(((7 ) )) (سُوْرَةُ الأعْرَافِ) قال أبو العبَّاس في كتابه في «مقامات التنزيل» هي مكيَّةٌ بإجماعهم، وفيه اختلاف آيات، وذكر الكلبي أنَّ فيها خمس عشرة آية مدنيَّات من قوله {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} إلى قوله {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} [الأعراف 152 - 157] ومن قوله {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} إلى قوله {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف 163 - 169] .
قال ولم يبلغنا هذا عن غير الكلبي، وفيها آيةٌ أخرى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ} [الأعراف 204] الآية.
ذكر جماعةٌ أنَّها نزلت في الخطبة يوم الجمعة بالمدينة، وهي مائتان وست آيات كوفيٌّ ومكيٌّ، ومائتان وخمس بصري وشامي، وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألفًا وثلاثمائة وعشرة أحرف.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) لم توجد البَسملة إلَّا في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {وَرِيَاشًا} الْمَالُ) وفي بعض النُّسخ وقع لفظ قبل قوله (( قال ) )ولم يوجد في أكثرها، وأشار بقوله {وَرِيَاشًا} إلى ما في قوله تعالى {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف 26] وقراءة الجمهور {وَرِيشًا} ، وقرأ الحسن وزر بن حُبيش وعاصم فيما روي عنه، وابن عبَّاس ومجاهد وأبو عبد الرَّحمن السَّلمي وأبو رجاء {وَرِيَاشًا} ، وهي قراءة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال أبو حاتم رواها عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ثمَّ إنَّ البُخاري فسَّره بالمال، يُقال تريَّش؛ أي تموَّل، وقد وصله ابن جرير من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعند ابن جرير من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الرِّياش اللِّباس والعيش والنَّعيم.
وحكى أبو عمرو أنَّ العرب تقول كساني فلانٌ ريشةً؛ أي كسوةً.
وعن معبد الجهني قال الرِّياش المعاش.
ج 19 ص 439
وقال أبو عبيدة الرِّياش ما ظهر من اللِّباس. وقال الأخفش هو الخصبُ والمعاش. وقال قطرب الرِّيش والرِّياش واحدٌ مثل حلٌّ وحلال، وحرم وحرام.
وقال الثَّعلبي يجوز أن يكون مصدرًا من قول القائل راشه الله يريشه رياشًا، والرِّياش في كلام العرب الأثاث، وما ظهر من المتاع والثِّياب والفرش وغيرها. وقال ابن الأعرابي الرِّيش الأكل، والرِّياش المال المستفاد. وقال ابن زيد الرِّيش الجمال، وقيل الرِّيش لباس الزِّينة استُعير من ريش الطَّير بعلاقة الزِّينة.
( {الْمُعْتَدِينَ} فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ) هكذا في رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني بزيادة ، وسقط في رواية غيرهما، وعند النَّسفي ، وأشار به إلى قوله تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف 55] . وقال الطَّبري حدَّثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( إنَّه لا يحبُّ المعتدين ) )في الدُّعاء ولا في غيره.
وقد جاء نحو هذا مرفوعًا أخرجه أحمد وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّه سمع ابنًا له يدعو فقال إنِّي سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( إنَّه سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء ) )وقرأ هذه الآية. وأخرجا أيضًا وابن ماجه من حديث عبد الله بن مُغَقَّل أنَّه سمع ابنًا له يقول اللَّهم إنِّي أسالك القصر الأبيض عن يمين الجنَّة إذا دخلتها، فذكر نحوه لكن لم يقل وقرأ الآية، وزاد فقال (( يا بني سَلِ الله الجنَّة، وعُذْ به من النَّار ) ).
والاعتداء في الدُّعاء يقع بزيادة كرفع الصَّوت فوق الحاجة، وبطلب ما يستحيل حصوله شرعًا كالذي يسأل درجة الأنبياء، وبطلب معصية، وبالأدعية الَّتي لم تؤثر خصوصًا ما وردت كراهته كالسَّجع المتكلَّف والنِّداء والصياح، لقوله تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف 55] أمرنا بأن ندعو بالتَّضرُّع والاستكانة والخفية، ألا ترى أنَّ الله تعالى ذكر عبدًا صالحًا ورضي بفعله، فقال إِذْ نَادَى
ج 19 ص 440
رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم 3] . وفي «التَّلويح» قوله {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} إلى قوله «وقال غيره» ، يشبه والله أعلم أنَّه من قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن ثمَّة ذكره من غير عطف.
( {عَفَوْا} كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أمْوَالُهُمْ) أشار به إلى قوله تعالى {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف 95] وفسَّر لفظ {عَفَوْا} الَّذي هو صيغة جمع بقوله «كثروا» من عفا الشَّيء إذا كثر. وقوله «وكثرت أموالهم» إنَّما وقع في رواية غير أبي ذرٍّ. وفي التفسير قوله {حَتَّى عَفَوْا} أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم.
( {الْفَتَّاحُ} الْقَاضِي. {افْتَحْ بَيْنَنَا} ) سقط لفظ < {بَيْنَنَا} > في رواية أبي ذرٍّ (اقْضِ بَيْنَنَا) لفظ {الْفَتَّاحُ} لم يقع في هذه السُّورة، وإنَّما هو في سورة سبأ [الآية 26] . قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّه ذكره هنا توطئةً لتفسير قوله في هذه السُّورة {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف 89] ؛ أي احكم بيننا وبين قومنا، قال الشاعر
~أَلَا أَبْلِغْ بَني عُصْمٍ رَسُولا فَإِنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ
انتهى، وفسَّر {الْفَتَّاحُ} بقوله القاضي، وكذا قال أبو عبيدة إنَّ {الْفَتَّاحُ} القاضي.
وقال الفرَّاء وأهل عُمَان يسمُّون القاضي الفاتح والفتَّاح، وقال الثَّعلبي وذكر غيره أنَّه لغة مراد.
وروى ابن جرير من طرق عن قَتادة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ما كنتُ أدري ما معنى قوله {افْتَحْ بَيْنَنَا} حتَّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها انطلق أفاتحك.
ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {افْتَحْ بَيْنَنَا} أي اقض بيننا، ومن طريق قَتادة والسُّدِّي وغيرهما مثله.
( {نَتَقْنَا الْجَبَلَ} رَفَعْنَا) وسقط قوله < {الْجَبَلَ} > في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت، أشار به إلى قوله تعالى {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف 171] وفسَّر قوله {نَتَقْنَا} بقوله «رفعنا» ، كذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال عليُّ بن أبي طلحة عنه رضي الله عنه قوله {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ} رفعناه.
( {انْبَجَسَتْ} انْفَجَرَتْ) أشار به إلى قوله تعالى {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [الأعراف 160] ثمَّ فسَّر {انْبَجَسَتْ} بقوله «انفجرت» ،
ج 19 ص 441
وكذا جاء في سورة البقرة حيث قال {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة 60] ؛ أي انشقَّت وكان ذلك الحجر من الطُّور يحمل مع موسى عليه السَّلام، فإذا نزلوا في موضعٍ ضربه موسى عليه السَّلام بعصاه فيخرجُ منه الماء في اثنتي عشرة عينًا لكلِّ سبطٍ عين.
( {مُتَبَّرٌ} خُسْرَانٌ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف 139] وفسَّر {مُتَبَّرٌ} بقوله «خسران» ، واشتقاقه من التُّبَّار، وهو الهلاك، وهو من التَّتبير، يُقال تبره تتبيرًا؛ أي كسره وأهلكه.
( {آسَى} أحْزَنُ. {تَأْسَ} تَحْزَنْ) ذكر هنا لفظتين الأولى قوله {آسَى} وهو في سورة الأعراف أشار به إلى قوله تعالى {فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف 93] وفسَّره بقوله «أحزن» ، وهو حكايةٌ عن قول شعيب عليه السَّلام حيث قال بعد هلاك قومه {فَكَيْفَ آَسَى} ؛ أي فكيف أحزن على القوم الَّذين هلكوا على الكفر. اللَّفظة الثَّانية قوله {تَأْسَ} وهو في سورة المائدة [الآية 26] ، وقد ذكرت هناك، وإنما ذكر هاهنا أيضًا استطرادًا.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي غير ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله (( وقال غيره ) )، فأوهم أنَّه وما بعده من تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما كالذي قبله، وليس كذلك، فإنَّ هذا كلام أبي عبيدة، فالصَّواب ثبوته.
( {مَا مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ} يَقُولُ مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ) أشار بذلك إلى أنَّ كلمة {لَا} صلة كما في قوله تعالى {لِئَلَّا يَعْلَمَ} [الحديد 29] مؤكدة لمعنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبِّهة على أنَّ الموبخ عليه هو ترك السُّجود. قال الزَّمخشري {لَا} في {أَنْ لَا تَسْجُدَ} صلةٌ بدليل قوله {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص 75] ثمَّ قال فائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخلُ عليه وتحقيقه، كأنَّه قيل ما منعك أن تحققَ السُّجود وتلزمه نفسك إذ أمرتك؟.
وذكر ابن جرير عن بعض الكوفيين أنَّ المنع هنا بمعنى القول، والتَّقدير من قال لك أن لا تسجد، وأُدخلت كلمة «أن» قبل «لا» كما أُدخلت في قولهم ناديت أن لا تقم، وحلفت أن لا تجلس، ثمَّ اختار ابن جرير أنَّ في الكلام حذفًا تقديره ما منعك من السُّجود، وحملك على أن لا تسجدَ قال وإنَّما حُذِف لدَلالة
ج 19 ص 442
سياق الكلام عليه.
( {يَخْصِفَانِ} أخَذَا) أي آدم وحواء عليهما السَّلام (الْخِصَافَ) بكسر الخاء (مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ، يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ) أشار به إلى قوله تعالى {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف 22] وفسَّر {يَخْصِفَانِ} بقوله «أخذا الخِصاف» ، وهو بكسر الخاء، جمع خَصَفة، وهي الجُلّة التي تُعمل من الخُوص للتَّمر، وجمعها خَصَف وخِصاف. قال أبو البقاء {يَخْصِفَانِ} ماضيه خصف، وهو متعد إلى مفعول واحدٍ، والمفعول شيئًا من ورق الجنة.
وقرأ الحسن (( يَخِصِّفان ) )بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان، وقرأ الزُّهري (( يُخْصِفان ) )من أَخْصَف؛ أي يخصفان أنفسهما، وقرئ (( يُخَصِّفان ) )من خَصَّف، بالتَّشديد.
وقوله طفقا من أفعال المقاربة؛ أي جعلا؛ أي آدم وحواء عليهما السَّلام (( يخصفان عليهما من ورق الجنَّة ) )؛ أي يجعلان ورقةً فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها كما يخصف النَّعل بأن يجعل طرفه على طرفه ويوثق بالسُّيور حتَّى صارت الأوراق كالثَّوب.
والورق ورق التِّين، وقيل اللَّوز، وهذا التَّفسير منقولٌ من أبي عبيدة لكن باختصار. وروى ابن جرير بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف 22] قال جعلا يأخذان من ورق الجنَّة فيجعلان على سوآتهما. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ في قوله {يَخْصِفَانِ} قال يُرقِّعان كهيئة الثَّوب.
ومن طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أخذا من ورق التِّين، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه. ومن طريق قَتادة قال كان لباس آدم عليه السَّلام في الجنَّة ظُفْرًا كلُّه، فلمَّا أكل من الشَّجرة كشفَ عنه وبدت سوأته.
ومن طريق ابن عُيينة عن عَمرو بن دينار عن وهب بن منبه قال كان لباس آدم وحواء النُّور، فكان أحدهما لا يرى عورة الآخر، والله تعالى أعلم.
ج 19 ص 443
( {سَوْآتُهُمَا} كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا} [الأعراف 22] وفسَّر {سَوْآَتُهُمَا} بفرجي آدم وحواء عليهما السَّلام. قال الجوهري السَّوأة العورة، وهذا التَّفسير من كلام أبي عبيدة أيضًا، وسقط هنا في رواية أبي ذرٍّ.
( {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} هَاهُنَا إِلَى الْقِيَامَةِ) وفي نسخة ، وفي نسخة < {وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} هو إلى يوم القيامة>.
(وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لا يُحْصَى عَدَدهُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت، وفي رواية غيرهما أشار به إلى قوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف 24] ونبَّه على أنَّ المراد من الحين هنا يوم القيامة، ثمَّ أشار بقوله «والحين عند العرب ... » إلى آخره، إلى أنَّ الحين مستعملٌ لأعدادٍ كثيرةٍ، وأدناه ساعة.
وقال ابنُ الأثير الحين الوقت، وفي «المغرب» الحين كالوقت مبهمٌ يقعُ على القليل والكثير.
(الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ، وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ) قيل ذلك آنفًا، وقد ذكره مفسَّرًا بالمال.
( {قَبِيلُهُ} جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} [الأعراف 27] والضَّمير في (( إنَّه ) )يرجع إلى الشَّيطان، وفسَّر القبيل بالجِيْل _ بكسر الجيم وسكون الياء _، وكذا فسَّره أبو عبيدة. قال ابن الأثير الصِّنف من النَّاس جيلٌ، والمراد هنا جيل الشَّيطان.
ويؤيِّده في المعنى ما رواه ابنُ جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهدٍ في قوله {قَبِيلُهُ} قال الجنُّ والشَّياطين، وقيل {قَبِيلُهُ} خيله ورجله، قال الله تعالى {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء 64] وقيل ذرَّيته قال تعالى {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} [الكهف 50] وقيل أصحابه، وقيل ولده ونسله.
قال الأزهريُّ القبيلُ جماعةٌ ليسوا من أبٍ واحدٍ، وجمعه قبل، فإذا كانوا من أبٍ واحدٍ فهم قبيلة.
( {ادَّارَكُوا} اجْتَمَعُوا) أشار به إلى قوله تعالى {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف 38] وفسَّر لفظ {ادَّارَكُوا} بقوله «اجتمعوا» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وزاد ويُقال تدارك لي عليه شيءٌ اجتمع، والتاء مدغمةٌ في الدال، انتهى.
وهي قراءة الجمهور والأصل تَدَارَكُوا، وقد قرأ بها الأعمش،
ج 19 ص 444
ورويت عن أبي عَمرو بن العلاء أيضًا؛ أي إذا تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا فيها؛ أي في النَّار. وقال مقاتلٌ كلَّما دخل أهل ملَّةٍ النَّار لعنوا أهل ملَّتهم، فيلعن اليهود اليهود، والنَّصارى النصارى، والمجوس المجوس، والمراد بالأخت أخوة الدِّين والملَّة لا أخوة النَّسب.
(وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ) بتشديد القاف، وفي بعض النسخ بالسين المهملة والميم المشددة بدل المعجمة والقاف وهو بمعناه (كُلُّهَا) كذا في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت، وفي رواية غيرهما (يُسَمَّى سُمُومًا) بضم السين المهملة (وَاحِدُهَا سَمٌّ) بتثليث فائه، وبضمه قرأ ابن مسعود وقَتادة، وبكسره قرأ أبو عمران الجوني (وَهْيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ) أشار به إلى تفسير «سم» في قوله تعالى {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف 40] ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، قال الرَّاغب السُّمُّ كلُّ ثقبٍ ضيِّقٍ كحزم الإبرة، وثقب الأنف، وجمعه سموم، وقد سمَّه أدخله فيه.
وقال الجوهري السُّمُّ الثُّقب، ومنه سَمُّ الخِياط، ومسام الجسد ثقبه. والمسام المنافذ من عبارات الأطباء، والخِياط ما يُخاطُ به. ويُقال مخيط أيضًا، وبه قرأ ابن مسعود وأبو رزين، ثمَّ إنَّه قد دخل تحت عموم قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [الأعراف 40] الآية منكروا دَلائل الذَّات والصِّفات وهم الدَّهريَّة، ومنكرو دلائل التَّوحيد وهم المشركون، ومنكرو صحَّة النُّبوَّة وغيرهم من الكفرةِ لا تُفتح لهم أبواب السَّماء لأرواحهم ولا لأدعيتهم كما تُفتح لأرواح المؤمنين وأعمالهم، والولوج الدُّخول.
وهذا من باب التَّعليق على المحال؛ لأنَّ الجمل أعظم الحيوانات عند العرب، وثقب الإبرة أضيق الثُّقب.
( {غَوَاشٍ} مَا غُشُّوا) أي غطُّوا (بِهِ) أشار به إلى قوله تعالى {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف 41] وفسَّر لفظ {غَوَاشٍ} بقوله «ما غُشُّوا به» ، وهو جمع غاشية، وهي كلُّ ما يغشاك؛ أي يسترك من اللحف، وقيل من اللِّباس، والمراد بذلك أنَّ النَّار
ج 19 ص 445
من تحتهم شبيهٌ بالمهاد، ومن فوقهِم بالغواشي.
قال أبو عبيدة في قوله {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} واحدتها غاشيةٌ، وهي ما غشَّاهم وغطَّاهم من فوقهم. وروى ابن جرير من طريق السُّدِّي قال المهاد لهم كهيئة الفراش، والغواشي ما يتغشَّاهم من فوقهم. ومن طريق محمَّد بن كعب القرظي قال المهاد الفُرُش، ومن فوقهم غواش، قال اللُّحف.
(((نُشُرًا ) )مُتَفَرِّقَةً) أشار به إلى قوله تعالى (( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشرًا ) ) [الأعراف 57] وفسَّر (( نشرًا ) )بقوله «متفرِّقة» ، وفي التَّفسير النَّشر، جمع نشور، وهي الرِّيح الطَّيِّبة الهبوب تهبُّ من كلِّ ناحيةٍ وجانبٍ، وقيل النُّشور بمعنى المنشور كالركوب بمعنى المركوب.
وقال ابن الأنباري النَّشر المنتشرة الواسعة الهبوب أرسلها الله منشورةً بعد انطوائها.
( {نَكِدًا} قَلِيلًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف 58] وفسَّر قوله {نَكِدًا} بقوله «قليلًا» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وزاد بعد قوله قليلًا عسرًا في شدَّة. وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي قال النَّكد الشَّيء القليل الَّذي لا ينفعُ.
ثمَّ إنَّ نصبه على الحال، وتقدير الكلام والبلد الَّذي خبثَ لا يخرجُ نباته إلَّا نكدًا، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مَقامه فصارَ مرفوعًا مستترًا. وهذا مثل من يسمعُ الآيات وينتفعُ بها ومن لا يرفع إليها رأسه ولم يتأثَّر بالمواعظ.
( {يَغْنَوْا} يَعِيشُوا) أشار به إلى قوله تعالى {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف 92] وفسَّر {يَغْنَوْا} بقوله «يعيشوا» [1] . وقال أبو عبيدة أي لم ينزلوها ولم يعيشوا فيها، ومنه قولهم مغاني الديار، واحدتها مغنى.
وقال عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قَتادة {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي كأن لم يعيشوا، أو كأن لم يُنَعَّموا، ومادته من غني؛ أي عاش، وغني به عنه غُنْية، وغنيت المرأة بزوجها غُنيانًا، وغني بالمكان أقام، والغَنَاء _ بالفتح _ النَّفع _ وبالكسر _ من السَّماع، والغنى مقصورًا اليسار.
( {حَقِيقٌ} حَقٌّ) أشار به إلى قوله تعالى {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ*حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [الأعراف 104 - 105] وفسَّر قوله {حَقِيقٌ}
ج 19 ص 446
بقوله «حَقّ» ؛ أي واجبٌ عليَّ أو جديرٌ وحريٌّ. وقراءة الجمهور {عَلَى أَنْ لَا أَقْولَ} ... إلى آخره بكلمة {عَلَى} حرف الجرِّ دخلت عَلَى {أَنْ لَا أَقُولَ} ... إلى آخره، وكان أصله حقيق عليَّ بتشديد الياء، كما قرأه نافع فقلب لأمن الإلباس؛ أو لأنَّ ما لزمك فقد لزمته، أو للإغراق في الوصف بالصِّدق.
والمعنى أنَّه واجبٌ على القول الحقِّ أن أكونَ أنا قائله لا يرضى إلَّا بمثلي ناطقًا به.
( {اسْتَرْهَبُوهُمْ} مِنَ الرَّهْبَةِ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف 116] وقال {اسْتَرْهَبُوهُمْ} «من الرَّهبة» ؛ أي الخوف. قال أبو عبيدة هو من الرَّهبة؛ أي خوَّفوهم، والمعنى أنَّ سحرة فرعون سحروا أعين النَّاس؛ أي خيلوا إلى الأبصار أنَّ ما فعلوه حقيقةً في الخارج، واسترهبوا النَّاس بذلك وخوَّفوهم، وخاف موسى عليه السَّلام أيضًا من ذلك، فقال الله عزَّ وجلَّ {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} [طه 68 - 69] .
( {تَلْقَفُ} تَلْقَمُ) أشار به إلى قوله تعالى {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف 117] وفسَّر لفظ {تَلْقَفُ} بلفظ «تلقم» ؛ أي تأكل ما يأفكون؛ أي ما يلقونه، ويوهمون أنَّه حقٌّ وهو باطلٌ.
( {طَائِرُهُمْ} حَظُّهُمْ) أشار به إلى قوله تعالى {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف 131] وفسَّر {طَائِرُهُمْ} بقوله «حظهم» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة قال طائرهم حظُّهم ونصيبهم.
(طُوفَانٌ مِنَ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ) أشار به إلى قوله تعالى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف 133] وفسَّر الطُّوفَانَ أنَّه من السَّيل، وكذا فسَّره أبو عبيدة قال الطَّوفان من السَّيل، ومن الموت البالغ الذَّريع السَّريع، كأنَّه مأخوذٌ من أطاف به إذا عمَّه بالهلاك.
وقد اختلفوا في معناه، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في رواية الطَّوفان كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزُّروع والثِّمار، وبه قال الضَّحَّاك. روى ابن المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أرسل عليهم الطَّوفان المطر حتَّى خافوا الهلاك، فأتوا موسى عليه السَّلام فدعا الله فرفع ثمَّ عادوا. وعنه أيضًا في رواية كثرة الموت، وهو معنى قوله «ويُقال للموت الكثير الطَّوفان» ، وبه قال عطاء.
وعند ابن مردويه بإسنادين ضعيفين عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( الطُّوفان الموت ) ). وقال مجاهدٌ الطُّوفان الماء والطَّاعون على كلِّ حالٍ. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 19 ص 447
في روايةٍ أخرى هو أمرٌ من الله تعالى طاف بهم ثمَّ قرأ {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} [القلم 19] . وقال الأخفش الطُّوفان واحدته طوفانة، وقيل هو مصدر كالرُّجحان والنُّقصان، أو هو اسم مصدر.
(الْقُمَّلَ الْحُمْنَانُ) بضم الحاء، كذا ضبطه الحافظ العسقلاني كالفرع وأصله وسكون الميم، وضبطه البرماوي والدَّماميني بفتح الحاء كالكرماني (يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ) بفتح الحاء المهملة واللام، جمع حلمة. قال أبو عبيدة القُمَّل عند العرب هي الحُمْنان، والحُمْنان ضربٌ من القِردان، واحدتها حَمنانة.
قال الأصمعيُّ فيما ذكره الجوهري القَمْقَام ثمَّ الحُمْنان ثمَّ القراد ثمَّ الحلمة، وهي القُراد العظيم، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما القُمَّل السُّوس الَّذي يخرجُ من الحنطة. وعنه أنَّه الدُّباء وهو الجراد الصِّغار الَّذي لا أجنحة له، وبه قال مجاهدٌ وقَتادة، وعن الحسن وسعيد بن جُبير القُمَّل دوابٌّ سودٌ صغار. وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم القُمَّل البراغيث.
وقال ابن جرير القُمَّل جمع قملة، وهي دابَّةٌ تشبه القمل تأكلُ الإبل [2] ، والحَلَم جمع حَلَمة، والحَلَمة ... [3] من ظهرها، فيخرج منها القمقام، وهو أصغرُ ممَّا رأيته ممَّا يمشي ويتعلَّق بالإبل، فإذا امتلأ سقط على الأرض، وقد عظم ثمَّ يضمر حتَّى يذهب دمه فيكون قرادًا فيعلقُ بالإبل ثانيةً فيكون حمنانةً.
وفي «المحكم» القمل صغار الذَّرِّ والدُّباء، وفي «الجامع» هو شيءٌ أصغر من الذَّرِّ [4] له جناحٌ أحمر. وقال أبو يوسف هو شيءٌ يقع في الزَّرع ليس بجرادٍ، فيأكل السُّنبلة وهي غضَّةٌ قبل أن تخرج فيطول الزَّرع ولا سنبل فيه. وقال أبو حنيفة هو شيءٌ يشبه الحَلَم، وهو لا يأكلُ أكل الجراد ولكن يمتصُّ الحبَّ إذا وقع فيه الدَّقيق وهو رطبٌ، فذهب قوته وهو خبيث الرَّائحة.
قال أبو العالية أرسل الله تعالى الحُمْنان على دوابهم فأكلتها حتَّى لم يقدروا على الميرة، وقرأ الحسن (( القَمْل ) )بفتح القاف وسكون الميم.
(عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ بِنَاءٌ) أشار به إلى قوله تعالى {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف 137] . قال صاحب «التلويح» قول البُخاري «عروش وعريش بناءٌ» وجدناه مرويًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقال الطَّبري حدثنا المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدَّثني معاوية عن علي بن أبي طلحة
ج 19 ص 448
عنه {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} ؛ أي يبنون.
وقال أبو عبيدة {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} أي يبنون، فقول صاحب «التلويح» قول البُخاري ... إلى آخره، لا وجه له على ما قاله العيني؛ لأنَّ قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسير قوله {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} أي يبنون فلا يطابق تفسير عروش وعريش.
قال العيني وأمَّا تفسير البُخاري العروش والعريش بالبناء فليس كذلك؛ لأنَّ العروش جمع عرش، وهو سريرُ الملك، وسقف البيت، وهو أيضًا مصدر.
قال الجوهري عَرَش يَعْرِش ويَعْرُش عَرْشًا؛ أي بنى بناء من خشب. والعريش ما يستظلُّ به قاله الجوهري أيضًا. وقال أيضًا العريش عريش الكرم، والعريش شبه الهودج، والعريش خيمةٌ من خشبٍ والجمع عُرُش مثل قليب وقلب.
ومنه قيل لبيوت مكَّة العرش؛ لأنَّها عيدان تُنصبُ وتظلَّل عليها، فهذا الَّذي ذكره مخالفٌ لقاعدته في تفسير بعض الألفاظ في بعض السُّور، وفي بعض المواضع، وكان ينبغي أن يقول يعرشون يبنون إشارةً إلى ما وقع في الآية من قوله {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} .
( {سُقِطَ} كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف 149] وفسَّر قوله {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} بقوله «كلُّ من ندم فقد سُقِط في يده» .
وقال أبو عبيدة يُقال لكلِّ من ندم وعجز عن شيءٍ سُقِط في يد فلانٍ، وذلك لأنَّ النَّادم المتحسِّر يعضُّ يده غمًّا فتصير يدُهُ مسقوطًا فيها.
وقال الجوهري وسقط في يده؛ أي ندم، قال الله تعالى {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} .
وجوَّز الأخفش أُسقط في يده بالألف، وقال أبو عَمرو لا يُقال أُسقط بالألف على ما لم يسم فاعله، وهذه في قصَّة قوم موسى عليه السَّلام الَّذين اتَّخذوا من حليهم عجلًا، وأخبرَ الله تعالى عنهم يعني أنَّهم ندموا على ما فعلوا {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} [الأعراف 149] الآية.
(الأسْبَاطُ قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أشار به إلى قوله تعالى
ج 19 ص 449
{وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف 160] وفسَّر الأسباط بأنَّهم قبائل بني إسرائيل، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وزاد واحدهم سبط تقول من أيِّ سبطٍ أنت؟ أي من أيِّ قبيلةٍ وجنس، انتهى.
ويُقال الأسباط في ولد يعقوب كالقبائلِ في ولد إسماعيل، واشتقاقه من السَّبْط وهو التَّتابع. وقيل من السَّبَط _ بالتحريك _ وهو الشَّجر الملتفُّ، وقيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لانتشار ذريَّتهما، ثمَّ قيل لكلِّ ابن بنتٍ سبط.
( {يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} يَتَعَدَّوْنَ لَهُ) وسقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ، وفي نسخة بالموحدة بدل اللام (يُجَاوِزُونَ) وفي نسخة ، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الفوقية وضم الواو بموحدة وسكون العين ( {تَعْدُ} [الكهف 28] تُجَاوِزَ) على صيغة الماضي فيهما، وفي نسخة ، وقد أشار به إلى قوله تعالى {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف 163] وفسَّر قوله {يَعْدُونَ} بقوله «يتعدون [ثم] يجاوزون» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة.
قال الزَّمخشري {إِذْ يَعْدُونَ} أي يتجاوزون حدود الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السَّبت، وقد نهوا عنه، وقرئ (( يَعَدُّون ) )بمعنى يعتدون و {إِذْ يُعِدُّونَ} من الإعداد، وكانوا يعدُّون آلات الصَّيد يوم السَّبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة.
ونبَّه بقوله «تعدى تجاوز» على أنَّ معنى هذه الكلمة التَّجاوز، فإذا تجاوز أحدٌ أمرًا من الأمور المحدودة، يقال له تعدَّى.
( {شُرَّعًا} شَوَارِعَ) أشار به إلى قوله تعالى {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} [الأعراف 163] وذكر أنَّ شُرَّعًا جمع شارع، وهو الظَّاهر على وجه الماء، من شرع إذا دنا وأشرف، وقال أبو عبيدة {شُرَّعًا} أي شوارع. وروى الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي عنهما {شُرَّعًا} أي ظاهرةً على الماء. وقال العوفي عنه {شُرَّعًا} من كلِّ مكانٍ.
وروى عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن رجلٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما {شُرَّعًا} أي بيضًا سمانًا فتبطح بأفنيتهم ظهورها لبطونها.
( {بَئِيسٍ} شَدِيدٍ) أشار به
ج 19 ص 450
إلى قوله تعالى {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف 165] وفسَّره بقوله «شديد» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وبَئِيس _ بفتح أوله وكسر الهمزة بعدها ياء _ فعيلٌ من بؤس يبؤس بأسًا، وفيها قراءاتٌ في المشهور والشَّاذِّ لا نطيل بها، وعن مجاهدٍ معناه أليم، وعن قَتَادة موجع.
( {أخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} قَعَدَ) وفي نسخة من الإقعاد (وَتَقَاعَسَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف 176] وفسَّر قوله {أَخْلَدَ} بقوله «قعد وتقاعس» ؛ أي لزم القعود إلى الأرض وتقاعس؛ أي تأخَّر وأبطأ، وهو كنايةٌ عن شدَّة ميله إلى الدُّنيا، وقد فسَّر أبو عبيدة قوله {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} بقوله لزمها، وأصل الإخلاد. اللُّزوم.
وروى عبد الرَّزَّاق عن معمر عن قتادة {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} مال إلى الدُّنيا. والمعنى مال إلى زينة الحياة الدُّنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره، والضمير في قوله (( ولكنَّه? ) )، يرجع إلى بلعام بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، وكان مجابَ الدَّعوة، ولكنَّه اتَّبع هواه فانسلخَ من الإيمان واتَّبعه الشَّيطان. وقصَّته مشهورةٌ وقيل المراد به أميَّة بن أبي الصَّلت أدرك زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتَّبعه، وصار إلى موالاة المشركين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنَّه آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، وله أشعار ربَّانية وحكمٌ وفصاحةٌ، ولكن لم يشرح الله صدره للإسلام.
( {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر 2] ) أشار به إلى قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف 182] وفسَّر قوله {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} بقوله «نأتيهم من مأمنهم» ؛ أي من موضع أمنهم. وقال أبو عبيدة الاستدراج أن يأتيهِ من حيث لا يعلم، ومن حيث يتلطَّف له حتَّى يُغيِّره، انتهى.
وأصل الاستدراج التَّقريب منزلةً منزلةً من الدَّرج؛ لأنَّ الصَّاعد يترقَّى درجةً درجةً.
والمعنى أنَّ الله تعالى يأخذهم
ج 19 ص 451
قليلًا قليلًا إلى أن تدركهم العقوبة بغتةً، وذلك أنَّهم كلَّما جددوا خطيئة جددت لهم نعمةٌ، فظنُّوا ذلك تقريبًا من الله تعالى وأنساهم الاستغفار، ووجه التَّشبيه فيه هو أخذ الله إيَّاهم بغتةً، كما قال في آيةٍ أخرى {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام 44] .
( {مِنْ جِنَّةٍ} مِنْ جُنُونٍ) أشار به إلى قوله تعالى {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} [الأعراف 184] وفسَّر قوله {مِنْ جِنَّةٍ} بقوله «من جنون» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة قال أي جنون، وكانوا يقولون محمَّد شاعرٌ أو مجنون، وقيل المراد بالجنَّة الجن، كقوله تعالى {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس 6] وعلى هذا فيقدر محذوف؛ أي مسُّ جِنَّة، والمراد بالصَّاحب هو محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاستفهام بمعنى التَّقريع أو التَّحريض؛ أي أولم ينظروا بعقولهم؛ لأنَّ الفكرَ طلب المعنى بالقلب، وذلك أنَّه كما يتقدَّم رؤية البصر تقليب الحدقة نحو المرئي تتقدَّم رؤية البصيرة تقليب حدقة العقل إلى الجوانب؛ أي أنَّه كيف يتصوَّر منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجنون، وهو يدعوهُم إلى الله تعالى، ويقيمُ على ذلك الدَّلائل القاطعة بألفاظٍ بلغت في الفصاحة إلى حقيقةٍ يعجزُ عنها الأوَّلون والآخرون.
( {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} مَتَى خُرُوجَهَا) أشار به إلى قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف 187] وفسَّره بقوله «متى خروجها» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة، وروى الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {مُرْسَاهَا} أي منتهاها، ومن طريق قَتادة قال قيامها.
وقد سقط في رواية غير أبي ذرٍّ وأبي الوقت < {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} ... > إلى آخره، وقد سقط هذه التَّفاسير كلُّها في بعض الأصول.
( {فَمَرَّتْ بِهِ} [أية 189] اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأتَمَّتْهُ) تقدَّم هذا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3326 قبل] ، ولم يقع هنا في رواية أبي ذرٍّ، وأشار به إلى قوله تعالى {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} [الأعراف 189] وفسَّر قوله {فَمَرَّتْ بِهِ} بقوله «فاستمرَّ بها الحمل فأتمته» ، والضمير في قوله {فمرَّت} إلى حوَّاء؛ لأنَّ ما قبله قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف 189] الآية، وأراد بالنَّفس الواحدة آدم عليه السَّلام، وأراد بزوجها حوَّاء عليها السَّلام.
وفي التَّفسير اختلفوا في معنى قوله {فَمَرَّتْ} فقال مجاهدٌ استمرَّت بحمله، وكذا روي عن الحسن والنَّخعي والسُّدِّي. وقال ميمون بن مهران عن أبيه استخفَّته. وقال قَتادة
ج 19 ص 452
استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما استمرَّت به فشكت أحبلت أم لا.
( {يَنْزَغَنَّكَ} يَسْتَخِفَّنَّكَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} [الأعراف 200] وفسَّر {يَنْزَغَنَّكَ} بقوله «يستخفنَّك» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة وزاد ومنه قولهم نزغ الشَّيطان بينهم؛ أي أفسد، وقال ابن جرير في معنى هذا وأمَّا يُغضبنَّك من الشَّيطان غضبٌ يصدُّك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك على مجازاته فاستعذ بالله؛ أي فاستجر بالله، وقيل أي وأمَّا ينخسنَّك من الشَّيطان نخسٌ أي وسوسةٌ تحملك على خلاف ما أمرت به فاستعذ بالله عن نزغه.
(طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ، وَيُقَالُ {طَائِفٌ} وَهْوَ وَاحِدٌ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} [الأعراف 201] وفسَّر قوله طيفٌ بقوله «ملمٌّ به لَمَم» . وقال أبو عبيدة أي لمم، انتهى.
واللَّمم يُطلق على ضربٍ من الجنون، وعلى صغار الذُّنوب، وفي التَّفسير منهم من فسَّر ذلك بالغضب، ومنهم من فسَّره بمسِّ الشَّيطان بالصَّرع ونحوه، ومنهم من فسَّره بالهمِّ بالذَّنب، ومنهم من فسَّره بإصابة الذَّنب، وقوله ويُقال {طَائِفٌ} ... إلى آخره أشار به إلى أنَّ طيفًا وطائفًا واحد في المعنى، وهما قراءتان مشهورتان، واختار ابن جرير الثَّانية، واحتجَّ بأنَّ أهل التَّأويل فسَّروه بمعنى الغضب أو الزَّلَّة، وأمَّا الطَّيف فهو الخيالُ.
ثمَّ حكى عن بعض أهل العربيَّة أنَّ الطَّيف والطَّائف بمعنى واحد، ثمَّ أسند عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال الطَّائف اللَّمة من الشَّيطان.
( {يَمُدُّونَهُمْ} يُزَيِّنُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف 202] وفسَّر {يَمُدُّونَهُمْ} بقوله «يُزيِّنون» ، وقال أبو عبيدة أي يزينون لهم الغيَّ والكفر.
( {وَخِيفَةً} خَوْفًا، وَخُفْيَةً مِنَ الإِخْفَاءِ) أشار به إلى قوله تعالى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف 205] وفسَّر قوله {خِيفَةً} بقوله خَوفًا، وكذا فسَّرها أبو عبيدة. وقال ابن جريج في قوله تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي سرًّا، أخرجه ابنُ المنذر،
ج 19 ص 453
وإليه أشار بقوله «وخُفْيةً من الإخفاء» ، وأراد به أنَّ الخفية مأخوذةٌ من الإخفاء لكن فيه تأمُّلٌ؛ لأنَّ القاعدة أنَّ المزيد فيه يكون مأخوذٌ من الثلاثي دون العكس، لكنَّه نظر إلى أنَّ الاشتقاق هو أن ينتظم الصِّيغتان معنى واحدًا.
(وَالآصَالُ وَاحِدُهَا أصِيلٌ، مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، كَقَوْلِكَ) وفي نسخة (بُكْرَةً وَأصِيلًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الأعراف 205] وذكر أنَّ واحد الآصال أصيل. .. إلى آخره، وهو قول أبي عبيدة أيضًا بلفظه، وذكر ابن فارس الأصيل بعد العشاء، وجمعه أُصُل _ بضمتين _ فيكون الآصال جمع الجمع، وقال ابن التِّين ضُبط في نسخة ، وقال عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن قَتادة الآصالُ العشي.
[1] في هامش الأصل أو كأن لم يتنعموا. نسخة.
[2] كذا في العمدة، وفي تفسير الطبري (تأكلها الإبل) .
[3] بياض في الأصل في العمدة (تتقفي) .
[4] كذا في الأصل وفي (الظفر) في العمدة والتوضيح.