56 - (باب كَيْفَ يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ) أي باب بيان كيفية الدُّعاء للمتزوِّج. قال ابن بطَّال أراد بهذا الباب ردَّ قولِ العامة عند العرس بالرَّفاء والبنين، وكأنَّه أشار إلى تضعيفِ ذلك ونحوه. فإن قيل روى الطَّبراني في «الكبير» من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم شهد إِمْلَاكَ رَجُلٍ من الأنصار، فخطب وأنكحَ الأنصاريَّ وقال (( على الأُلْفة والخير والبركةِ والطَّيْرِ الميمون والسِّعةِ في الرِّزق ) ).
وأخرجه أبو عمر النَّوقاني في كتاب «معاشرة الأهلين» من حديث أنس رضي الله عنه وزاد فيه (( والرَّفاء والبنين ) ).
ج 22 ص 470
فالجواب أنَّ الذي أخرجه الطَّبراني في «الكبير» ضعيفٌ. وأخرجه أيضًا في «الأوسط» بسند أضعف منه.
وفي حديث النَّوقاني أبان العبدي وهو ضعيفٌ، وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب «السنن» ، وصحَّحه التِّرمذي وابن حبَّان والحاكم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفأ إنسانًا، قال (( باركَ الله لك، وباركَ عليك، وجمعَ بينكما في خير ) ). وقال التِّرمذي حديث حسنٌ صحيحٌ.
وقوله (( رفَّأ ) )قال الشِّيخ زين الدِّين العراقي هو بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز، وهو المشهور في الرِّواية مأخوذٌ من الالتئام والاجتماع، ومنه رفأتُ الثوب. وقال الجوهري الرَّفاء بالمد الالتئام والاتِّفاق، يقال للمتزوِّج بالرَّفاء والبنين. ورواه بعضهم (( رفئ ) )مقصورًا بغير همزة، وبعضهم (( رفح ) )بالحاء المهملة موضع الهمز، ومعنى الأول أعني المقصور القول بالرَّفاء والاتفاق، يقال رَفُوته رفوًا ورفاء؛ أي دَعْوته بالالتئام والائتلاف. ومعنى الثاني على أنَّه رفأ بالهمزة ولكنَّه أبدل الهمزة حاء، والمعنى واحد.
وكأنَّ قولهم بالرَّفاء والبنين كلمة يقولها أهل الجاهلية فورد النَّهي عنها كما روى بقي بن مخلد من طريق غالب، عن الحسن، عن رجل من بني تميم، قال كنَّا نقول في الجاهلية بالرَّفاء والبنين، فلمَّا جاء الإسلام علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم، قال (( قولوا باركَ الله لكم، وباركَ فيكم، وبارك عليكم ) ).
وأخرج النَّسائي والطَّبري والطَّبراني من رواية أشعث، عن الحسن، عن عقيل بن أبي طالب أنَّه قدم البصرة فتزوَّج امرأة من بني جشم، فقالوا له بالرَّفاء والبنين، فقال لا تقولوا هكذا، وقولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللَّهمَّ بارك لهم، وباركَ عليهم ) )، ورجاله ثقاتٌ، إلَّا أنَّ الحسن لم يسمعْ من عقيل فيما يُقال، فهو مرسل. وقد دلَّ حديث أبي هُريرة رضي الله عنه على أنَّ اللَّفظ كان
ج 22 ص 471
مشهورًا عندهم غالبًا حتى سَمَّى كلَّ دعاءٍ للمتزوج ترفئة.
واختُلِفَ في علَّةِ النَّهي عن ذلك؛ فقيل لأنَّه لا حَمْدَ فيه ولا ثَنَاء ولا ذِكْرَ لله عزَّ وجلَّ، وقيل لما فيه من الإشارة إلى بغضِ البنات لتخصيصِ البنين بالذِّكر. قيل فعلى هذا إذا قيل بالرَّفاء والأولاد ينبغي أن لا يُكْرَه، وأمَّا الرَّفاء فمعناه بالالتئام والائتلاف فلا كراهية فيه.
وقال ابن المنيِّر الذي يظهر أنَّه صلى الله عليه وسلم كَرِهَ اللَّفظَ لما فيه من موافقة الجاهلية؛ لأنَّهم كانوا يقولونه تفاؤلًا لا دعاء، فيظهر أنَّه لو قيل للمتزوِّج بصورة الدُّعاء لم يُكْرَه كأن يقول اللَّهمَّ ألِّفْ بينهما وارزُقْهُما بنين صالحين مثلًا، أو ألَّفَ اللهُ بينكما ورزقَكُما ولدًا ذَكَرًا ونحو ذلك.
وأمَّا ما أخرجه ابنُ أبي شيبة من طريق عمر بن قيس الماضي، قال شهدتُ شريحًا وأتاهُ رجل من أهل الشَّام فقال إني تزوَّجت امرأةً، فقال بالرَّفاء والبنين. وأخرجه عبد الرَّزاق من طريق عدي بن أرطاة، قال حدثت شريحًا أني تزوجت امرأة، فقال بالرَّفاء والبنين، فهو محمولٌ على أنَّ شريحًا لم يبلغه النَّهي عن ذلك.
ودلَّ صنيعُ المصنِّف من تخريج حديث الباب على أنَّ الدُّعاء للمتزوج بالبركة هو المشروع ولا شك أنَّها لفظة جامعة يدخل فيها كلُّ مقصود من ولد وغيره. ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من حديث جابر رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قال له (( تزوجتَ بكرًا أم ثيبًا؟ قال له بارك الله لك ) ).