فهرس الكتاب

الصفحة 10347 من 11127

14 - (باب فِي الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ) أي باب ما يكره من الاحتيال في الرُّجوع عن الهبة والاحتيال في إسقاط الشفعة (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يريد به الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله (إِنْ وَهَبَ) شخص (هِبَةً، أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى مَكَثَ) بفتح الكاف وضمّها بعدها مثلثة؛ أي الشَّيء الموهوب (عِنْدَهُ) أي عند الموهوب له (سِنِينَ، وَاحْتَالَ) الواهب (فِي ذَلِكَ) قال الحافظ العسقلانيّ أي بأن تواطأ مع الموهوب له أن لا يتصرَّف، وإلَّا فالهبة لا تتمُّ إلَّا بالقبض، وإذا قبض كان بالخيار في التَّصرُّف فيها ولا يتهيَّأ للواهب الرُّجوع فيها بعد التَّصرُّف، فلابدَّ من المواطأة بأن لا يتصرَّف فيها ليتمَّ الحيلة (رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا) أي في الهبة (فَلاَ زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَخَالَفَ) أي هذا القائل (الرَّسُولَ) أي ظاهر حديث الرَّسول وهو النَّهي عن العود في الهبة (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِبَةِ) المنهيُّ عن العود فيها.

(وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ) بعد أن حالَ عليها الحول عند الموهوب له، ووجوب زكاته عليه عند الجمهور. قال ابن بطَّال إذا قبض الموهوب له الهبة فهو مالكٌ لها، فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزَّكاة فيها عند الجميع، وأمَّا الرّجوع فلا يكون عند الجمهور إلَّا فيما يولد للولد، فإن رجع فيها بعد الحول وجبت فيها الزَّكاة على الابن.

قال الحافظ العسقلانيّ فإن رجع فيها قبل الحول صحَّ الرُّجوع ويستأنف الحول وإن كان فعل ذلك ليريد

ج 29 ص 161

إسقاط الزَّكاة سقطت وهو آثمٌ مع ذلك.

وقال ابن التِّين مراد البخاريّ أنَّ مذهب أبي حنيفة أنَّ من سِوَى الوالدين يرجع في هبته، ولا يرجع الوالد فيما وهب لولده، وهو خلاف قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يحلُّ لرجلٍ أن يعطي عطية فيرجع فيها إلَّا الوالد فيما يعطي ولده، ومَثَل الَّذي يرجع في عطيته كالكلب يعود في قيئه ) ).

قال الحافظ العسقلانيّ فعلى هذا إنَّما أخرج البخاريّ حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما للإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو مخرجٌ عند أبي داود عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من وجهٍ آخر كما تقدم بيانه في كتاب الهبة [خ¦2589] ، وذهب الجمهور ومنهم الشَّافعي إلى أنَّ الزَّكاة تجب على المُتَّهِبِ مدَّة مكث المال عنده.

قال العيني أراد به التَّشنيع على أبي حنيفة رحمه الله من غير وجهٍ؛ لأنَّ أبا حنيفة في أيِّ موضعٍ قال هذه الصُّورة؟ بل الذي قاله أبو حنيفة أنَّ الواهب له أن يرجع في هبته، ولكن لصحَّة الرُّجوع قيود

الأول أن يكون أجنبيًا.

والثاني أن يكون قد سلَّمها إليه؛ لأنَّه قبل التَّسليم يجوز مطلقًا.

والثالث أن لا يقترن بشيءٍ من الموانع وهي مذكورةٌ في موضعها.

واستدلَّ في جواز الرُّجوع بقوله صلى الله عليه وسلم (( الواهب أحقُّ بهبته ما لم يُثَبْ منها ) )أي ما لم يعوّض، رواه أبو هريرة وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم.

أمَّا حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه في الأحكام من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وأمَّا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأخرجه الطَّبراني من حديث عطاءٍ عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من وهب هبةً فهو أحقُّ بها

ج 29 ص 162

ما لم يثب منها )) .

وأمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنهما فأخرجه الحاكم من حديث سالم بن عبد الله يحدِّث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من وهب هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يثب منها ) )، وقال حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه.

فكيف يحلُّ أن يقال في حقِّ هذا الإمام الَّذي علمه وزهده لا يحيط بهما الواصفون أنَّه خالف الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وكيف خالفه، وقد احتجَّ فيما قاله بأحاديث هؤلاء الثَّلاثة من الصَّحابة الكبار؟

وأمَّا الحديث الَّذي احتجَّ به مخالفوه، وهو ما رواه البخاري الَّذي يأتي الآن، ورواه أيضًا الجماعة غير التِّرمذي عن قتادة عن سعيد بن المسيِّب عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ) ). فلم ينكره أبو حنيفة بل عمل بالحديثين معًا فعمل بالحديث الأوّل في جواز الرُّجوع، وبالثَّاني في كراهة الرُّجوع واستقباحه، لا في حرمة الرُّجوع كما زعموا.

وقد شبَّه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم رجوعه بعود الكلب في قيئه وفعل الكلب يوصف في القبح لا بالحرمة، وهو يقول به لأنَّه مستقبحٌ، ولقائل أن يقول للقائل الَّذي قال إنَّ أبا حنيفة خالف الرَّسول أنت أيضًا خالفت الرَّسول في الحديث الَّذي يحتجُّ به على عدم الرّجوع؛ لأنَّ هذا الحديث يعمُّ منع الرَّجوع مطلقًا سواء كان الَّذي يرجع منه أجنبيًا أو ولده، وما رواه أصحاب السُّنن الأربعة عن حسين المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يحلُّ لرجلٍ أن يعطي عطيَّةً أو يهب هبةً فيرجع فيها إلَّا الوالد فيما يعطي ولده ) )فهو بناءٌ على أصلهم أنَّ للأب حقَّ التَّملُّك في مال الابن؛ لأنَّه جزؤه فالتَّملُّك منه كالتملُّك من نفسه، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت