38 - (باب) سقط لفظ في بعض النُّسخ ( {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} ) ذكر عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن قتادة نزلت هذه الآية في يومِ الأحزاب أصاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذٍ وأصحابه بلاء وحصر.
قال القُرطبي وهو قولُ أكثر المفسِّرين، قال وقيل نزلت في يوم أحدٍ، وقيل نزلت تسليةً للمهاجرين حين تركوا ديارهُم وأموالهم بأيدِي المشركين، وآثروا رضى الله عزَّ وجلَّ ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد علم في علم النَّحو أنَّ «أم» على نوعين متَّصلة، وهي الَّتي يتقدَّمها همزة التَّسوية نحو {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم 21] وسُمِّيت متصلة لأنَّ ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
ومنقطعةٌ وهي التي لا يفارقها معنى الإضراب، وزعم ابنُ الشَّجري عن جميع البصريين أنَّها أبدًا بمعنى بل، وهي مسبوقةٌ بالخبرِ المحض نحو {تَنْزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيْهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ*أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة 2 - 3] ومسبوقةٌ بهمزة لغير الاستفهام نحو {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [الأعراف 195] إذ الهمزة فيها للإنكار.
ثمَّ إنَّ {أَمْ} هذه قد اختلفوا فيها، فقال الزَّجاج معناه بل أحسبتم.
وقال الزَّمخشري منقطعةٌ ومعنى الهمزة فيها للتقرير.
وفي «تفسير الجوزي» أم هنا للخروج من حديث إلى حديث، وفي «تفسير ابن أبي السِّنان» أم هذه متَّصلةٌ بما قبلها؛ لأنَّ الاستفهام لا يكون في ابتداءِ الكلام، فلا يُقال أم عندك خبرٌ بمعنى أعندك، وقيل هو
ج 19 ص 104
معطوف على استفهام محذوف؛ أي أعلمتُم أنَّ الجنَّة حفَّت بالمكاره أم حسبتُم أن تدخلوا الجنَّة بغير مكروهٍ، وقيل لمجرَّد الإضراب من غير تقدير. والمعنى بل حسبتُم أن تدخلوا الجنَّة قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فُعل بالذَّين من قبلكم من الأمم، ولذا قال تعالى ( {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} ) أي صفة الَّذين مضوا من قبلكم من النَّبيين والمؤمنين، وفيه إضمارٌ؛ أي مثل محنة الَّذين، أو مصيبة الذين مَضوا، وكلمة {لمَّا} حرف جزم معناها النَّفي كلم وفيها توقُّعٌ، ولذا جعل مقابل قد، والواو للحال، والجملة نصب على الحالية.
( {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} ) أي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنَّوائب، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جُبير ومرَّة الهمداني والحسن وقتادة والضَّحاك والرَّبيع والسُّدي ومقاتل بن حيَّان {الْبَأْسَاءُ} الفقر. وقال ابن عبَّاس {الضَّرَّاء} السَّقم.
(إِلَى {قَرِيْبٍ} ) أي إلى آخر الآية، وفي رواية أبي ذرٍّ بعد قوله {مِنْ قَبْلِكُمْ} ، وحذف ما عدا ذلك، وتمام الآية {وَزُلْزِلُوا} ؛ أي وأزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزَّلزلة بما أصابهم من الأهوالِ والأفزاعِ {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} يعني إلى الغاية التي قال الرسول {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} يعني بلغَ منهم الجهد إلى أن استبطؤوا النَّصر، وقالوا متى ينزلُ نصرُ الله؟ قال مقاتل الرَّسول هو اليسعُ، واسمه شعيا.
وقال الكلبي هذا في كلِّ رسولٍ بعث إلى أمَّته، وعن الضَّحَّاك؛ يعني محمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال القُرطبي ويدلُّ عليه نزول الآية الكريمة، وأكثر المتأوِّلين على أنَّ الكلامَ من قول الرسول والمؤمنين؛ أي بلغ منهم الجهد حتَّى استبطؤوا النَّصر، فقال الله عزَّ وجلَّ {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيْبٌ} إجابة لهم إلى طلبهِم، فيكون ذلك من الرَّسول طلبَ الاستعجال في النَّصر لا الشَّك والارتياب، وقالت طائفةٌ في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير {حَتَّى يَقُولَ الَّذِيْنَ آمَنُوا مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} فيقول الرَّسول {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيْبٌ} فقدَّم الرَّسول في الذكر لمكانته، ثمَّ قدم قول المؤمنين على مقول الرَّسول لكون مقولهم مقدمًا في الزَّمان، والله تعالى أعلم.