2905 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، هو ابنُ عقبة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، وزعم أبو نعيم في «مستخرجه» أنَّ لفظ (( قبيصة ) )هنا تصحيفٌ من الكاتب، وأنَّ الصَّواب قتيبة، وعلى هذا؛ فسفيان هو ابنُ عيينة؛ لأنَّ قتيبة لم يسمع من الثَّوري، لكن لا مانع أن يكون لكلِّ واحدٍ من السُّفيانين هذا الحديث.
وقد أخرجه البخاريُّ في الأدب [خ¦6184] من طريق يحيى القطَّان عن سفيان الثَّوري.
(عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) بفتح المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى، وقد مرَّ في الحيض [خ¦303] (قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (يَقُولُ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَدِّي) مضارع فدَّاه إذا قال له جعلت فداك.
وقال الجوهريُّ الفِدا، إذا كسر أوله يمدُّ ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، يقال قم فَدًى لك أبي.
(رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) وسعد هذا هو سعد بن أبي وقَّاص أحد العشرة المبشَّرة رضي الله عنه وعنهم. قال الخطَّابي التَّفدية من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء وأدعيته خليق أن تكون مستجابةً. وادَّعى المهلَّب أنَّ هذا ممَّا خصَّ به سعد، وليس كذلك ففي
ج 13 ص 426
«الصحيحين» أنَّه فدَّى الزُّبير بذلك.
ولعلَّ عليًّا رضي الله عنه لم يسمعه، وقال النَّووي وقد جمعهما لغيرهما أيضًا، والتَّفدية بذلك جائزة عند الجمهور، وكرهه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه والحسن البصري، وكرهه بعضهم في التَّفدية بالمسلم من أبويه.
والصَّحيح الجواز مطلقًا؛ لأنَّه ليس فيه حقيقة فداء، وإنَّما هو برٌّ ولطف وإعلام بمحبَّته له، وقد وردت الأحاديث الصَّحيحة بالتَّفدية مطلقًا.
فإن قيل روى أبو سلمة، عن ابن المبارك، عن الحسن دخل الزُّبير رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شاكٌّ فقال كيف تجدك جعلني الله فداك؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( ما تركتَ أعرابيَّتك بعد ) ).
وقال الحسن لا ينبغي أن يفدي أحدٌ أحدًا، وروى المنكدر، عن أبيه محمَّد بن المنكدر قال دخل الزُّبير، فذكر الحديث.
فالجواب أنَّ الأول مرسلٌ، والثَّاني ضعيفٌ.
وقال الطَّبري هذه أخبارٌ واهية؛ لأنَّ مراسيل الحسن أكثرها من غير سماعٍ، وإذا وصل الأخبار فأكثرها عن مجاهيل لا يعرفون، والمنكدر بن محمَّد عند أهل النَّقل لا يعتمد على نقله، وعلى تقدير الصِّحة ليس فيه النَّهي عن ذلك.
والمعروف من قول القائل إذا قال فلان لم يترك أعرابيته أنَّه نسبه إلى الجفاء، لا إلى فعل ما لا يجوز، وأعلمه أنَّ غيره من القول والتَّحية ألطف وأرقُّ منه دعاء.
ثمَّ قوله (( فداك أبي وأمِّي ) )أي مفدًّى لك أبي وأمِّي، فقوله أبي مبتدأ، وأمِّي عطف عليه، وقوله (( فداك ) )خبره مقدمًا. وقد يوهم هذا القول أنَّ فيه إزراء بحقِّ الوالدين، وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّهما ماتا كافرين على ما قيل، وسعد مسلم ينصر الدِّين ويقاتل الكفار فتفديته بكلِّ كافرٍ غير محذورٍ، قاله الخطَّابي.
وقال العيني القول بأنَّهما ماتا كافرين غير جيدٍ؛ لما قيل إنَّ الله أحياهما لأجله صلى الله عليه وسلم، بل الوجه في هذا أنَّ القول بالتَّفدية لأجل إظهار البرِّ والمحبة، كما مرَّ، وللأبوَّة حرمةٌ كيف كانت.
وعن مالك من آذى مسلمًا في أبويه الكافرين عوقب وأُدِّبَ لحرمتهما عليه.
ج 13 ص 427
قال الحافظ العسقلاني ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهرٍ، لا وجه له؛ لأنَّه لا يوافق واحدًا من ركني التَّرجمة.
وأجاب بأنَّ الرَّامي لا يستغني عن شيءٍ يقي به نفسه عن سهام من يقصده.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يخلو عن تعسُّف، والأوجه أن يقال إنَّ فيه ذِكْرَ الرَّامي، وكذلك الحديث المذكور في صدر الباب فيه ذِكْر الرَّمي أيضًا، فهذا القدر كافٍ في المناسبة. انتهى.
ولا يذهب [عليك] أنَّ هذا ليس بأقل تعسُّفًا ممَّا ذكره الحافظ العسقلانيُّ، فتأمل.
والحديث قد أخرجه المؤلِّف في الأدب [خ¦6184] ، والمغازي أيضًا [خ¦4059] ، وأخرجه مسلم في الفضائل، والتِّرمذي في المناقب، والنَّسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه في السنة.