فهرس الكتاب

الصفحة 4160 من 11127

2661 - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ) ضدُّ الخريف (سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) الزَّهراني العَتكي _ بفتح المهملة والمثناة الفوقية _ بصري نزل بغداد. واتَّفق الشَّيخان على الرِّواية عنه، ومن جملة ما اتَّفقا عليه إخراج هذا الحديث عنه.

وفي طبقته اثنان كلٌّ منهما أيضًا أبو الرَّبيع سليمان بن داود أحدهما الخُتَّلي _ بضم المعجمة وتشديد المثناة الفوقية المفتوحة _ بغدادي، انفرد مسلم بالرِّواية عنه، والرِّشْديني _ بكسر الراء وسكون المعجمة _ بصري لم يخرِّجا له. وروى عنه أبو داود والنَّسائي، مات في آخر سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقد مرَّ في الإيمان [خ¦33] .

(وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ) هذه جملة من الفعل والمفعول والفاعل، وأحمدُ مرفوع على الفاعليَّة، وبعضه منصوب على أنَّه مفعول ثان، وإنَّما أتى بهذه العبارة ولم يقل حدَّثني، أو أخبرني، أو نحو ذلك؛ إشعارًا بأنَّه أفهمه بعض معاني الحديث ومقاصده لا لفظه.

(قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ) بضم الفاء وفتح اللام وبالمهملة في آخره على صيغة التصغير (ابْنُ سُلَيْمَانَ) بن المغيرة، وكان اسمه عبد الملك، وفُليح لقبه، فغلب على اسمه، واشتهر به، يُكنى أبا يحيى الخزاعي، ويقال الأسلمي. قال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون أحمد رفيقًا لأبي الرَّبيع في الرِّواية عن فليح، وأن يكون البخاري حمله عنهما جميعًا على الكيفيَّة المذكورة.

ويحتمل أن يكون أحمد رفيقًا للبخاري في الرِّواية عن أبي الرَّبيع، وهو الأقربُ، إذ لو كان المراد الأوَّل؛ لكان يقول قالا حدَّثنا فليح بالتَّثنية، ولم أر ذلك في شيءٍ من الأصول.

ويؤيِّد الأوَّل صنيعَ البرقاني، فإنَّه أخرج الحديث في المصافحة، ومقتضاهُ أنَّ القدر المذكور عند البخاري عن أحمد، عن أبي الرَّبيع، عن فليح، لكن وقع في «أطراف خلف» حدَّثنا أبو الربيع، وأفهمني بعضه أحمدُ بن يونس، وكذا قال الكرماني. وفي بعض النُّسخ (( أحمد بن يونس ) )، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المشهور بشيخِ الإسلام أحد شيوخ البخاري، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦197] .

قال الحافظ العسقلاني

ج 12 ص 229

فإن كان محفوظًا، فلعلَّ لفظه قالا سقطت من الأصل، كما جرت العادة بإسقاطها كثيرًا في الأسانيد، فأثبت بعضُهم بدلها قال بالإفراد، وبما قالَ خلف جزم الدِّمياطي، ووهَّمه المزي، ولم يبيِّن سببه. وجزم ابن خَلْفون أنَّ أحمد هذا هو أحمد بن حنبل بناء على القول الثَّاني، وجوَّز غيره أن يكون أحمد بن النَّضر النِّيسابوري، وبه جزم الذَّهبي في «طبقات القراء» ، وقد حدَّث به عن أبي الرَّبيع الزَّهراني ممَّن يسمَّى أحمد أيضًا أبو بكر أحمد بن عَمرو بن أبي عاصم، وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى وغيرهما.

وقد ذكرت في «المقدمة» طائفة ممَّن روى هذا الحديث عن فليح ممَّن يسمَّى أحمد، وكذلك من رواه عن أبي الرَّبيع ممَّن يسمَّى أحمد أيضًا. انتهى.

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح المشددة وكسرها (وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) العتواري (وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن، وتكبير الأب (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، أبي عبد الله الهذلي، أحد الفقهاء السَّبعة.

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) قال السُّهيلي في قوله عزَّ وجلَّ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} [النور 11] هم عبد الله بن أبيٍّ، وحَمنة بنت جحش، وعبد الله وأبو أحمد أخواها، ومسطح وحسَّان. وقيل حسَّان لم يكن منهم.

وقال النَّسفي في هذه الآية أهل الإفك هم عبد الله بن أبيٍّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة وحسَّان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحَمنة بنت جحش، ومن ساعدهم.

وفي «صحيح مسلم» وكان الذين تكلَّموا مسطح وحمنة وحسَّان. وأمَّا المنافق عبد الله بن أبيٍّ فهو الذي كان يستوشيه؛ أي يستخرجه بالبحثِ والمسألة، ثمَّ يفشيه ويشيِّعه ويحركه، ولا يدعه يخمد.

وقال النَّسفي في قوله تعالى {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور 11]

ج 12 ص 230

هو عبدُ الله بن أبيٍّ؛ أي الذي تولى عظمه وبدأ به، ومعظم الشَّر كان منه لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلًا إلى الغَميزة. ثمَّ قال النَّسفي وقيل الذي تولَّى كبره هو حسَّان بن ثابت رضي الله عنه.

وعن عامر الشَّعبي أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت ما سمعت بشيءٍ أحسن من شعر حسَّان، وما تمثَّلت به إلَّا رجوت له الجنَّة، وهو قوله لأبي سفيان

~هَجَوْتَ مَحمَّدًا فَأَجبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ

وهو من قصيدة قالها لأبي سفيان، فقيل لعائشة رضي الله عنها يا أمَّ المؤمنين أليس الله يقول {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور 11] فقال وأيُّ عذاب أشدُّ من العمى، فذهبَ بصره، وكيع بسيف، وهو يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمَّا الإفك فقال النَّسفي الإفك أبلغُ ما يكون من الافتراء والكذب. وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يَفجأك، وأصله الأَفك _ بالفتح _ مصدر قولك أفكه يأفكه إفكًا قلبه وصرفه عن الشيء، ومنه قوله تعالى {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا} [الأحقاف 22] . وقيل الكذب إفك؛ لأنَّه مصروف عن الصِّدق.

(مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً) أي بعضًا (مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ) أي أحفظُ وأحسنُ إيرادًا وسردًا للحديث (وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا) يقال قصصتُ الشَّيء إذا تتبعتُ أثره شيئًا بعد شيءٍ، ومنه قوله تعالى {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف 3] {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص 11] ؛ أي اتبعي أثره. ومنه القاص الذي يأتي بالقصَّة، ويجوز بالسين قسست أثره قسًّا.

هذا والظَّاهر أنَّ قوله له يتعلَّق باقتصاصًا المقدر المفسَّر بالمذكور، فافهم.

(وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين؛ أي حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا) القياس أن يقال بعضهم يصدِّق بعضًا. ولا شكَّ

ج 12 ص 231

أنَّ المراد ذلك، لكن قد يستعمل أحدهما مكان الآخر؛ لما بينهما من الملازمة بحسب العرف.

قال الكرماني فإن قلت قال أولًا وكلُّهم حدَّثني طائفة، وثانيًا وعيت عن كلِّ واحدٍ منهم الحديث، وهما متنافيان.

قلت المراد بالحديث البعض الذي حدَّثه منه، إذ الحديث يطلق على الكلِّ، وعلى البعض، وهذا الذي فعله الزُّهري من جمع الحديث عنهم جائزٌ سائغٌ لا كراهة فيه؛ لأنَّ الكلَّ أئمَّة حفَّاظ ثقات على شرط البخاري من أجلَّة التَّابعين، فإذا ترددت اللَّفظة من الحديث بين كونها عن ذاك أو عن هذا، وهما ثقتان لم يضر، وجاز الاحتجاج به.

وقد اتَّفق العلماء على أنَّه لو قيل حدَّثني زيدٌ أو عَمروٌ، وهما ثقتان مَعروفان عند الحفَّاظ جاز الاحتجاج بذلك الحديث.

(زَعَمُوا) أي قالوا والزَّعم قد يراد به القول المحقَّق الصَّريح، وقد يراد به غير ذلك، وإنَّما قال زعموا؛ لأنَّ بعضَهم صرَّحوا بالبعض، وبعضُهم صدَّق الباقي، ولم يقل به صريحًا.

(أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) أي ساهم بينهن تطييبًا لقلوبهن، وكيفية القرعة بالخواتيم يؤخذ خاتم هذا، وخاتم ذاك، ويدفعان إلى رجل فيخرج منهما واحدًا. وعن الشَّافعي يجعل رقاع صغار يكتب في كلٍّ اسم ذي السهم، ثمَّ تجعل بنادق طين، ويغطَّى عليها ثوب، ثمَّ يدخل رجل يده، فيخرج بندقة وينظر من صاحبها فيدفعها إليه. وقال أبو عبيد بن سلام عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء صلوات الله عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ويونس، وزكريَّا عليهما السَّلام، فلا معنى لمن ردَّها وأبطلها.

(فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ) كذا هو أخرج بالألف في رواية النَّسفي، ولأبي ذرٍّ عن غير الكشميهني، وفي رواية الكشميهني والباقين بلا ألف. قال الحافظ العسقلاني وهو الصَّواب.

(فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق، وكانت سنة ستٍّ، كذا جزم به ابن التِّين. وقال غيره في شعبان

ج 12 ص 232

سنة خمس، وتعرف أيضًا بغزوة المريسيع. وقال موسى بن عقبة سنة أربع، فهذه ثلاثة أقوال.

(فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ) أي آية الحجاب (فَأَنَا أُحْمَلُ) على البناء للمفعول (فِي هَوْدَجٍ) بفتح الهاء وسكون الواو وبفتح الدال المهملة وبالجيم، هو مركب من مراكب العرب أعدَّ للنِّساء.

(وَأُنْزَلُ فِيهِ) على البناء للمفعول أيضًا، من الإنزال (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ) أي رجع (وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً) من الإيذان، ومن التَّأذين، قاله الكرماني. ويقال آذن بالمد والتخفيف، مثل قوله {فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء 109] ، وروي بالقصر والتشديد.

(بِالرَّحِيلِ) بالجرِّ على الأصل، ويروى بالنصب حكاية عن قولهم الرَّحيل منصوبًا على الإغراء (فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) أي ما يتعلَّق بقضاء الحاجة، وهو ممَّا يكنى عنه استقباحًا لذكره.

(أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) الرَّحل المنزل والمسكن، يقال انتهينا إلى رحالنا؛ أي إلى منازلنا (فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي) كلمة إذا للمفاجأة، والعِقْد _ بكسر العين وسكون القاف _ القلادة (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) الجَزْع _ بفتح الجيم وسكون الزاي _ خرز يمان فيه سوادٌ وبياض.

وزعم أبو العبَّاس أحمد بن يوسف التِّيفاشي في كتاب «الأحجار» أنَّه يوجد في اليمن في معادن العقيق. ومنه ما يؤتى به من الصِّين، وهو أصناف، فمنه البقراني والفارسي والحبشي والعسلي، وليس من الحجارة أصلبُ من الجزع جسمًا لا يكاد يجيب من يعالجه سريعًا، وإنَّما يحسنُ إذا طبخ بالزَّيت. وزعمت الفلاسفة أنَّه يشتقُّ من الجزع؛ لأنَّه يولد في القلب جزعًا، ومن تقلَّد به كثرت همومه، ورأى أحلامًا رديَّة، وكثر الكلام بينه وبين النَّاس، وإن علق على طفل كثر لُعابه وسال، والعهدة عليهم. وأظفار بالألف في رواية الأكثرين. وفي رواية الكُشميهني بلا ألف، وكذا وقع في «صحيح مسلم» بلا ألف.

وقال القرطبي

ج 12 ص 233

من قيَّده بألف أخطأ، وصحيح الرِّواية بفتح الظاء. وقال ابن السِّكِّيت ظفار قرية باليمن. وعن ابن سعد جبل. وفي «الصحاح» مبنيٌّ على الكسر، كقطام. وقال البكري قال بعضهم سبيلها سبيلُ المؤنَّث لا ينصرف. وقال ابن قرقول وترفع وتنصب. وقال الكرماني ظَفَار _ بفتح المعجمة وخفة الفاء وبالراء _ مدينة باليمن، ويقال جزع ظفاري، وفي بعضها أظفار بزيادة همزة في أولها نحو الأظفار جمع الظُّفر، ولعلَّه سمِّي به؛ لأنَّ الظُّفر نوع من العطر، أو لأنَّه ما اطمأنَّ من الأرض، أو لأنَّ الأظفار اسم لعود يمكن أن يجعل كالحرز، فيتحلَّى به.

وقال ابن التِّين في بعض الرِّوايات العقد الملتمس مقدار ثمنه اثنا عشر درهمًا.

(قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ بِي) بفتح الياء وسكون الراء وفتح الحاء المخففة، من رحلت البعير؛ أي شددت عليه الرَّحل، وفي بعض النُّسخ باللام، وفي بعضها .

(فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ) أي حينئذٍ (خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ) ويروى ، وهي رواية «صحيح مسلم» . يقال هبله اللَّحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه.

(وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) أي لم يركب عليهن اللَّحم، تعني لم يكنَّ سمينات (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ) العُلْقة _ بضم العين وسكون اللام وبالقاف _ القليل، ويقال له أيضًا البلغة من القوت كأنَّه الذي يمسك الرمق، ويعلق النَّفس للازدياد؛ أي يشوقها إليه.

وقال صاحب «العين» العلقة ما فيه بلغة من الطَّعام إلى وقت الغداة، وأصل العلقة شجر يبقى في الشِّتاء تعلقُ به الإبل؛ أي تجتزئ به حتَّى تدرك الرَّبيع. وقيل ما يمسك به المرء نفسه من الأكل، وقيل هو ما يأكله من الغداء.

(فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ

ج 12 ص 234

فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ) أي أثاروها (وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ) أي ذهبوا ومضوا، قاله الدَّاودي. ومنه قوله تعالى {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [1] [القمر 2] ؛ أي ذاهب، أو معناه دائم أو قوي شديد.

(فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ) وفي رواية مسلم (( وليس بها داع ولا مجيب ) ) (فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي) أي قصدت من أمَّ، ومنه {آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة 2] . قال ابن التِّين فعلى هذا يقرأ أممت، بالتخفيف، وإن شدَّدت في بعض الأمَّهات، وذكره في المغازي بلفظ (( فتيمَّمت منزلي ) )والمعنى واحدٌ.

(الَّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) بحذف أحدِ النونين للتخفيف (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا) أصله بين فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا، وهو مضافٌ إلى الجملة التي بعده، أعني قولها (أَنَا جَالِسَةٌ) .

وقوله (غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ) جوابه (فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ) صفوان إمَّا من الصَّفا، أو من صفن، ففي الأوَّل النون زائدة. والمُعَطَّل _ بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الطاء المهملة المفتوحة _ ابن وبيصة بن المؤمل بن خزاعة بن محارب بن مرَّة بن هلال بن فالح بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم، وقيل رحيصة، بدل وبيصة.

(السُّلَمِيُّ) بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى سليم أحد أجداده الأبعدين (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) بفتح الذال المعجمة، نسبة إلى ذكوان أحد أجداده أيضًا، وكان رجلًا خيرًا فاضلًا عفيفًا (مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ) وكان صفوان على السَّاقة يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليردَّه إليهم، وقيل إنَّه كان ثقيل النَّوم لا يستيقظ حتَّى يرتحل النَّاس.

وقد جاء في «سنن أبي داود» شكت امرأته إلى ذلك منه لسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( إنَّا أهل بيت نوم عرف لنا ذلك، لا نكاد نستيقظ حتَّى تطلع الشَّمس ) ).

وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي أنَّه كان حصورًا لم يكشف كنف أنثى قط. وفي «سير الواقدي» لقد سئل عن صفوان فوجدوه لا يأتي النِّساء، وأوَّل مشاهده المريسيع. وذكر الواقدي أيضًا أنَّه شهد

ج 12 ص 235

الخندق وما بعدها، وكان شجاعًا خيرًا شاعرًا.

وعن ابن إسحاق قتل في غزوة أرمينية شهيدًا سنة تسع عشرة. وقيل توفِّي في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة ثمان وخمسين، واندقَّت رجله يوم قتل، فطاعن بها وهي منكسرة حتَّى مات. ولمَّا ضرب حسَّان بن ثابت بسيفه لمَّا هجاه، ولم يقتصه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم استوهب من حسَّان جنايته، فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعوضه منها حائطًا من نخيل.

وزعم ابنُ إسحاق وأبو نعيم أنه بَيْرحاء وسيرين أخت مارية. قيل فيه نظر؛ لأن بَيْرحاء إنَّما وصل لحسَّان من جهة أبي طلحة. وفي «الاكتفاء» لأبي الربيع سليمان بن سالم، روي من وجوه أنَّ إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسَّان سيرين إنَّما كان لذبِّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ) أي شخصه (فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ) أي قبل نزول آية الحجاب، وهي نزلت في زينب رضي الله عنها (فَاسْتَيْقَظْتُ) أي انتبهت من نومي (بِاسْتِرْجَاعِهِ) أي بقوله إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) كذا في رواية الأكثرين بكلمة حين بمعنى الوقت، وفي رواية الكشميهني والنَّسفي . وفي رواية لمسلم (( فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمَّرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتَّى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فركبتها ) ).

(فَوَطِئَ يَدَهَا) أي وطئ صفوان يد الرَّاحلة ليسهل الرُّكوب عليها، فلا يكون احتياج إلى مساعدة (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ) جملة حالية (حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حال كونهم (مُعَرِّسِينَ) من التعريس، وهو النزول، قاله ابن بطَّال. والمشهور أنَّ التعريس هو النُّزول في آخر اللَّيل، لكن المراد هنا هو النزول مطلقًا إما على التَّجريد، وإمَّا على قول أبي زيد أنَّ التَّعريس هو النزول أيَّ وقت كان، ومن هذا

ج 12 ص 236

أخذ ابن بطَّال حيث أطلق النزول، فافهم.

وفي رواية مسلم (( بعدما نزلوا موغرين ) )وكذا ذكره البخاري في «المغازي» و «التَّفسير» .

قال القرطبي الرِّواية الصَّحيحة بالغين المعجمة والراء المهملة، من الوغْرة _ بسكون الغين _، وهي شدَّة الحرِّ. ورواه مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بعين مهملة وزاي. ويمكن أن يقال فيه هو من وعزت إليه؛ أي تقدَّمت، يقال وعزت إليه وعزًا مخففًا، ويقال وعَّزت إليه توعيزًا بالتشديد. وصحَّفه بعضُهم فقال موعرين؛ يعني بعين مهملة وراء. قال القرطبي ولا يلتفت إليه. وفي رواية أبي ذرٍّ بغين معجمة مقدَّمة، والتغوير النُّزول للقائلة.

(فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) وهو وقت القائلة وشدَّة الحر، والنَّحر الأوَّل، والصَّدر وأوائل الشهر تسمَّى النُّحور. وقال الدَّاودي الظَّهيرة نصف النَّهار عند أوَّل الفيء. قال وقيل الظهر والظَّهيرة لما بعد نصف النَّهار؛ لأن الظهر آخر الإنسان، وسمِّي آخر النَّهار بذلك، ولا نسلِّم له ذلك؛ لأن أوَّل اشتداد الحرِّ قبل نصف النَّهار.

(فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) أي هلك الذين اشتغلوا بالإفك (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى) أي تقلَّد وتصدَّى (الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء (ابْنُ سَلُولَ) وفي رواية مسلم (( وكان الذي تولَّى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ) ). وابن سلول بالرفع صفة لعبد الله لا لأبي، ولهذا يكتب بالألف، وسَلول _ بفتح السين المهملة وتخفيف اللام الأولى غير منصرف _ علم لأمِّ عبد الله.

(فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ) أي مرضت (بِهَا) أي بالمدينة (شَهْرًا) أي مدَّة شهر (فَيُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) وفي رواية مسلم (( والنَّاس يُفيضون ) )بضم الياء من الإفاضة، وهي التَّكثير والتَّوسعة. يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه يخوضون، ومنه قوله تعالى {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور 14] . وقال ابن عرفة حديث مفاض فيه ومستفاض ومستفيض في النَّاس؛ أي جار فيهم، وفي كلامهم.

(وَيَرِيبُنِي) بفتح الياء وضمها، فالأوَّل من رابني، والثَّاني من أرابني،

ج 12 ص 237

يقال أرابني الأمر يريبني إذا توهَّمته وشككت فيه، فإذا استيقنته، قلت رابني منه كذا يريبني. وعن الفرَّاء هما بمعنى واحد في الشَّك.

وقال صاحب «المنتهى» الاسم الرِّيبة بالكسر، وأرابني ورابني إذا تخوَّفت عاقبته. وقيل رابني إذا علمت به الرِّيبة، وأرابني إذا ظننت به. وقيل رابني إذا رأيت منه ما يريبك وتكرهه. وتقول هذيل أرابني، إذا أتى بريبة، وراب صار ذا ريبة. وقال أبو محمَّد في «الواعي» رابني أفصح.

(فِي وَجَعِي أَنِّي) بفتح الهمزة (لاَ أَرَى مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ) بضم اللام وسكون الطاء. وقال النَّووي ويقال بفتحهما لغتان، وهو البر والرِّفق (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ) وفي رواية مسلم (( إنِّي لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللُّطف الذي أرى منه ) ).

(حِينَ أُمْرَّضُ) على البناء للمفعول من التَّمريض، وهو القيام على المريض في مرضه (إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيْكُمْ) بكسر التاء المثناة الفوقية وسكون التحتية، وهو إشارة إلى المؤنث نحو ذاكم إلى المذكر (لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ) بفتح القاف، ذكره ثعلب، وبالكسر ذكره الجوهري من نقه فهو ناقه، وهو الذي برئ من المرض، وهو قريب عهد به لم يتراجعْ إليه كمال الصحَّة. وقال النَّووي نَقَهَ يَنْقَهُ نُقُوهًا فهو نَاقِهٌ، ككَلَحَ يَكْلَحُ كُلُوحًا فهو كَالِحٌ، ونَقِهَ يَنْقَه، كفَرِحَ يَفْرَح فَرَحًا، وجمع الناقه نُقَّهٌ _ بضم النون وتشديد القاف _ وأنقهه الله.

(فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة المَناصع _ بفتح الميم _، وهي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرَّزون فيها، الواحد منصع. وقال الأزهري أراه موضعًا بعينه خارج المدينة، وهو في الحديث (( صعيدُ أفيح خارج المدينة ) ). وقال ابن السِّكيت المناصع في اللُّغة المجالس.

(مُتَبَرَّزُنَا) بدل أو بيان للمناصع، وهو _ بفتح الراء المشددة وبالزاي _ هو الموضع الذي يتبرَّزون فيه؛ أي يقضون حاجتهم، والبراز اسم ذلك الموضع أيضًا

ج 12 ص 238

(لاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ) بضم الكاف والنون، جمع الكنيف. قال أهل اللُّغة الكنيف السَّاتر مطلقًا، وسمِّي به موضع الغائط؛ لأنهم يستترون به.

(قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ) يعني في التبرُّز خارج المدينة. وقال النَّووي ضبطوا الأُوَل بوجهين أحدهما ضم الهمزة وتخفيف الواو، والآخر بفتح الهمزة وتشديد الواو، وكلاهما صحيح (فِي الْبَرِّيَّةِ) أي البادية (_ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ _) شكٌّ من الرَّاوي؛ أي في طلب النَّزاهة بالخروج إلى الصَّحراء. وفي رواية مسلم (( وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنَّا نتأذَّى بالكنف ) )أي باتخاذها عند بيوتنا.

(فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ) وفي رواية مسلم (( فانطلقت أنا وأم مسطح ) )وهي ابنة أبي رهم؛ أي ابن المطَّلب بن عبد مناف، وأمُّها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطَّلب. انتهى.

ومِسْطَح _ بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء المهملتين وبالحاء المهملة _ واسم أمه سلمى بنت أبي رهم. وذكر أبو نعيم فيما نقل من خطِّه أنَّ اسمها رائطة بنت صخر أخت أمِّ الصِّدِّيق رضي الله عنه.

وأبو رُهْم _ بضم الراء وسكون الهاء _، وهي زوجة أُثَاثة _ بضم الهمزة وتخفيف المثلثة _ وكانت من أشدِّ النَّاس على ابنها مسطح. وقال النَّووي ومِسْطَح لقب، واسمه عامر، وقيل عوف، وكنيته أبو عبَّاد، وقيل أبو عبد الله، توفِّي سنة سبع وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين. وقال الواقدي شهد مع علي رضي الله عنه صفِّين، ومات في سنة سبع وثلاثين عن ستٍّ وخمسين سنة.

قال العيني مسطح اسم عودٍ من أعواد الخباء. وقال الجوهري أُثاثة _ بضم الهمزة _ اسم رجل. وقال أبو زيد الأثاث المال أجمع الإبلُ والغنمُ والعبيد والمتاع، الواحدة أَثاثة؛ يعني بفتح الهمزة. وقال الفرَّاء الأثاث متاعُ البيت، ولا واحدَ له.

ج 12 ص 239

(نَمْشِي) حال؛ أي ماشين (فَعَثُرَتْ) بفتح المثلثة (فِي مِرْطِهَا) المِرط _ بكسر الميم _ كساء من صوف، قاله الدَّاودي. وقال ابن فارس ملحفة يؤتزرُ بها. وقال الهرويُّ المروطُ الأكسيةُ، وضبط ابن التِّين المَرط بفتح الميم.

(فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ) بكسر العين وفتحها لغتان مشهورتان. قال الخطَّابي بالفتح، والقاضي بالكسر. وقال ابن التِّين المحدِّثون يقرؤونه بكسر العين، وهو عند أهل اللُّغة بالفتح، ومعناه عثر، وقيل هلك، وقيل لزمه الشَّر، وقيل بعد، وقيل سقطَ لوجهه. وقيل التَّعس أن لا ينتعس من عثرته، وقد تَعِس تَعْسًا وأَتْعَسه الله، وفي التَّنزيل {فَتَعْسًا لَهُمْ} [محمد 8] .

(فَقُلْتُ لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، فَقَالَتْ يَا هَنْتَاهْ) وفي رواية مسلم (( أي هنتاه ) )، وكذا في رواية البخاري في المغازي [خ¦4141] . وهَنْتاه بفتح الهاء وسكون النون وفتحها، والسكون أشهر، وبضم الهاء الأخيرة وتسكن، ونونها مخففة. وقال القرطبي عن بعضهم تشديد النون. وأنكره الأزهريُّ، وأصله يا هنته، فألحق الألف والهاء به.

قالوا وهذه اللَّفظة تختص بالنِّداء، ومعناها يا هذه، وقيل يا امرأة، وقيل يا بلهاء كأنَّها نسبت إلى قلَّة المعرفة بمكائد النَّاس وشرورهم. وقد تقدَّم في الحجِّ في باب من قدم ضعفة أهله باللَّيل [خ¦1681] . ويقال في التثنية هنتان، وفي الجمع هَنَات وهَنَوَات، وفي المذكَّر هَنٌ وهَنَان وهَنُون، ولك أن تلحقها الهاء؛ لبيان الحركة، فتقول يا هنه، وأن تشبعَ الحركة فتصير ألفًا، فتقول يا هناه، ولك ضم الهاء فتقول يا هناهُ أقبل.

(أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا) وفي المغازي ، وفي رواية مسلم (( أولم تسمعي ) ) (فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ) أي ائذن لي أن آتي أبوي، وفي رواية مسلم (( أتأذن لي أن آتي أبوي ) ).

(قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا)

ج 12 ص 240

بكسر القاف؛ أي من جهتهما (فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ) اللام في لقلَّما للتَّأكيد، وقلَّ فعل ماض دخلت عليه كلمة ما لتأكيد معنى القلَّة. وتارة تستعملُ هذه الكلمة في نفي أصل الفعل، وتارة في القلَّة جدًا.

وضيئة على وزن فعيلة؛ أي جميلة حسنة، من الوضاءة بمعنى الحسن. وقال النَّووي في «شرح مسلم» وفي نسخة ابن ماهان (( حظيَّة ) )من الحظوة وهي الوجاهة، يقال حظيت المرأة عند زوجها تحظى حُظوة وحِظوة، بالضم والكسر؛ أي سعدت ودنت من قلبه وأحبَّها.

(عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) بالألف هو الصَّواب جمع ضرَّة، وزوجات الرَّجل ضرائر؛ لأن كلَّ واحدة تتضرَّر بالأخرى بالغيرة والقسم. وفي بعض النُّسخ ، وأصله من الضَّر، بفتح الضاد وضمها.

(إِلاَّ أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا) بالثاء المثلثة؛ أي أكثرن عليها القول في عيبها ونقصها (فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ، لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) مهموز جملة وقعت حالًا؛ أي لا ينقطع دمعي، من رقأ الدَّمع، إذا انقطع.

(وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) أي لا أنام، وهو استعارة (ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ) أي أبطأ ولم ينزل (يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) جملة حاليَّة مقدرة من الاستشارة (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ لَهُمْ) أي لعائشة وأبويها (فَقَالَ أُسَامَةُ أَهْلُكَ) روي بالنصب؛ أي الزم أهلك، وروي بالرفع؛ أي هي أهلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ) لا نسمع فيها شيئًا(وَلاَ نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا

ج 12 ص 241

كَثِيرٌ، فَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ)وإنَّما قال علي رضي الله عنه ذلك مصلحة ونصيحةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقاده؛ لأنَّه رأى انزعاجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وقلقه، فأراد راحةَ خاطره، لا لعداوة عائشة رضي الله عنها.

(فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ، فَقَالَ يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ) من راب، وفي رواية مسلم (( هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ) ) (فَقَالَتْ بَرِيرَةُ لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا) أي ما رأيت منها (أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وضم الصاد المهملة؛ أي أعيبها به، وأطعن عليها (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنِ الْعَجِينَ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) وهي الشَّاة التي تألف البيت، ولا تخرج إلى المرعى. وقال ابن التِّين قيل هي الشَّاة التي تحبس في البيت لدرها لا تخرج إلى المرعى. وقيل هو دجاجة أو حمامة أو وحش أو طير يألف البيت. وقال الطَّبري الدَّاجن الشَّاة المعتادة للقيام في المنزل، وكلُّ معتاد موضعًا هو به يقيم فهو داجن. يقال دجنَ فلان بمكان كذا، وأدجن به إذا أقام به.

(فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مسلم (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين ) ) (مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي) قال الخطَّابي قوله (( من يعذرني ) )يأوَّل على وجهين؛ أي من يقوم بعذره فيما يأتي إلي من المكروه منه، والثَّاني من يقوم بعذري إن عاقبته على سوء فعله.

وقال النَّووي معناه من يقوم بعذري إن كافأته على قبحِ فعله، ولا يلومني على ذلك. وقيل معناه من ينصرني، والعذير النَّاصر،

ج 12 ص 242

وقيل معناه من ينتقم لي منه. ويشهد لهذا جواب سعد بن معاذ أنا أعذرك منه.

(فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) هو صفوان (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالمهملة (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ) بفتح المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء، هي والأوس قبيلتان من الأنصار (أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ) وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الأوس من قومه، وهم بنو النَّجار، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قتله، ثمَّ إنَّ الموجود في الأصول (( سعد بن معاذ ) )ووقع في موضع آخر (( سعد بن عبادة ) )، قال ابن حزم هذا عندنا وهم؛ لأنَّ سعد بن معاذ ماتَ إثْر بني قريظة بلا شكٍّ، وبنو قريظة كان في آخر ذي القعدة من سنة أربع، فبين الغزوتين نحو من سنتين، والوهم لم يعر منه أحد من البشر. وقال ابن العربي ذكر سعد بن معاذ هنا وهم اتَّفق فيه الرُّواة. وقال أبو عمر هو وهم وخطأ، وتبعه على ذلك جماعة.

وقال القاضي عياض قال بعض شيوخنا ذكر سعد بن معاذ في هذا وهم، والأشبه أنَّه غيره، ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في «السير» ، وإنَّما قال إنَّ المتكلِّم أوَّلًا وآخرًا أُسَيْد بن حضير.

وقال القاضي هذا مشكل؛ لأنَّ هذه القصَّة كانت في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق سنة ستٍّ، وسعد بن معاذ مات في أثر غزاة الخندق من الرَّمية التي أصابته، وذلك في سنة أربع، ولهذا قيل أن ذكره وهم، والأشبه أنَّه غيره.

وقال القاضي في الجواب أنَّ موسى بن عقبة ذكر أنَّ المريسيع، وحديث الإفك كانا في سنة أربع قبل الخندق. وقال الواقديُّ المريسيع كانت سنة خمس، والخندق كانت بعدها.

وقال العيني وهذا يبيِّن صحَّة ما ذكره البخاري من أنَّه سعد بن معاذ، وهو الذي في «الصَّحيحين» .

هذا وأمَّا سعد بن مُعاذ _ بضم الميم _ فهو ابن النُّعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري

ج 12 ص 243

الأوسي الأشهلي، أسلم على يد مصعب بن عُمير لما أرسله النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعلم المسلمين، شهد بدرًا لم يختلفوا فيه، وشهد أحدًا والخندق، ورماه يومئذٍ حبَّان بن العَرَفة [2] في أكحله، كان مقدمًا مطاعًا شريفًا في قومه، سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّد الأنصار.

وأمَّا سعد بن عُبادة _ بضم العين _ فهو ابن دليم بن حارثة بن أبي حَرِيْمَة _ بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وفتح الميم _ ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن سعادة بن كعب بن الخزرج الأكبر، أخي الأوس بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو المرتقب بن عامر ماء السَّماء، وأم الأوس والخزرج قَيْلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة. وقيل قيلة بنت الأرقم بن عمر بن جفنة، وكان نقيب بني ساعدة، شهد بدرًا عند بعضهم.

كان مقدَّمًا في قومه وجيهًا له رياسة وسيادة، ولم يتابع أبا بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وسار إلى الشَّام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة. ولم يختلفوا أنَّه وجد ميِّتًا على مغتسله، قيل قتله الجن، وقالوا

~قَد قَتلْنَا سيِّدَ الخَزرجِ سعْدَ بنَ عُبَادةَ وَرَمَينَاهُ بِسَهْميْنِ فَلَم نُخْطِ فُؤادَهُ

وأما أُسيد بن حُضير _ بضم الهمزة وضم الحاء المهملة، كلاهما على صيغة التصغير _ ابن السماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عَمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبو يحيى، أسلم على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى، وقيل الثانية، واختلف في شهوده بدرًا؛ فنفاه ابن إسحاق والكلبي، وأثبته غيرهما، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد. وشهد مع عمر رضي الله عنه فتح البيت المقدس، مات بالمدينة سنة عشرين، وصلَّى عليه عمر رضي الله عنه.

(فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ) وقد مرَّ ذكره آنفًا (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) وفي مسلم (( وكان رجلًا صالحًا ) )يعني لم يكن قبل ذلك يحمي لمنافق (وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ)

ج 12 ص 244

وفي نسخة والحمية _ بحاء مهملة وميم _؛ أي أغضبته، وعند مسلم (( اجتهلته ) )بجيم وهاء؛ أي أغضبته وحملته على الجهل، فالرِّوايتان صحيحتان.

(فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ) أي لبقاء الله قسمي (وَاللَّهِ لاَ تَقْتُلُهُ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ) يعني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل حكمه إليك، كذا قال الدَّاودي. وقال ابن التِّين معناه أنَّه قال له كذبت إنَّك لا تقدر على قتله، وهذا هو الظَّاهر.

(فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ) وفي رواية وقد مرَّ ذكره أيضًا (فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) أي إن أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلناه، وقوم أسيد بنو عبد الأشهل (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ) أي تفعل فعل المنافقين، ولم يرد به النفاق الحقيقي (تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ) في مقام التعليل لما قبله (فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) أي تناهضوا للنزاع والعصبية، وأصله من ثار الشيء يثور إذا ارتفع وانتشر (حَتَّى هَمُّوا) أي حتى قصدوا المحاربة (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ) يعني تلطفهم بما يُسْكِتهم.

(حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَبَكَيْتُ يَوْمِي لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ، قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا) هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية النَّسفي وأبي الوقت ، ويروى . (حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي) من فلق إذا شقَّ (قَالَتْ فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي) جملة حالية (إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي) وكلمة (إذ) للمفاجأة كما أنَّ كلمة (إذ) الآتية كذلك.

(فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء (مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ) أي في أمري وحالي شيء، وفي رواية مسلم

ج 12 ص 245

(( ولقد لبثت شهرًا لا يوحى إليه ) )وذلك ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتكلِّم من غيره.

(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِشَيْءٍ) وفي رواية ، وكذا في رواية مسلم، وهو من الإلمام، وهو النُّزول النَّادر الغير المتكرِّر. وقال الكرماني أي فعلت ذنبًا مع أنَّه ليس من عادتك.

(فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ) قال الدَّاودي دعاها إلى الاعتراف ولم يأمرها بالسَّتر كغيرها؛ لأنَّه لا ينبغي عند الشَّارع امرأة أصابت كذا (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي) بفتح القاف واللام؛ أي ارتفع وانقبض. وقال القرطبي يعني أنَّ الحزن والوجد قد انتهيا نهايتهما وبلغا غايتهما، ومهما انتهى الأمر إلى ذلك قلص الدَّمع؛ لفرط حرارة المصيبة. وقال الدَّاودي قلص دمعي أي ذهب، وقيل نقص. وقال ابن السِّكيت قلصَ الماء في البيت إذا ارتفع، وماء قليص.

(حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضم الهمزة، من الإحساس، قال تعالى {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم 98] (مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لِأَبِي أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) معناه أنَّ الأمر الذي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أقف منه على أمر زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي من حسن الظَّن بك حتَّى أقول.

(فَقُلْتُ لأُمِّي أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ) أي رسخ(فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ،

ج 12 ص 246

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي)بكسر الهمزة (لَبَرِيئَةٌ، لاَ تُصَدِّقُونِي) بحذف إحدى النونين للتخفيف (بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي) بنون التأكيد (وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ) أي إلَّا مثل يعقوب عليه السَّلام، وكأنَّها من شدَّة حزنها لم تتذكَّر اسم يعقوب، وقالت أبا يوسف، كذا قيل.

(إِذْ قَالَ) أي حين قال ( {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ) وذلك أنَّه لما جاء أخوة يوسف أباهم يعقوب عليهم السَّلام ومعهم قميص يوسف بدم كذب {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ} أي سهَّلت لكم وهوَّنت في أعينكم {أَمْرًا} عظيمًا من السَّول، وهو الاسترخاء {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل.

وفي الحديث الصَّبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف 18] على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف، وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم إن صحَّ.

(ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلأَنَا) بلام الابتداء (أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ) أي ما برح المجلس، ولا قام عنه، يقال رامه يريمه ريمًا؛ أي برحه (وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ) على البناء للمفعول (فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ) حين الوحي (مِنَ الْبُرَحَاءِ) بضم الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة وبالمد، من البرح شدَّة الحمَّى وغيرها من الشَّدائد، وقيل البرح شدَّة الحرِّ. وقال الخطَّابي شدَّة الكرب مأخوذ من قولك برحت بالرَّجل إذا بلغت به غاية الأذى والمشقَّة.

(حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) اللام فيه للتأكيد؛ أي ينزل ويقطر من حَدَر يَحْدِر حَدْرًا وحُدُورًا، والحدور ضدُّ الصُّعود ويتعدَّى ولا يتعدَّى (مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ) بضم الجيم وتخفيف الميم، هو الدر، كذا ذكره ابن التِّين وغيره. وقال ابن سيده الجمان حبَّات

ج 12 ص 247

على أشكال اللؤلؤ من فضَّة فارسي معرَّب، واحدته جمانة. وربَّما سمِّيت الدرَّة جُمانة. وقيل الجمان الخرز يبيض بماء الفضَّة.

وفي «المغيث» هو اللُّؤلؤ الصِّغار. وقال الجواليقي وقد جعلَ لبيدٌ الدُّرَّةَ جمانة فقال

~كجُمانَةِ البحريِّ سُلَّ نظَامُهَا

(مِنَ الْعَرَقِ) شبهت قطرات عرقه بحبات اللُّؤلؤ في الحسن والصَّفاء (فِي يَوْمٍ شَاتٍ) من الشِّتاء (فَلَمَّا سُرِّيَ) بكسر الراء المشددة على البناء للمفعول؛ أي كشف وأزيل (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا) بنصب أول على أنه خبر كان، واسمها قولها (أَنْ قَالَ لِي يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللَّهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ) قال ابن دحية ونزل عذرها بعد سبع وثلاثين ليلة.

(فَقَالَتْ لِي أُمِّي قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لاَ وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ) قالت ذلك إدلالًا عليهم وعتابًا؛ لكونهم شكوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وتنزُّهها عن ذلك الباطل الذي افتراه الظَّلمة من غير حجَّة لهم فيه ولا شبهة.

(وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الآيَاتِ) أي إلى آخر الآيات، والمراد إلى قوله تعالى {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور 22] وهذه الآيات في سورة النُّور فلنفسرها حسب الطَّاقة، قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ} [النور 11] هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل هو البهتان لا تشعر به حتَّى يفجأك، وأصله الإفك، وهو القلب والصَّرف؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد به ما أفك به على عائشة رضي الله عنها كما عرفت.

{عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} العصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة، واعصوصبوا اجتمعوا وهم عبد الله بن أبيِّ بن سلول رأس النِّفاق وزيد بن رفاعة وحسَّان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم، وهي خبر {إنَّ} .

{لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} مستأنف، والخطاب للرَّسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين والهاء للإفك {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ومعنى كونه خيرًا لهم أنَّهم اكتسبوا

ج 12 ص 248

فيه الثَّواب العظيم؛ لأنَّه كان بلاء مبيَّنًا ومحنة ظاهرة، وظهرت كرامتهم عند الله بأن أنزل ثماني عشرة آية في براءتهم كل واحدة منها مستقلَّة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيهٌ لأمِّ المؤمن?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت