143 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجُعفي المُسْنَدي، قال البخاري قال حسن بن شجاع من أين يفوتك الحديث، وقد وقفت على هذا الكنز؛ يعني المُسْنَديَّ، وقد مر في باب أمور الإيمان (قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) أبو النضْر _ بسكون الضاد المعجمة _، التميمي الليثي الكناني الخراساني، نزل بغداد ويلقب بقيصر وهو حافظ ثقة صاحبُ سُنَّة، كان أهل بغداد يفتخرون به، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة.
(قَالَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) مؤنث الأَورق، هو ابن عمر اليَشْكُري، الكوفي، أبو بشر، يقال أصله من خوارزم، سكن المدائن، قال أبو داود الطيالسي قال لي شعبة عليك بورقاء فإنك لن ترى عيناك مثلَه، روى عن عبيد الله الآتي ومثله [1] ، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم، هو صدوق صالح، قيل مات سنة تسع وستين ومئة، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره.
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (بْنِ أَبِي يَزِيدَ) من الزيادة، المكي، مولى آل قارظ بالقاف وبالراء وبالظاء المعجمة، حُلفاء بني زُهرَة، كان ثقة، كثير الحديث، مات سنة ستٍّ وعشرين ومئة، ووقع في رواية الكشميهني وهو غلط، والصحيح ابن أبي يزيد، ولا يُعْرف اسمه.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومكيٍّ، وإنه على شرط السِّتة خلا شيخ البخاري فإنه من رجاله، ورجال الترمذي فقط، وقد أخرج متنه مسلم في فضائل ابن عباس رضي الله عنهما، والنسائي في المناقب كذلك.
ج 2 ص 39
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو وهو الماء الذي يُتوضأ به، وأمَّا بالضم فهو مصدر، وقد مَرَّ تحقيقه، وإنما وضعه ليتوضأ به، وقيل يحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نظر.
(قَالَ) وفي رواية ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم بعدما خرج من الخلاء (مَنْ) استفهامية (وَضَعَ هَذَا؟) ؛ أي الوضوء (فَأُخْبِرَ) على صيغة المجهول عطف على ما قبله؛ أي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابن عباس، والمُخْبِر خالته ميمونة بن الحارث؛ لأن ذلك كان في بيتها رضي الله عنها.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) من الفقه وهو في اللغة الفهم تقول فَقِه الرجل بالكسر وفلان لا يفقَه بالفتح، ثمَّ خُصَّ به علم الشريعة والعالم به فقيه، وقد فقُه بالضم فقاهة وفقَّهه الله وتفقَّه إذا تعاطى ذلك وفاقَهْتُه إذا باحثته في العلم، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما بهذا الدعاء لما تفرَّس فيه من الذكاء والفطنة مع صِغَرِ سِنِّهِ، حيث وضع الوضوء عند الخلاء لكونه أيسر له صلى الله عليه وسلم، إذ لو وضعه في مكان بعيد لاقتضى ذلك مشقَّةً ما في طلب الماء، ولو دخل به إليه كان تعرضًا للاطلاع على حاله وهو يقضي حاجته، فلما كان وضع الماء فيه إعانةٌ على الدين ناسب أن يدعو له بالتَّفقه في الدين ليطَّلِع به على أسرار الفقه في الدين، فينْتَفِعَ ويَنْفَع، وكان هكذا رضي الله عنه.
وفي الحديث جواز خدمة العالم بغير أمره ومراعاته حتى حال دخوله الخلاء، وفيه أيضًا استحباب المكافأة بالدعاء، وفيه أيضًا أن حَمْلَ الخادم الماء إلى المُغْتَسل غير مكروه، وأن الأدب فيه أن يليه الأصاغر من الخدم دون الأكابر، وفيه أيضًا دلالة قطعيَّة على إجابة دعاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه صار فقيهًا أيَّ فقيه. هذا، وقد استَدلَّ به الداودي على أنَّه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء؛ لئلا يكون ذلك سنة؛ لأنه لم يأمر بوضع الماء، وقد أتبعه عمر رضي الله عنه بالماء فقال لو استنجيتُ كلما أتيتُ الخلاء لكان سنة، وفيه نظر، وما استَشْهَد به حديثٌ ضعيف.
وقال ابن بطال معلوم
ج 2 ص 40
أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وفيه ردٌّ على من أنكر الاستنجاء بالماء، وقال إنما ذلك وضوء النساء، وإنما كان الرجال يتمسحون بالحجارة.
وفي (( صحيح ابن حبَّان ) )من حديث عائشة رضي الله عنها قالت «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من غائط قطُّ إلا مَسَّ ماء» .
وفي (( جامع الترمذي ) )من حديثها أيضًا أنها قالت [2] مُرْنَ أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول [3] ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، ثمَّ قال هذا حديث حسن صحيح.
وفي (( الموطأ ) )عن عمر رضي الله عنه أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت الإزار، قال مالك يريد الاستنجاء بالماء، فتأمل [4] .
وقال الخطابي في الحديث استحباب الاستنجاء بالماء، وإن كانت الحجارة مُجزِئة، وكَرِهَ قوم من السلف الاستنجاء بالماء، وزعم بعض المتأخرين أن الماء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذلك، وكان بعض القُرَّاء يَكره الوضوء في مشارع المياه الجارية، وكان يَستحب أن يُؤخذ له الماء في رَكْوة ونحوها؛ لأنَّه لم يَبْلُغه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ على نهر أو شرع في ماء جار، قال وهذا عندي من أجل أنه لم يكن بحضرته المياه الجارية والأنهار، فأمَّا من كان بين ظهراني مياه جارية فأراد أن يشرع فيها ويتوضأ منها كان له ذلك من غير حرج.
وقال النَّووي اختُلِفَ في المسألة؛ فالَّذي عليه الجمهور أنَّ الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيَستعمِلُ الحَجَر أولًا لِتَخِفَّ النَّجاسة وتَقِلَ مباشرتها بيده، ثمَّ يَستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز، سواء وجد الآخر أو لم يجده، فإن اقتصر فالماء أفضل من الحجر؛ لأن الماء يطهِّر المحل طهارة حقيقية؛ لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، وأما الحجر فلا يُطهِّر وإنما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، وذهب بعضهم إلى أن الحجر أفضل، وربما أوهم كلامُ بعضِهم أن الماء لا يُجزئ.
وقال ابن حبيب المالكي لا يجزئ الحجر إلا لمن عَدِمَ الماء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن الزيدية والشيعة وغيرهما والسُنَّة قاضية عليهم.
[1] أي طبقته.
[2] (( أنها قالت ) )ليست في (خ) .
[3] كما في شرح ابن بطال، لكن رواية الترمذي «مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم» .
[4] في هامش الأصل و (خ) ووجه التأمل أنه إنما يستقيم إذا كان وضع الماء للاستنجاء به لا للتوضؤ. منه.