإحياء» .
وقيل بعد العصر مطلقًا، رواه أحمد من طريق محمد بن سلمة الأنصاريِّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهم مرفوعًا بلفظ (( وهي بعد العصر ) )، وروى ابن المنذر عن مجاهد مثله.
وقيل من حين تصفَّر الشَّمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن إسماعيل بن كيسان عن طاوس، وقيل آخر ساعةٍ بعد العصر، رواه أبو داود من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا، ولفظه (( يوم الجمعة ثنتا عشرة _ يريد ساعة _ لا يوجد مسلم يسأل الله شيئًا إلَّا آتاه الله، فالتمسوها آخر السَّاعة يوم الجمعة ) ). وأخرجه النسائيُّ والحاكم.
وقيل من حين يغيب نصف قرص الشَّمس إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبرانيُّ في «الأوسط» ، والدارقطنيُّ في «العلل» ، والبيهقيُّ في «الشعب» و «فضائل الأوقات» من طريق زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهم حدَّثتني مَرْجانةُ مولاة فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت حدَّثتني فاطمة رضي الله عنها عن أبيها. فذكر الحديث، وفيه قلت للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيُّ ساعة هي؟ قال (( إذا تدلَّى نصف الشمس للغروب ) )فكانت فاطمة رضي الله عنها تتحرَّاها.
فهذه أربعون قولًا، وكثيرٌ من هذه الأقوال يمكن اتِّحادها مع غيره.
وقال المحب الطبريُّ أصحُّ الأحاديث فيها حديث أبي موسى رضي الله عنه أنَّها ما بين أن يجلسَ الإمام على المنبر إلى أن يقضيَ الصَّلاة.
وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام أنَّها بعد العصر إلى أن تغرب الشَّمس وما عداهما إمَّا موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو موقوفٌ استند قائله إلى اجتهادٍ دون توقيف.
وقال البيهقيُّ بإسناده إلى مسلمٍ أنَّه قال حديث أبي موسى رضي الله عنه أجودُ شيءٍ في هذا الباب وأصحُّه، وبذلك قال ابن العربي وجماعةٌ آخرون.
وقال القرطبيُّ هو نصٌّ في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره، وقال النوويُّ هو الصَّحيح بل الصواب، وجزم في «الروضة» أنَّه الصواب، ورُجِّحَ أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا في أحد «الصحيحين» .
وذهب الآخرون إلى ترجيح
ج 5 ص 120
قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذيُّ عن أحمد أنَّه قال أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البرِّ إنَّه أثبت شيءٍ في هذا الباب.
واختاره ابن الزملكانيِّ، وحكاه عن نصِّ الشافعيِّ ميلًا إلى أنَّ هذه رحمةٌ من الله تعالى للقائمين بحقِّ هذا اليوم فأوان تلك السَّاعة ينبغي أن يكون عند الفراغ من تمام العمل، وإليه ذهب إسحاق رحمه الله أيضًا.
وقيل لأنَّه وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النَّهار، ووقت عرض الأعمال على الله تعالى، فيوجب الله مغفرته للمصلِّين من عباده، ولذلك شدَّد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن حلف على سلعته بعد العصر، وقال الفقهاء يكون اللعان والقَسامة فيها، فليتأمَّل.
وقال الشَّيخ زين الدين العراقي في «شرح سنن الترمذي» حديث أبي هريرة رضي الله عنه أصحُّها، وليس بين حديث أبي هريرة وبين حديث أبي موسى رضي الله عنهما اختلافٌ ولا تباين، وإنَّما الاختلاف بين حديث أبي موسى وبين الأحاديث الواردة في كونها بعد العصر، أو آخر ساعةٍ منه، فإمَّا أن يصار إلى الجمع أو التَّرجيح.
فأمَّا الجمع فإنَّما يمكن أن يصار إليه بالقول بالانتقال، وأمَّا الترجيح فلا شكَّ أنَّ الأحاديث الواردة في كونها بعد العصر أرجح؛ لكثرتها واتِّصالها بالسَّماع، ولهذا لم يختلف في رفعها والاعتضاد بكونه قول أكثر الصَّحابة رضي الله عنهم، ففيها أوجه من وجوه التَّرجيح، وفي حديث أبي موسى وجه واحد منها وهو كونه في أحد «الصحيحين» دون بقيَّة الأحاديث، ولكن عارض كونه في أحد «الصحيحين» [4] أمران
أحدهما أنَّه ليس متِّصلًا بالسَّماع بين مخرمة بن بُكير وبين أبيه بُكير بن عبد الله بن الأشجِّ، قال أحمد بن حنبل مخرمةُ ثقةٌ، ولم يسمع من أبيه، وقال عبَّاس الدوري عن ابن مَعين مخرمة ضعيف الحديث ليس حديثه بشيءٍ.
والأمر الثَّاني أنَّ أكثر الرُّواة جعلوه من قول أبي بُردة مقطوعًا، والله أعلم.
ثمَّ حديث الباب أخرجه مسلم والنسائي أيضًا في «الجمعة» .
[1] في هامش الأصل أي فراجع التوراة في ذلك. منه.
[2] في هامش الأصل أي وفي آخر الحديث لا في آخر اليوم. منه.
[3] من قوله (( إلى أن تقام ... إلى قوله خروج الإمام ) )ليس في (خ) .
[4] من قوله (( دون بقية ... إلى قوله أحد الصحيحين ) )ليس في (خ) .