10 - (بابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ) لحديث الباب الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1077] ، ولحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه السَّابق [خ¦1073] أنَّه قرأ على النَّبي صلى الله عليه وسلم {وَالنَّجْمِ} فلم يسجد فيها، فكأنَّ من رأى ذلك يحمل الأمر في قوله تعالى {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم 62] وقوله تعالى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق 19] على النَّدب، أو على أنَّ المراد به سجود الصَّلاة، أو في الصَّلاة المكتوبة
ج 5 ص 407
على الوجوب، وفي سجدة التِّلاوة على النَّدب على قاعدة الشَّافعي في حمل المشترك على معنييه.
وأوجبه الحنفيَّة؛ لأنَّ آيات السَّجدة كلها دالة على الوجوب لاشتمال بعضها على الأمر بالسُّجود، واحتواء بعضها على الوعيد الشَّديد على تركه، وانطواء بعضها على استنكاف الكفرة عن السُّجود، والتحرُّز عن التشبُّه بهم واجبٌ، وذلك بالسُّجود، وانتظام بعضها على الأخبار عن فعل الملائكة والاقتداء بهم لازم؛ لأنَّ فيه تبرءًا من الشَّيطان حيث لم يقتدِ به.
والجواب عن الحديث الآتي سيجيء إن شاء الله تعالى، وأمَّا حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه فقد تقدَّم أنَّه لا ينفي الوجوب؛ لأنَّه لا يقتضي إلَّا تركها متَّصلة بالتِّلاوة، وأمَّا الأمر في الآيتين فللوجوب لتجرُّده عن القرينة الصَّارفة عن الوجوب، وحمل السُّجود على سجود الصَّلاة يحتاج إلى دليل، واستعماله في الصَّلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجدة التِّلاوة على الندب استعمال المفهومين المختلفين في حالة واحدة وهو ممتنع.
وذهب الطَّحاوي إلى الندب، واحتجَّ له بأنَّ الآيات التي فيها سجود التِّلاوة منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل فيها سجود أو لا، وهي ثانية الحج وخاتمة النَّجم واقرأ، فلو كان سجود التِّلاوة واجبًا لكان ما ورد بصيغة الأمر أولى أن يتَّفق على السُّجود فيه ممَّا ورد بصيغة الخبر.
(وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بكسر العين المهملة في الأول، وبضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وفي آخره نون على صيغة التَّصغير في الثَّاني، صحابي رضي الله عنه، وكانت الملائكة تسلِّم عليه من جوانب بيته في مرضه، وقد مرَّ في كتاب «التَّيمم» [خ¦348] (الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا) أي ولم يجلس لاستماع قراءة آية السَّجدة (قَالَ) عمران رضي الله عنه (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ قَعَدَ لَهَا) أيجب عليه شيء؟ والاستفهام للإنكار، وجواب «لو» محذوف؛ يعني لو جلس لها وكان مستمعًا لا يجب عليه أيضًا.
قال المؤلِّف (كَأَنَّهُ) أي عمران رضي الله عنه (لاَ يُوجِبُهُ) أي السُّجود (عَلَيْهِ) أي على الذي قعد للاستماع، وإذا لم يجب على المستمع فعدم وجوبه على السَّامع أولى،
ج 5 ص 408
ويُعارض هذا أثر ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال السَّجدة على من سمعها. رواه ابن أبي شيبة، وكلمة «على» للإيجاب، وهو مطلق عن قيد القصد فيجب على كلِّ سامع سواء كان قاصدًا للسَّمع أو لم يكن.
ثمَّ أثر عمران الذي علقه المؤلِّف قد وصله ابن أبي شيبة في (( مصنَّفه ) )بمعناه قال حَدَّثنا عبد الأعلى، عن الجُريري، عن أبي العلاء، عن مُطرِّف قال وسألته عن الرَّجل يتمارى في السَّجدة أسمعها أو لم يسمعها؟ قال وسمعها فماذا؟ ثمَّ قال مطرف سألت عمران بن حصين رضي الله عنه عن الرَّجل لا يدري أسمع السَّجدة أم لا؟ قال وسمعها فماذا؟
(وَقَالَ سَلْمَانُ) هو الفارسي رضي الله عنه (مَا لِهَذَا غَدَوْنَا) وهو قطعة من أثر علَّقه البخاري، ووصله ابن أبي شيبة عن ابن فُضيل، عن عطاء بن السَّائب، عن أبي عبد الرَّحمن قال دخل سلمان الفارسي رضي الله عنه المسجد وفيه قوم يقرؤون فقرؤوا سجدة فسجدوا، فقال له صاحبه يا أبا عبد الله لو أتينا هؤلاء قال ما لهذا غدونا؛ أي ما غدونا لأجل السَّماع، فكأنَّه أراد بيان أنَّا لم نسجد؛ لأنَّا ما كنَّا قاصدين للسَّماع.
وأخرجه البيهقي أيضًا، وأخرجه عبد الرَّزَّاق من طريق أبي عبد الرَّحمن السَّلمي قال مرَّ سلمان على قوم قعود فقرؤوا السَّجدة فسجدوا، فقيل له، فقال ليس لهذا غدونا.
(وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان رضي الله عنه (إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا) لا على من سمعها، والفرق بينهما على ما قال الكرماني أنَّ المستمع من كان قاصدًا للسَّماع مصغيًا إليه، والسَّامع من اتَّفق سماعه من غير قصد إليه.
وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن ابن المسيب أنَّ عثمان رضي الله عنه مرَّ بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان رضي الله عنه، فقال عثمان رضي الله عنه [1] إنَّما السُّجود على من استمع ثمَّ مضى ولم يسجد.
وروى ابن أبي شيبة نا وكيع، عن ابن أبي عروة، عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عثمان رضي الله عنه قال إنَّما السَّجدة على من جلس لها.
قال العيني هذه الآثار الثَّلاثة لا تدلُّ على نفي وجوب السَّجدة على التَّالي، والتَّرجمة تدلُّ على العموم فلا مطابقة بينهما من هذا الوجه، ورواية ابن أبي شيبة تدلُّ على وجوب السَّجدة عند عثمان رضي الله عنه على الجالس لها سواء قصد السَّماع أو لم يقصد.
(وَقَالَ) ابن شهاب (الزُّهْرِيُّ لاَ تَسْجُدْ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا)
ج 5 ص 409
بالفوقية فيهما وسكون الدال، ويروى بالمثناة التحتية فيهما ورفع الدال، وهذا يدلُّ على أنَّ الطَّهارة شرط لأداء سجدة التِّلاوة، وفيه خلاف ابن عمر رضي الله عنهما والشَّعبي كما مرَّ (فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَإنْ كُنْتَ رَاكِبًا) أي في سفر؛ لأنَّه قسيم الحضر.
وقال الكرمانيُّ والرُّكوب كناية عن السَّفر؛ لأنَّ السَّفر مستلزم له، وتعقَّبه العيني بأنَّه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، واستلزام السَّفر للركوب غير مسلَّم؛ لأنَّ السَّفر قد يكون بالمشي كما أنَّ الرُّكوب قد يكون في الحضر أيضًا.
(فَلاَ عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ) أي فلا بأس عليك أن لا تستقبل القبلة عند السجود، وهذا هو موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الواجب لا يُؤدَّى على الدَّابة في الأمن (وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد الكندي، وُيقال اللَّيثي، وُيقال الأزدي، وُيقال الهذلي المعروف بابن أخت النَّمر، والنَّمر هو خال أبيه يزيد أبو زيد الصَّحابي المشهور، مات سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد مرَّ ذكره في باب «استعمال فضل وضوء النَّاس» [خ¦190] .
(لاَ يَسْجُدُ لِسُجُودِ الْقَاصِّ) بتشديد الصاد المهملة، الذي يقصَّ النَّاس ويقرأ القصص والأخبار والمواعظ. قال الكرمانيُّ ولعلَّ سببه أنَّه ليس قاصدًا لقراءة القرآن.
وقال العيني ولعلَّ سببه أن لا يكون قصده السَّماع، أو كان يسمعه ولم يكن يستمع أو كان لم يجلس له فلا يسجد. وقال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على هذا الأثر موصولًا.
[1] من قوله (( مر بقاص. .. إلى قوله عثمان رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .