فهرس الكتاب

الصفحة 10132 من 11127

6827 - 6828 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ حَفِظْنَاهُ) أي الحديث (مِنْ فِيِّ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهاب؛ أي من فَمِه، وعند الحُمَيديِّ عن سفيان حدَّثنا الزُّهري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين، ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِد) الجهني رضي الله عنهما (قَالاَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) وهو جالسٌ في المسجد. وفي رواية شعيب [خ¦7260] «بينما نحن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم» . وفي رواية ابن أبي ذئب الآتية [خ¦6835] أنَّ رجلًا من الأَعْرابِ جَاءَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ. وفي رواية شعيب في الأحكام [خ¦7260] [1] «إذ قام رجلٌ من الأعراب» ، وفي رواية مالكٍ الآتية قريبًا [خ¦6633] «أنَّ رجلين اختصما» .

(فَقَامَ رَجُلٌ) ولم يقف الحافظ العسقلاني على اسمه ولا اسم خصمه (فَقَالَ) يا رسول الله (أَنْشُدُكَ اللَّهَ) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة والدال المهملة؛ أي أسألك الله؛ أي بالله، وضمن أنشدك معنى أذكرك من قولهم نشده إذا سأله رافعًا نشيدته؛ أي صوته هذا أصله، ثم استُعْمِلَ في كلِّ مطلوبٍ مؤكَّد ولو لم يكن هناك رَفْعُ صوتٍ.

وذكر أبو علي القابسي أنَّ بعضَهم ضَبَطَه بضم الهمزة وتشديد المعجمة، وغلَّطه.

ومعنى السُّؤال هنا القسم كأنَّه قال

ج 28 ص 429

أقسمتُ عليك بالله، أو معناه ذكَّرتك، بتشديد الكاف، وحينئذٍ فلا حاجةَ إلى تقديرِ حَرْفِ جرٍّ فيه.

ولذا قال الفارسي أجروه مجرى ذكرت، وإذا قلنا معناه سأل كان متعدِّيًا إلى مفعولين ليس ثانيهما بالمجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهَّمه كثيرٌ، بل مفعوله الثَّاني ما يأتي بعده.

فإذا قلت أنشدك الله أن تكرمني، فالمصدر المؤول من أن تكرمني هو مفعوله الثاني، وقِسْ على ذلك. وإن قلنا معناه ذكرتك الله فالمراد به الإقسام عليه به فهذان مفعولان، وحينئذٍ فما بعده على تقدير حرف جر.

وإذا قيل نشدتك الله أن تكرمني كان معناه ذكرتك الله في إكرامي، ثمَّ إنَّ العرب تأتي بعد هذا التَّركيب بإلا مع أنَّ صورة لفظه إيجاب، ثمَّ يأتون بعده بفعل فيقولون أنشدك الله إلَّا فعلت كذا، وذلك لأنَّ المعنى على النَّفي والحصر فحسن الاستثناء.

وأمَّا وقوع الفعل بعد إلا، فعلى تأويله بالمصدر وإن لم يكن معه حرفٌ مصدري؛ لضرورة افتقار المعنى إليه. قال سيبويه معنى أنشدك إلا فعلتَ ما أطلبُ منك إلَّا فِعْلَك، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم.

ويراد به النَّفي المحصور فيه المفعول، كما قاله صاحب «المفصل» حيث قال وقد أوقع الفعلَ المتعدِّي موقعَ الاسم المستثنى في قوله أنشدك الله إلا فعلت. وقال أبو حيَّان فهو كلام يعنون به النفي المحصور وفيه المفعول. قال وقد يصرَّح بما المصدرية مع الفعل بعد إلَّا كما وقع في هذا الحديث بعد أنشدك.

(إِلاَّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) أي لا أسألك بالله إلَّا القضاء بيننا بكتاب الله، وقيل المعنى لا أسألك القضاء إلَّا بكتاب الله.

قال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن يكون إلَّا جواب القسم؛ لما فيها من معنى الحصر، وتقديره أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا القضاء، فحذف الجواب وترك ما يدلُّ عليه، فدخلت إلَّا هنا لذلك المعنى؛ فالتَّأكيد إنما وقع لعدم التَّشاغل بغيره لا لأنَّ لقوله بكتاب الله مفهومًا.

وبهذا يندفع إيرادُ من استشكل فقال إن لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم يحكم إلَّا بكتاب الله فما فائدة السُّؤال والتَّأكيد في ذلك. ثمَّ أجاب بأنَّ ذلك من جفاء الأعراب.

ج 28 ص 430

وقيل هذا من خفاء وجه الحكم عليه حين سألَ أهل العلم الَّذين أجابوا بمائة جلدة، وتغريب عامٍ، وهذا من قبيل قول المَلَكَين لداود عليه السلام {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [ص 22] . ومن هذا قال يجوز قول الخصم للإمام العادل اقضِّ بيننا بالحقِّ، على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه.

وفي «البسيط» أنَّ إلا أيضًا جواب القسم، لكن على أنَّ الأصل نشدتك بالله لتفعلنَّ كذا، ثمَّ أوقعوا موقع المضارع الماضي ولم يدخلوا لام التأكيد؛ لأنَّها لا تدخل على الماضي فجعلوا بدلها إلا، وحملوها عليها، فتلخص أنَّ الاستثناء في هذا التَّركيب مُفَرَّغٌ فاختر ما شئت.

ثمَّ المراد بكتاب الله ما حَكَمَ به وكَتَبَه على عِباده من الحدود والأحكام لأن الرجم والتقريب ليسا مذكورين في القرآن ... إلَّا بواسطة أمر الله باتِّباع رسوله، قاله ابن دقيق العيد. أو المراد ما تضمنه كتاب الله؛ أي القرآن يعني قوله تعالى {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء 15] فبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ السَّبيلَ جلدُ البِكر ونفيهُ ورجم الثَّيِّب.

ويحتمل أن يرادَ بكتاب الله الآية التي نُسِخَتْ تلاوتُها، وهي (( الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما ) ). وبهذا أجاب البيضاوي، ويبقى عليه التَّغريب. وقيل [2] المراد بكتاب الله ما يتعلَّق بجميع أفراد القصَّة فيما وقع به الجواب الآتي ذكره، والعلم عند الله تعالى. وقيل إنَّما سألا ذلك مع أنَّهما يعلمان أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلَّا بحكم الله؛ ليفصل بينهما بالحكم الصرف لا بالنَّصائح والتَّرغيب فيما هو الأرفق بهما، إذ للحاكم أن يفعلَ ذلك، ولكن برضى الخصمين.

(فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ) وفي رواية مالك (( فقال الآخر وكان أفقههما ) ).

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» يحتمل أن يكون الرَّاوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثَّاني بأنَّه أفقه من الأوَّل مطلقًا، أو في هذه القصَّة الخالصة، أو استدلَّ بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه. وقد ورد أنَّ حُسْنَ السُّؤال نِصْفُ العِلْم، أورده ابنُ السني في كتاب «رياضة المتعلمين» حديثًا مرفوعًا بسندٍ ضعيفٍ.

والخصم مصدر خَصَمَه يخْصِمُه إذا نازعه وغالَبَه، ثمَّ يطلق على المخاصم، وصار اسمًا له، فلذا يُطلق على الواحد والاثنين والأكثر بلفظ واحد مذكرًا كان

ج 28 ص 431

المخاصم أو مؤنثًا؛ لأنَّه بمعنى ذو كذا على قول البصريين في رجلٍ عدلٍ ونحوه قال تعالى {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص 21] ، وربما ثني وجمع للتَّنبيه على فائدة تراد في الكلام نحو {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} [ص 22] ونحو ذلك.

(فَقَالَ) يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي) أي في أن أتكلم، وفي رواية ابن أبي شيبة عن سفيان (( حتى أقول ) )وفي رواية مالك (( فقال أجل ) )، وفي رواية الليث (( فقال نعم فاقض ) )، وفي رواية ابن أبي ذئب وشعيب (( فقال صدق، فاقض له يا رسول الله بكتاب الله تعالى ) ).

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (قُلْ) وفي رواية محمد بن يوسف (( فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم قل ) )، وفي رواية مالكٍ (( تكَلَّم ) ) (قالَ) وفي نسخة وظاهر السِّياق أنَّ القائل هو الثاني.

وجَزَمَ الكرماني بأنَّ القائل هو الأوَّل، واستند في ذلك بما وقع في كتاب الصُّلح عن آدم، عن ابن أبي ذئب هنا فقال الأعرابي «إنَّ ابني» بعد قوله في أوَّل الحديث جاء أعرابيٌّ، وفيه (( فقال خصمه ) ).

قال الحافظ العسقلاني وهذه زيادةٌ شاذَّةٌ، والمحفوظ ما في سائر الطُّرق، كما في رواية سفيان في هذا الباب، وكذا وقع في الشُّروط عن عاصم بن عليٍّ، عن ابن أبي ذئب موافقًا للجماعة، ولفظه (( فقال صدقَ، اقضَ له يا رسول الله بكتاب الله إنَّ ابني ... إلى آخره ) ).

فالاختلاف فيه على ابن أبي ذئب، وقد وافقَ آدم أبو بكر الحنفي عند أبي نعيم في «المستخرج» ، ووافق عاصمًا يزيدُ بن هارون عند الإسماعيلي.

(إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء؛ أي أجيرًا، قاله مالك. وقال أبو عمر قد يكون العبد والسَّائل والخادم؛ أي يطلق على كلِّ واحدٍ منهم، وقيل يُطلق على من يستهان به. وفي «المحكم» العسيف الأجير المستهان، وقيل هو المملوك المستهان، وقيل كلُّ خادمٍ عسيف. وفسَّره عبد الملك بن حبيب بالغلام الَّذي لم يبلغ الحلم؛ فإن ثبتَ ذلك فإطلاقهِ على صاحب هذه القصَّة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار. ووقع في رواية النَّسائي تعيينُ كَونه أجيرًا، ولفظه من طريق عَمرو بن شعيب

ج 28 ص 432

عن ابن شهاب (( كان ابني أجيرًا لامرأته ) ).

وسمِّي الأجير عسيفًا؛ لأنَّ المستأجر يعسفه في العمل، ويكون بمعنى الفاعل أيضًا؛ لكونه يعسف الأرض بالتَّردد فيها. يقال عسف اللَّيل عسفًا إذا أكثر السَّير فيه، ويطلقُ العسف أيضًا على الكفاية، والأجير يكفي المستأجر الأمر الَّذي أقامه فيه.

(عَلَى هَذَا) أي عنده، وفي رواية محمد بن يوسف عن عَمرو بن شعيب (( عسيفًا في أهل هذا ) )أو على بمعنى اللام، وكأنَّ الرَّجل استخدمَه فيما تحتاجُ إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) لم يعرف اسمها ولا اسم الابن (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ) زاد الحميديُّ عن سفيان (( فزنى بامرأته فأخبروني [3] أنَّ على ابني الرَّجم، فافتديت ) ).

وقد ذكر عليُّ بن المديني روايةً في آخره أنَّ سفيان كان شكَّ في هذه الزِّيادة، فربما تركها، وغالب الرِّواية عنه كأحمد وابن أبي شيبة ومحمد بن يوسف لم يذكروها، وثبتتْ عند مالك واللَّيث وابن أبي ذئب وشُعيب وعَمرو بن شعيب. ووقع في رواية آدم «فقالوا لي على ابنك الرَّجم» ، وفي رواية الحميدي «فأُخبرت» _ بضم الهمزة _ على البناء للمفعول.

وفي رواية أبي بكر الحنفي (( فقال لي ) )بالإفراد، وكذا عند أبي عَوَانة من رواية ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، فإن ثبتت فالضَّمير في قوله فقال؛ لخصمه، وكأنَّهم ظنُّوا أنَّ ذلك حقٌّ له يستحقُّ أن يَعْفُوَ عنه على مالٍ يأخذه، وهذا ظنٌّ باطلٌ.

وفي رواية عَمرو بن شعيب «فسألت من لا يعلم فأخبروني أنَّ على ابني الرَّجم، فافتديتُ منه» .

(بِمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ) ويروى والخادم الجارية المعدَّة للخدمة بدليل رواية وجارية، وقوله بمائة شاةٍ متعلق بافتديت من الرَّجم، والشاة تذكر وتؤنث، وأصلها شاهة؛ لأنَّ تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء، تقول ثلاث شياه إلى العشرة، فإذا جاوزت قلت بلا هاء، فإذا كثرت، قلت هذه شِيَاءٌ كثيرة، بالهمز.

ومن للبدليَّة كقوله تعالى {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ} [التوبة 38] ، وفي روايةِ ابنِ أبي ذِئْبٍ

ج 28 ص 433

وشعيب «بمائة من الغنم ووليدة» وهي الجاريةُ.

(ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) وفي رواية مالك وصالح بن كَيسان وشعيب (( ثمَّ إنِّي سألت أهل العلم ) ) (فَأَخْبَرُونِي) ومثله لابنِ أبي ذئب لكن قال (( فزعموا ) ). وفي رواية مَعمر (( ثمَّ أخبرني أهل العلم ) )، وفي رواية عَمرو بن شعيب (( ثمَّ سألت من يعلم ) ).

وفيه إشعارٌ بأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر محمدُ بنُ سعد منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.

وقال الحافظ العسقلاني لم أقف على أسماء هؤلاء المسؤولين، ولا على عددهم، ولا على اسم الخصمين، ولا الابن ولا المرأة.

(أَنَّ عَلَى ابْنِي) وفي رواية مالكٍ (( إنَّما على ابني ) ) (جَلْدَ مِائَةٍ) بإضافة جلدٍ إلى مئة، وقرأه بعضُهم بتنوين جلد مرفوعًا وبتنوين مئة منصوبًا على التمييز. قال الحافظ العسقلاني ولم تثبت رواية.

(وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ) لإحصانها، وفي رواية مالكٍ والأكثر «إنَّما الرَّجم على امرأته» ، وفي رواية عَمرو بن شعيب «فأخبروني أنَّ ليس على ابني الرَّجم» .

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ) بتشديد النون للتَّأكيد (بَيْنَكُمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالجمع (بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، الْمِائَةُ شَاةٍ) على مذهب الكوفيين (وَالْخَادِمُ رَدٌّ) وفي الصُّلح [خ¦2695] «الوليدةٍ» ، ولا تنافي بينهما؛ لأنَّ الخادم يطلق على الذَّكر والأنثى، وفي رواية الكُشْمِيْهَني وكذا في رواية مالك. ولفظه (( أمَّا غنمك وجاريتُك فَرَدٌّ عليك ) )وفي رواية صالح بن كَيسان (( أمَّا الوليدة والغنم فرُدُّوها ) ). وفي رواية عَمرو بن شعيب (( أمَّا ما أعطيته فردٌّ عليك ) )والضَّمير في (( أعطيته ) )إمَّا للخصم أو للعطاء.

وقوله (( رد ) )من إطلاق المصدر على المفعول؛ أي مردودٌ كالخَلْقِ والنَّسْجِ، والمعنى أنَّه يجب ردُّ ذلك إليك، وفيه دليلٌ على أنَّ المأخوذ في العقود الفاسدة كما في هذا الصُّلح الفاسد لا يُمْلَكُ، بل يجبُ ردُّه على صاحِبه.

(وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية عَمرو بن شعيب (( وأمَّا ابنك فنجلده مئة، ونغرِّبه سنة ) )وفي رواية مالك وصالح بن كَيسان (( وجَلَد ابنَه وغَرَّبه عامًا ) )وهذا ظاهرٌ في أنَّ الَّذي صدر حينئذٍ حكمٌ لا فتوى، بخلاف رواية سفيان ومَن وافقه.

وقال النَّووي هو محمولٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم عَلِمَ أنَّ الابن كان بِكْرًا، وأنَّه اعترف

ج 28 ص 434

بالزِّنى، فإنَّ إقرار الأب عليه لا يقبل. ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه، والتَّقدير وعلى ابنك إن كان ابنك اعترف بالزِّنى جلد مئةٍ وتغريب عام.

والأوَّل أليق وأوجه؛ لأنَّه كان في مقام الحكم ولو كان في مقامِ الإفتاء لم يكن فيه إشكالٌ؛ لأنَّ التَّقدير إن كان زنى وهو بكرٌ، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، كما في الرِّواية الأخرى (( إنَّ ابني هذا ) )وسكوته على ما نُسِبَ إليه. وأمَّا العلم بكونه بكرًا فوَقَعَ صريحًا من كلام أبيه في رواية عَمرو بن شعيب، ولفظه (( كان ابني أجيرًا لامرأة هذا وابني لم يحصن ) )، وفيه التَّغريب للبكر الزَّاني. وبه تمسَّك الشَّافعيَّة خلافًا لأبي حنيفة، فلا يقول به؛ لأنَّ إيجابَه زيادةٌ على النَّصِّ، والزِّيادةُ على النَّصِّ بخبر الواحد نسخٌ، فلا يجوز.

(وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة، مصغَّر أنس، هو ابنُ الضَّحَّاك الأسلمي على الأصحِّ، وكانت المرأة أيضًا أسلميَّة كما ذهب إليه ابن عبد البر. وقال ابن السَّكن في كتاب «الصحابة» لا أدري من هو ولا وجدت له رواية، ولا ذِكْرًا إلَّا في هذا الحديث. وقيل ابن مرثد، وقيل ابن أبي مرثد، وهو غير صحيحٍ؛ لأنَّ أُنيس بن أبي مرثد صحابيٌّ مشهورٌ غَنوي، بالغين المعجمة والنون، لا أسلميٌّ، وهو بفتحتين والتصغير، وغلط أيضًا من زعم أنَّه أنس بن مالك؛ لأنَّه أنصاريٌّ لا أسلمي، ووقع في رواية شعيب وابن أبي ذئب (( وأمَّا أنتَ يا أُنيس لرجلٍ من أسلم فاغد ) )، وفي رواية مالك ويونس وصالح بن كَيسان «وأمر أُنيسًا الأسلمي أن يأتيَ امرأة الآخر» .

وفي رواية مَعْمر ثمَّ قال لرجلٍ من أسلم يقال له أنيس (( قم يا أنيس فسل امرأة هذا ) )وكلمة اغْدُ أمرٌ من غدا يغدو، وهو الذَّهاب والتَّوجُّه هنا، كما يطلق الرَّواح على ذلك، وليس المرادُ حقيقةَ الغدوِّ، وهو التَّأخير إلى أوَّل النَّهار، كما لا يُراد بالرَّواح التَّوجهُ نصف النَّهار.

وقد حكى القاضي عياض أنَّ بعضَهم استدلَّ به على جواز تأخير إقامة الحدِّ عند ضيق الوقت، واستضعفه بأنَّه ليس في الخبر أنَّ ذلك كان في آخر النهار.

(عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنى (فَارْجُمْهَا) وفي رواية يونس (( فأمر أُنَيْسًا الأسلميَّ أن يرجمَ امرأة الأجير إن اعترفت ) ).

(فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية اللَّيث (( فاعترفتْ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِمَت ) ). واختصره ابنُ أبي ذِئْب فقال (( فغدا عليها فرجمها ) )ونحوه في رواية صالح بن كيسان، ورواية اللَّيث أتمُّها؛ لأنَّها تشعر بأنَّ أنيسًا أعادَ جوابها على النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأمر حينئذٍ برجمها. فإن قيل حدُّ الزِّنى لا يثبتُ بالتَّجسس والاستكشاف عنه، فما وجهُ إرسال أنيسٍ إلى المرأة؟ أُجيب

ج 28 ص 435

بأنَّ المقصودَ منه إعلام المرأة بأنَّ هذا الرَّجل قذفها بابنه، فلها عليه حدُّ القذف، فتطالب به أو تعفو، لا أن تعترفَ بالزِّنى، فلا يجبُ عليه حدُّ القذف، بل عليها حدُّ الزِّنى وهو الرَّجم؛ لأنَّها كان محصنةً، فذهبَ إليها أُنيس، فاعترفتْ فأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِها فرُجِمَتْ.

قال النَّووي كذا أوَّلهَ العلماءُ من أصحابنا وغيرِهم، ولا بدَّ منه؛ لأنَّ ظاهِرَه أنَّه بُعِثَ لِطَلَبِ إقامةِ حدِّ الزِّنى، وهو غير مرادٍ؛ لأنَّ حدَّ الزِّنى لا يحتاط له بالتَّجسس والكشف عنه، بل يستحبُّ تلقين المقرِّ به؛ ليرجع كما تقدَّم في قصَّة ماعز.

وكان لقوله فإن اعترفت فارجمها مقابلًا؛ أي وإن أنكرت، فأعلمها أنَّ لها طلب حدِّ القذف، فحذف؛ لوجود الاحتمال، فلو أنكرت وطلبت لأجيبت.

وقد أخرج أبو داود والنَّسائي من طريق سعيد بن المسيَّب، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما «أنَّ رجلًا أقرَّ بأنَّه زنى بامرأةٍ، فجلدَه النَّبي صلى الله عليه وسلم مئة، ثمَّ سأل المرأة فقالت كذبَ فجلده حدَّ الفرية ثمانين» . وقد سكتَ عليه أبو داود، وصحَّحه الحاكم، واستنكره النَّسائي.

وفيه أنَّ مَن أقرَّ بالحدِّ وجبَ على الإمام إقامته عليه، ولو لم يعرف من شاركه في ذلك، وأن من قذفَ غيره لا يقام عليه الحدُّ إلَّا أن يَطلبه المقذوف خلافًا لابن أبي ليلى، فإنَّه قال يجب، ولو لم يطلب المقذوف.

وفي الاستدلال به نظرٌ؛ لأنَّ محلَّ الخلاف إذا كان المقذوف حاضرًا، وأمَّا إذا كان غائبًا كهذه، فالظاهر أنَّ التَّأخير لاستكشاف الحال فإن ثبتتْ في حقِّ المقذوف، فلا حدَّ على القاذف، كما في هذه القصَّة، فليُتَأمَّل.

وفي الحديث أنَّه يستحبُّ للقاضي أن يصبرَ على قول أحد الخصمين احكم بيننا بالحقِّ ونحوه إذا تعدَّى عليه خصمه.

ونظيرُ ذلك قوله تعالى حكايةً عن قول الخَصمين اللَّذين دخلا على داود عليه السلام {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ} [ص 22] . ويحتمل أن يكون ذلك على حدِّ قوله {قلْ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء 112] في أنَّ المرادَ التَّعريضُ بأنَّ خصمَه على الباطل، وأنَّ بالحكم بالحقِّ

ج 28 ص 436

سيظهر باطله.

وفيه حسنُ خُلُقِ النَّبي صلى الله عليه وسلم وحِلْمُهُ على من يخاطِبُه بما الأولى خلافُه، وأنَّ من تَأَسَّي به من الحُكَّام في ذلك يُحْمَدُ كمن لا يَنْزَعِجُ لقول الخصم مثلًا احكم بيننا بالحقِّ.

وفيه أنَّ حُسن الأدب في مخاطبة الكبير يقتضِي تقديم الاستئذان في الخصومة ولو كان المستأذن مسبوقًا. وأنَّ للإمام أن يأذنَ لمن شاء من الخصمين في الدَّعوى إذا جاءا معًا وأيقنَ أنَّ كلًّا منهما يدعي.

وفيه استحباب استئذان المدَّعي والمستفتي الحاكمَ والعالمَ في الكلام، ويتأكَّد ذلك إذا ظنَّ أنَّ له عذرًا. وفيه أنَّ السَّائل يذكر كلَّ ما وقع في القصَّة؛ لاحتمال أن يفهمَ المفتي أو الحاكم من ذلك ما يستدلُّ به على خصوص الحكم في ذلك في المسألة؛ لقول السَّائل (( إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا ) )وإنما هو جاء يسألُ عن حكم الزنى.

والسِّرُّ في ذلك أنَّه أرادَ أن يقيمَ لابنه معذرةً ما، وأنَّه لم يكن مشهورًا بالعُهرِ، ولم يهجم على المرأة مثلًا، ولا استكرهها، وإنَّما وقع له ذلك لطولِ الملازمة المقتضية لمزيد التَّأنيس، فيستفاد منه الحثُّ على إبعاد الأجنبيِّ من الأجنبيَّة مهما أمكنَ؛ لأنَّ العِشْرةَ قد تُفْضِي إلى الفساد، ويَتَسَوَّر بها الشَّيطانُ إلى الإِفْسَاد. وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، والرَّدُّ على من منع التَّابعي أن يفتيَ مع وجود الصَّحابي مثلًا. وفيه أنَّ الحدَّ لا يقبل الفداء وهو مُجْمَعٌ عليه في الزِّنى والسَّرقة وشرب المسكر، واختُلِفَ في القذف. فالصَّحيح أنَّه كغيره وإنَّما يجري الفداء في البَدَنِ كالقصاص في النَّفس والأطراف، وفيه أنَّ الصُّلح المبني على غير الشَّرع يُرَدُّ، ويعاد المال المأخوذ فيه. وقال ابن دقيق العيد وبذلك يتبيَّن عذر من اعتذر من الفقهاء عن نقض العقود الفاسدة بأنَّ المتعاوضين تراضيا، وأذن كلٌّ منهما للآخر في التَّصرُّف، والحقُّ أنَّ الإذن في التَّصرُّف مقيَّدٌ بالعقود الصَّحيحة.

وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحدِّ. قيل وفيه أنَّ حضورَ الإمام الرَّجم ليس شرطًا. وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أنَّ أُنَيسًا كان حاكمًا، وقد حضر بل باشر

ج 28 ص 437

الرَّجم؛ لظاهر قوله فرجمها. وفيه الاكتفاء في الاعتراف بالمَرْأَةِ الواحدة لأنَّه لم يُنْقَل أنَّ المرأةَ تَكَرَّر اعترافُها، وفيه نظرٌ،

وفيه الاكتفاء بالرَّجم من غير جلدٍ؛ لأنَّه لم يُنْقَل في قصَّتها أيضًا. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الفعل لا عمومَ له، فالتَّرك أولى، وفيه جواز استئجار الحرِّ، وجواز إجارة الأب ولده الصَّغير لمن يستخدمه إذا احتاج لذلك. وفيه أنَّ حال الزَّانيين إذا اختلفا أقيم على كلِّ واحدٍ حدَّهُ؛ لأنَّ العسيفَ جُلِدَ، والمرأةَ رُجِمَتْ، فكذا لو كان أحدُهما حرًّا، والآخر رقيقًا، وكذا لو زنى بالغ بصبية أو عاقلٌ بمجنونةٍ حُدَّ البالغُ والعاقلُ دونهما، وكذا عكسه، وفيه أنَّ من قذف ولده لا يُحَدُّ؛ لأنَّ الرَّجلَ قال ابني زنى، ولم يثبت عليه حدُّ القذف.

(قُلْتُ) القائل هو عليُّ بن المديني (لِسُفْيَانَ) هو ابنُ عيينة (لَمْ يَقُلْ) أي الرَّجل الذي قال إنَّ ابني كان عسيفًا في كلامه (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ؟ فَقَالَ) سفيان (أَشُكُّ فِيهَا) أي في سماعها، وفي رواية المُسْتَملي (مِنَ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (فَرُبَّمَا قُلْتُهَا، وَرُبَّمَا سَكَتُّ) عنها.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله (( فاعترفت ) ).

وقد مضى الحديث في الوكالة [خ¦2314] ، وفي الشروط [خ¦2724] ، وفي النذور [خ¦6633] ، وغير ذلك في مواضع كثيرة، وقد أخرجه بقية الجماعة.

[1] هو في أخبار الآحاد.

[2] في هامش الأصل بيضاوي.

[3] كذا في الأصل، ولعل الصواب وأخبروني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت