4636 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) ذكر أبو مسعود الدِّمشقي وأبو نعيم الحافظان أنَّه ابن منصور الكوسج أبو يعقوب المروزي، وفي نسخة من كتاب خلف الواسطي رواه يعني البُخاري عن إسحاق بن نصر.
قال الحافظُ العسقلاني وقول خلف أقوى. وقال العيني إسحاق هذا هو ابنُ إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السَّعدي البُخاري، كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد.
(أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام الصَّنعاني اليماني، قال (أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بتشديد الميم، هو ابنُ منبه الصَّنعاني الأبناوي (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ) أي من مغربها (وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا. ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ) وهذا طريقٌ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه.
واختلف في أوَّل الآيات ففي «صحيح مسلم» عن ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا (( إنَّ أوَّل الآيات طلوع الشَّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة،
ج 19 ص 436
وأيَّتها كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبًا منها )) .
واستشكل ذلك بأنَّ طلوع الشَّمس ليس بأوَّل الآيات؛ لأنَّ الدَّجَّال والدُّخَّان قبله.
وأجيب بأنَّ الآيات إمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على قرب قيام السَّاعة، وإمَّا أماراتٌ دالَّةٌ على وجود قيام السَّاعة وحصولها، ومن الأوَّل الدُّخَّان وخروج الدَّجَّال ونحوهما، ومن الثَّاني طلوع الشَّمس من مغربها، وسُمِّي أوَّلًا؛ لأنَّه مبدأ القسم الثَّاني.
وقد روى نعيم بن حمَّاد من حديث إسحاق بن أبي فروة عن يزيد بن أبي غياث [1] سمع أبا هريرة مرفوعًا (( خمسٌ لا يُدْرى [2] أيتهنَّ أوَّل الآيات، وأيتهنَّ جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشَّمس من مغربها، والدَّجَّال، ويأجوج ومأجوج، والدُّخَّان، والدَّابَّة ) )وقيل خروج الدجال، ويرجِّحه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ الدَّجَّال خارجٌ فيكم لا محالة ) )فلو كانت الشَّمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أيَّام عيسى عليه السَّلام، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من أسلم منهم، فإذا قُبض عيسى عليه السَّلام ومن معه من المؤمنين يبقى النَّاس حيارى سكارى فيرجع أكثرهم إلى الكفر والضَّلالة، ويستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام، فعند ذلك تطلعُ الشَّمس من مغربها، وعند ذلك يرفع الكتاب العزيز، ثمَّ يأتي الجيش إلى الكعبة المشرفة فيهدمونها، ثمَّ تخرج الدَّابَّة ثمَّ الدُّخَّان ثمَّ الريح ثمَّ الرياح تلقي الكفار في البحر ثمَّ النَّار التي تسوق الناس إلى المحشر ثمَّ الهدَّة وهي صوتٌ يقع من السَّماء، وقيل الخسف.
وروى ابن خالويه في «أماليه» من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حميد الحميري عن ابن عمرو رضي الله عنهما مرفوعًا (( يبقى النَّاس بعد طلوع الشَّمس من مغربها عشرين ومائة سنة ) ). ورواه نعيم بن حمَّاد في كتابه عن وكيع عن إسماعيل موقوفًا، وذكر نحوه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 19 ص 437
مرفوعًا فيما ذكره ابن النَّقيب، وروى نعيم بن حمَّاد من حديث حمَّاد بن سلمة عن عليِّ بن زيدٍ عن العريان بن الهيثم سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال لا تقوم السَّاعة حتَّى تعبد العرب ما كان يعبد آباؤها عشرين ومائة عام بعد نزول عيسى عليه السَّلام وبعد الدَّجَّال.
ومن حديث ابن لهيعة بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ الشَّمس والقمر يجتمعان في السَّماء في منزلة واحدة بالعشي، فيكون النَّهار سرمدًا عشرين سنة.
وعن وهب طلوع الشَّمس الآية العاشرة، وهي آخر الآيات ثمَّ {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج 2] . وعن ابن لهيعة بإسناده إلى عبد الله رضي الله عنه مرفوعًا (( لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلَّا قليلًا حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها فيقول من لا خلاق له ما نبالي إذا ردَّ الله علينا ضوءها من حيثما طلعت من مشرقها أو مغربها ) )الحديث، وفي آخره (( ويخرُّ إبليس ساجدًا ويقول لأعوانه هذه الشَّمس قد طلعت من مغربها، وقرب الوقت المعلوم ولا عمل بعد اليوم، ويصير الشَّياطين ظاهرين في الأرض حتَّى يقول الرَّجل هذا قريني الَّذي كان يغويني، الحمد لله الَّذي أخزاه وأراحني منه، فلا يزال إبليس عليه اللَّعنة ساجدًا باكيًا حتَّى تخرج دابَّة الأرض فتقتله ) ).
فإن قيل ما الحكمة في عدم نفع الإيمان عند طلوع الشَّمس من مغربها؟
فالجواب أنَّه لوقوع الفزع في قلوبهم ممَّا يخمد به كلَّ شهوةٍ من شهوات النَّفس، وفتور كلِّ قوَّةٍ من قوى البدن، فيصيرون في حالةٍ من حضره الموت لانقطاع الدَّواعي إلى أنواع المعاصي، فمن تاب في مثل هذه الحالة كمن تاب عند الغرغرة، ففي ذلك الوقت كأنَّهم شاهدوا مقاعدهم من النَّار أو الجنَّة فلم ينفعهم إيمانهم؛ لأنَّا نحن مكلَّفون بالإيمان بالغيب فلا ينفع الإيمان عند الشَّهادة.
فإن قيل ما الحكمة في طلوعها من المغرب؟
فالجواب إبطال قول
ج 19 ص 438
الملاحدة والمنجِّمين لما قال إبراهيم عليه السَّلام لنمروذ {إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة 258] ، حيث أنكروا ذلك وادَّعوا أنَّه لا يقع ولا يتصوَّر.
ومطابقة حديث الباب للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ مسلمٌ في الإيمان.
[1] كذا في العمدة، وفي كتاب الفتن لنعيم بن حماد (عتّاب) .
[2] في كتاب الفتن (خمسًا لا أدري) .