فهرس الكتاب

الصفحة 1713 من 11127

1077 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميمي الفرَّاء، أبو إسحاق الرَّازي المعروف بالصَّغير (قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرَّحمن الصَّنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومئة باليمن (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أبو الوليد المكِّي (أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد.

(أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم وفتح اللام، اسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة، واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله، أبو محمَّد الأحول كان قاضيًا لابن الزُّبير ومؤذِّنًا له، وقد مرَّ في باب «خوف المؤمن أن يحبط عمله» [خ¦48] .

(عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمان بن عبد الله بن عبيد الله (التَّيْمِيِّ) القرشي (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ) بضم الهاء وفتح الدال المهملة وسكون المثناة التحتية وفي آخره راء،

ج 5 ص 410

أبو عثمان (التَّيْمِيِّ) القرشي المدني التَّابعي الجليل، مات سنة أربع وخمسين، وقال ابن سعد ولد ربيعة في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم.

قال الكلاباذي روي عنه حديث موقوف في باب «سجود القرآن» ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وكذلك ليس لأبي بكر بن أبي مليكة فيه غير هذا الحديث أيضًا.

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هو ابن أبي مُليكة المذكور (وَكَانَ رَبِيعَةُ) أي ابن عبد الله بن الهُدير (مِنْ خِيَارِ النَّاسِ) وهي جملة معترضة، وقوله (عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ) متعلِّق بقوله (( أخبرني أبو بكر ) )، وقوله (( عن عثمان ) )، وكذا قوله (( عن ربيعة ) )متعلِّق بمحذوف لا بأخبرني المذكور؛ لأنَّ حرفي جرٍّ بمعنى واحدٍ لا يتعلَّقان بفعل واحدٍ، والتَّقدير أخبرني أبو بكر راويًا عن عثمان عن ربيعة عن حضوره، فكلمة «ما» مصدريَّة، و «ربيعة» بالرفع فاعل «حضر» .

(مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي مجلسه رضي الله عنه، أنَّه (قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ) أي آيتها، وهي قوله تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ*يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل 49 - 50] (نَزَلَ) من المنبر (فَسَجَدَ) على الأرض (وَسَجَدَ النَّاسُ) معه (حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا) أي بسورة النَّحل أيضًا (حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ) وفي رواية (قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا) وفي رواية بالميم بعد النون (نَمُرُّ بِالسُّجُودِ) أي بآية السُّجود (فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ) السنَّة.

(وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) قالوا هذا صريح في عدم الوجوب، وهذا كان بمحضر من الصَّحابة رضي الله عنهم، ولم يُنكر عليه أحدٌ، فكان إجماعًا سكوتيًّا على ذلك، والجواب عنه المنع لم لا يجوز أن يكون معناه، فمن سجدَ فقد أصاب حيث أدَّى الواجب على الفور، ومن لم يسجد على الفور فلا إثم عليه في تأخيره من ذلك الوقت.

(وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي في ذلك الوقت لعارض مثل انتقاض الوضوء أو للإشارة إلى أنَّه ليس على الفور. وقد رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه ما يؤكِّد ما ذهبنا إليه من الوجوب، وهو ما رواه الطَّحاوي نا أبو بكرة قال نا أبو داود وروح قالا نا شعبة قال أنبأني سعدُ بن إبراهيم، قال سمعتُ ابن أخت لنا يُقال له عبد الله بن ثعلبة قال صلَّى بنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه الصُّبح فيما أعلم، ثمَّ قال سعد صلَّى بنا الصُّبح فقرأ الحج، وسجد فيها سجدتين. وأخرجه ابن أبي شيبة

ج 5 ص 411

في «مصنَّفه» عن غندر عن شعبة ... إلى آخره نحوه.

وهذا الحديث من أفراد البخاري رحمه الله، وفي إسناده توثيق أحد الرُّواة شيخ شيخه الذي روى عنه، وفيه رواية ثلاثة من التَّابعين بعضهم عن بعض وهم أبو بكر وعثمان وربيعة، وفيه أنَّ عثمان بن عبد الرَّحمن من أفراد البخاري، ورواه أبو نُعيم من حديث حجَّاج بن محمَّد عن ابن جُريج من طريقين.

وأخرجه سعيدُ بن منصور أيضًا، والإسماعيليُّ من طريق ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مُليكة أنَّ عبد الرَّحمن بن عثمان التَّيمي أخبره عن ربيعة بن عبد الله أنَّه حضر عمر رضي الله عنه فذكره، وقوله عبد الرَّحمن بن عثمان، مقلوب، والصَّحيح عثمان بن عبد الرَّحمن.

(وَزَادَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ) وفي رواية (إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ) أي السُّجود بقراءة آية السَّجدة؛ أي قال ابن جريج وزاد وهذا موقوف لا مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذا قال الكرماني.

وقال الحميديُّ هذا معلَّق، وكذا علَّم عليه الحافظ المزي علامة التَّعليق.

وقال الحافظ العسقلانيُّ قوله (( وزاد نافع ) )متَّصل بالإسناد الأوَّل، وقد بيَّن ذلك عبد الرَّزَّاق قال في «مصنَّفه» عن ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة فذكره وقال في آخره قال ابن جريج وزادني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال لم يفرض علينا السُّجود إلَّا أن نشاء، وكذلك رواه الإسماعيليُّ والبيهقي وغيرهما من طريق حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريج فذكر الإسناد الأوَّل قال وقال حجَّاج قال ابنُ جريج وزاد نافع فذكره.

ثمَّ قال ذلك الحافظ وفي هذا ردٌّ على الحميدي في زعمه أنَّ هذا معلَّق، وكذا على الحافظ المزي حيث علَّم عليه علامة التَّعليق.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية عبد الرَّزَّاق لا تشهد باتِّصاله، بل تشعر بخلافه؛ لأنَّ ابن جريج يقول زادني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما.

معناه أنَّه زادني على روايتي عن أبي بكر، عن عثمان، عن ربيعة، عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يفرضْ علينا السُّجود إلَّا أن نشاءَ، والمزيد هو قولُ ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا ينادي بصوت عالٍ أنَّه موقوف مثل ما قال الكرماني، ومعلَّق مثل ما قال الحافظان الكبيران الحميديُّ والمزيُّ.

ثمَّ قال العيني وأبعد من ذلك ما قاله العسقلاني أنَّ الضَّمير في قوله «إنَّه قال» في رواية عبد الرَّزَّاق يعود إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، جزم بذلك التِّرمذي

ج 5 ص 412

في (( جامعه ) )حيث نسب ذلك إلى عمر رضي الله عنه في هذه القضيَّة انتهى.

قال العيني لم يجزم التِّرمذي بذلك، ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج، وإنَّما لفظ التِّرمذي في «جامعه» في باب من لم يسجد فيه _ أي في النَّجم، بعد روايته حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه _

وقال بعضُ أهل العلم إنَّما السَّجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها، واحتجُّوا بالحديث المرفوع، ثمَّ قال واحتجُّوا بحديث عمر رضي الله عنه أنَّه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجدَ، ثمَّ قرأها في الجمعة الثَّانية فتهيَّأ النَّاس للسُّجود فقال إنَّها لم تكتب علينا إلَّا أن نشاءَ، فلم يسجد، ولم يسجدوا، انتهى.

فهذا لفظ التِّرمذي، فلينظر من له بصيرة وذوقٌ من دقائق تراكيب الكلام هل تعرَّض التِّرمذي في ذلك إلى زيادة نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أو ذكر أنَّ الضَّمير في قوله «قال» ، يعودُ إلى عمر رضي الله عنه، ولو قال مثل ما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر التِّرمذيُّ عن عمر رضي الله عنه [1] ، لكان له وجه.

ثمَّ قال الحافظ العسقلانيُّ واستدلَّ بقوله (( لم يفرض علينا ) )على عدم وجوب سجدة التِّلاوة.

وأجاب بعض الحنفيَّة على قاعدتهم في التَّفرقة بين الفرض والواجب بأنَّ نفي الفرضيَّة لا يستلزم نفي الوجوب، وتعقِّب بأنَّه اصطلاح جديد لهم، وما كان الصَّحابة رضي الله عنهم يفرِّقون بينهما، ويغني عن هذا قول عمر رضي الله عنه، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، انتهى.

وقد أجاب العينيُّ عن التعقُّب المذكور إنَّا لا نسلِّم أنَّه اصطلاح جديد، وكيف وأهل اللُّغة قد فرَّقوا بين الفرض والواجب، ومنكر هذا معاندٌ ومكابر، والأحكام الشرعيَّة إنَّما تؤخذ من الألفاظ العربيَّة.

وأمَّا قوله وما كان الصَّحابة يفرِّقون بينهما، دعوى بلا برهان، والصَّحابة هم كانوا أهل اللُّغة والتصرُّف في الألفاظ العربيَّة، وهذا القول فيه نسبة الصَّحابة رضي الله عنهم إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم.

وأمَّا قوله ويغني عن هذا قول عمر رضي الله عنه و «من لم يسجد فلا إثم عليه» ، فقد أجبنا عن هذا فيما مضى بأنَّ معناه لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السَّماع.

فإن قيل روى البيهقي من طريق ابنِ بُكير نا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ عمر رضي الله عنه قرأ السَّجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجدوا معه، ثمَّ قرأ يوم الجمعة الأخرى فتهيَّؤا للسُّجود، فقال عمر رضي الله عنه على رِسْلِكُم، إنَّ الله لم يكتبْها

ج 5 ص 413

علينا إلَّا أن نشاء ونراها. ولم يسجد ومنعهم. فترك عمر رضي الله عنه السُّجود، ومنع من حضر معه دليل على عدم الوجوب، ولا يجوز أن يكون واجبًا عند بعضهم، ويسكت عن الإنكار على قوله ومن لم يسجد فلا إثم عليه. فكان إجماعًا سكوتيًّا.

فالجواب أنَّ عروة لم يدرك عمر رضي الله عنه. قال خليفة بن خيَّاط وفي سنة ثلاث وعشرين آخر خلافة عمر رضي الله عنه [2] ولد عروة بن الزُّبير، وعن مصعب بن الزُّبير ولد عروة لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله عنه فيكون منقطعًا، وهو غير حجَّة على أن تركَ عمر رضي الله عنه السُّجود، فقد مرَّ أنَّه لمعنى من المعاني التي ذْكرِت فيما مضى نقلًا عن الطَّحاوي، وأمَّا منعه لهم عن السُّجود على تقدير تسليم صحَّته فيحتمل أنَّه كان يرى أنَّ التَّالي إذا لم يسجد لا يسجد السَّامع أيضًا، فيكون معنى المنع أنا ما سجدت فلا تسجدوا أنتم أيضًا.

وروي عن مالك أنَّه قال إنَّ ذلك ممَّا لم يُتبع عليه عمر رضي الله عنه، ولا عمل به أحدٌ بعده.

ثمَّ قال الحافظ العسقلانيُّ واستدلَّ بقوله «إلَّا أن نشاء» . على أنَّ المرء مخيَّر في السُّجود فلا يكون واجبًا، وأجاب من أوجبَه بأنَّ المعنى إلَّا أن نشاء قراءتها فيجبُ ولا يخفى بُعده، ويردُّه تصريح عمر رضي الله عنه بقوله «ومن لم يسجد فلا إثم عليه» . فإنَّ انتفاء الإثم عمَّن ترك الفعل مختارًا يدلُّ على عدم وجوبه، انتهى.

وتعقَّبه العيني لا شكَّ أن مفعول نشاء محذوف، فيحتمل أن يكون السُّجود، ويحتمل أن تكون القراءة؛ يعني إلَّا أن نشاء قراءة السَّجدة فلا يترجَّح أحد الاحتمالين إلَّا بمرجِّح، والأحاديث الواردة في هذا الباب تنفي التَّخيير فيترجَّح المعنى الآخر.

والجواب عن قوله ويردُّه تصريح عمر رضي الله عنه. .. إلى آخره فقد مرَّ وهو أنَّ معناه لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السَّماع.

[1] من قوله (( ولو قال مثل. .. إلى قوله عمر رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .

[2] من قوله (( قال خليفة بن خياط. .. إلى قوله عمر رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت