5 - (بابٌ مَنْ بَلَغَ) من العمر (سِتِّينَ سَنَةً، فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ) و «أعذر» بالعين المهملة والذال المعجمة والهمزة فيه للإزالة؛ أي أزال الله عذره فلم يبقَ له اعتذارٌ، كأن يقول لو مُدَّ لي في الأجل لفعلت ما أُمرت به، يقال أَعذر إليه إذا بلّغه أقصى الغاية في العُذر ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عُذرٌ في ترك الطَّاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الَّذي حصل له فلا ينبغي له حينئذٍ إلَّا الاستغفار والطَّاعة والإقبال على الآخرة بالكليَّة، ونسبة الإعذار إلى الله تعالى مجازيَّةٌ، والمعنى أنَّه تعالى لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسَّك به.
(لِقَوْلِهِ) عزَّ وجلَّ ( {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} ) كذا في رواية الأكثر، وسقط في رواية النَّسفي قوله «لقوله» وهذا توبيخٌ من الله تعالى؛ أي يقول الله لهم ذلك توبيخًا.
قال الزَّجاج أي {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} [فاطر 37] العمر الَّذي يتذكَّر فيه مَن تذكَّر، وقال أبو البركات النَّسفي يجوز أن يكون «ما» نكرة موصوفة؛ أي تعميرًا يتذكَّر فيه من تذكَّر.
وقال ابن الحاجب «ما» لا يستقيم أن تكون نافية من حيث اللَّفظ ومن حيث المعنى، أمَّا اللَّفظ فلأنَّها يجب قطعها عن {نُعَمِّرْكُم} ؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون النَّفي من معموله، وأيضًا فإنَّ الضَّمير فيه يرجع إلى غير مذكورٍ، وأمَّا المعنى فلأنَّ قوله {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} [فاطر 37] إنَّما سيق لإثبات التَّعمير وتوبيخهم على تركهم التَّذكر فيه، فإذا زائدة جعل نفيًا كانَّ فيه إخبار عن نفي تذكُّر متذكِّر فيه، فظاهره على ذلك نفي التَّعمير؛ لأنَّه إذا كان زمانًا لا يتذكَّر فيه متذكِّرٌ لزم أن لا يكون تعميرًا، وهو خلاف قوله {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ} [فاطر 37] ،
ج 27 ص 65
انتهى.
واختلف في مقدار العمر المراد هنا على أقوالٍ
أحدها أنَّه أربعون سنةً، نقله الطَّبري عن مسروق وغيره، قال مسروق إذا بلغ أحدكُم أربعين فليأخذ حذره من الله عزَّ وجلَّ، وكأنَّه من قوله {بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف 15] .
الثَّاني ستٌّ وأربعون سنةً، أخرجه ابن مَردويه من طريق مجاهد، وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وتلا الآية، ورواته رجال الصَّحيح إلَّا ابن خُثيم فهو صدوقٌ وفيه ضعفٌ.
الثَّالث سبعون سنةً، أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} قال نزلت تعييرًا لأبناء السَّبعين. وفي إسناده يحيى بن ميمون وهو ضعيفٌ. قيل فالإنسان لا يزال في ازديادٍ إلى كمال السِّتِّين، ثمَّ يشرع بعد ذلك في النَّقص والهرم.
~إِذَا بَلَغَ الْفَتَى سِتِّينَ عَامًا فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ
الرَّابع ستُّون، وتمسَّك قائله بحديث الباب، قيل وهو الصَّحيح، وورد في بعض طرقه التَّصريح بالمراد، فأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق سعيد بن سليمان عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ عن أبيه عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( العمرُ الَّذي أعذرَ الله فيه لابن آدم ستُّون سنةً {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} ) ). وأخرجه ابن مردويه من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن أبي حازمٍ عن سهل بن سعدٍ مثله.
الخامس التَّردد بين السِّتِّين والسَّبعين، أخرجه ابن مَردويه من طريق أبي معشر عن سعيدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من عمَّر ستِّين سنةً فقد أعذر الله إليه في العمر ) ). وأخرج أيضًا من طريق معتمر بن سليمانَ عن معمر عن رجلٍ من غِفار يقال له محمد عن سعيدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من بلغ السِّتِّين والسَّبعين ) ). ومحمد الغفاريُّ هو ابن معنٍ الَّذي أخرج البخاريُّ من طريقه. وعند أبي يعلى من طريق إبراهيم بن الفضلِ عن سعيدٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه (( معتركُ المنايا ما بين ستِّين وسبعين ) )لكن إبراهيم بن الفضل ضعيفٌ.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أعمارُ أمَّتي بين ما بين السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلَّهم من يجوز ذلك ) )رواه التِّرمذي في كتاب «الزُّهد» ، ولمَّا كان هذا هو العمر الَّذي يعذُر الله إلى عباده ويزيحُ عنهم العلل كان هو الغالب على أعمار هذه الأمَّة.
ج 27 ص 66
وروي عن عليِّ بن الحسين زين العابدين (( أنَّه سبع عشرة سنةً ) ).
( {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} ) وزاد أبو ذرٍّ وحده وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وغيره [1] . وقال السدِّي وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصَّحيح عن قتادة، فيكون احتجَّ عليهم بالعمر والرَّسول. وقال الزَّمخشري هو متناولٌ لكلِّ عمرٍ تمكَّن فيه المكلَّف من إصلاح شأنه وإن قصَّر؛ إلَّا أنَّ التَّوبيخ في المتطاول أعظم.
[1] في هامش الأصل يعني عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيعًا، قال العيني وهو الأصح.