4524 - 4525 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى)
ج 19 ص 105
هو إبراهيمُ بن موسى بن يزيد الرَّازي الفراَّء الصَّغير، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ حسان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يَقُولُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أي في قوله تعالى ( {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} ) أي من النَّصر، وليس في الكلام شيءٌ حتَّى تكون حتَّى غاية له فقدر (( وما أرسلنا من قلبك إلَّا رجالًا ) ) [النحل 43] فتراخى نصرهم حتَّى ... إلى آخره، وقيل غير ذلك ممَّا يأتي إن شاء الله في «سورة يوسف» [خ¦4696] .
( {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [يوسف 110] خَفِيفَة الذال) أي خفيفةً في قوله {قَدْ كُذِبُوا} ؛ أي كذبتهم أنفسهم حين حدَّثتهم بأنَّهم ينصرون على إعادة الضَّمير في {ظَنُّوا} و {كُذِبُوا} إلى {الرُّسُلِ} ، وهذا كما يُقال صدقَ رجاؤه وكذب رجاؤه، ويمكن أن يعودَ الضَّمير إلى الكفَّار؛ أي وظنَّ الكفَّار أنَّ الرُّسل قد كُذِبوا فيما وعدوا به من النَّصر، وسيأتي في «سورة يوسف» [خ¦4696] غير ذلك إن شاء الله تعالى، وهي قراءةُ الكوفيين.
(ذَهَبَ بِهَا) أي قال ابنُ أبي مليكة، ذهبَ ابن عبَّاس رضي الله عنهما بهذه الآية؛ أي قوله تعالى {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} الآية (هُنَاكَ) أي آية البقرة يعني فهم ابن عبَّاس رضي الله عنهما من آية سورة يوسف ما فهمَه من آية البقرة من الاستبطاءِ والاستبعادِ لكون الاستفهام في (( متى نصرُ الله ) )للاستبطاء، فهما متناسبتان في مجيءِ النَّصر بعد اليأسِ والاستبعاد.
(وَتَلاَ {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} ) لتناهي الشِّدَّة واستطالة المدَّة بحيث تقطَّعت حبال الصَّبر ( {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ) استبطاء لتأخُّره، فقيل لهم ( {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة 214] ) إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النَّصر، فهذه الآية كآية يوسف في مجيءِ النَّصر بعد اليأسِ، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ الوصولَ إلى الله تعالى والفوزِ بالكرامة عنده برفض اللذَّات ومكابدةِ الشَّدائد والرِّياضات.
(فَلَقِيتُ) أي قال ابنُ أبي مُليكة فلقيت (عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) أي ابن العوَّام رضي الله عنه (فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي المذكور من تخفيف ذال (( كُذِبُوا ) ).
- (فَقَالَ) أي عروة (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها منكرةٌ على ابن عبَّاس رضي الله عنهما (مَعَاذَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) ظرفٌ للعلم لا للكون (وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلاَءُ بِالرُّسُلِ، حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ) من المؤمنين (يُكَذِّبُونَهُمْ. فَكَانَتْ) أي عائشة رضي الله عنها
ج 19 ص 106
(تَقْرَؤُهَا . مُثَقَّلَةً) وهي قراءةُ نافع وابنِ كثير وأبي عَمرو وابن عامر على معنى وظنَّ الرُّسل أنَّهم قد كذَّبوهم قومهم فيما وعدوهم به من العذاب والنُّصرة عليهم، فأعيدَ الضَّميران إلى الرُّسل. فإن قيل لم أنكرتْ عائشة رضي الله عنها على ابن عبَّاس رضي الله عنهما قراءة التخفيف بقولها «معاذ الله» إلى آخره مع أنَّ قراءة التخفيف تحتمل معنى ما قالت عائشة رضي الله عنها بأن يُقال خافوا أن يكون من معهم يكذِّبونهم.
فالجواب أنَّ الإنكارَ من جهة أنَّ مرادَه أنَّ الرُّسل ظنُّوا أنَّهم مكذَّبون من عند اللهِ لا من عندِ أنفسهم بقرينة الاستشهاد بالآية التي في البقرة، لا يُقال لو كان كما قالت عائشة رضي الله عنها لقيل وتيقَّنوا أنَّهم قد كذبوا؛ لأنَّ تكذيب القوم لهم كان متيقَّنًا؛ لأنَّه يُقال إنَّ تكذيبَ أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا، وإنَّما المتيقَّن هو تكذيبُ الَّذين لم يؤمنوا أصلًا. فإن قيل فما وجه كلامِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما؟ قيل وجهه ما ذكره الخطَّابي من أنَّه لا شكَّ أنَّ مذهبه أنَّه لم يجز على الرُّسل أن يكذِّبوا بالوحي الذي يأتيهم من قبلِ الله تعالى، لكن يحتمل أن يُقال إنَّهم عند تطاول البلاءِ وإبطاء إنجازِ الوعد توهَّموا أنَّ الَّذي جاءهُم من الوحي كان غلطًا منهم، فالكذبُ متأوَّلٌ بالغلطِ، كقولهم كذَّبتك نفسك.
وحاصله أنَّ الَّذي عرضَ من الرِّيبة إنَّما ينصرفُ إلى الوسائط التي هي مقدِّمات الوحي، فليتأمَّل.
وقال الزَّمخشريُّ وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وظنُّوا حين ضعفُوا وغلبوا أنَّهم قد أخلفوا ما وعدَهُم الله من النَّصر، قال وكانوا بشرًا، وتلا قوله تعالى {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} فإن صحَّ هذا فقد أرادَ بالظَّنِّ ما يهجسُ في القلبِ من شبه الوسوسة وحديث النَّفس على ما عليه البشريَّة، وأمَّا الظَّنُّ الَّذي يترجَّح أحد الجانبين على الآخر فيه فغير جائزٍ على آحاد الأمَّة، فكيف بالرُّسل الكرام عليهم الصَّلاة والسَّلام.
ومطابقة الحديث للآية ظاهرة، وقد أخرجه النَّسائي في التَّفسير أيضًا.