7 - (باب عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَ) حكم (عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابنُ كيسان الخولاني الهمداني (يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) روى هذا الأثرُ ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه لينٌ بلفظ (( يُجزئ عتقُ المدبَّر
ج 28 ص 188
في الكفَّارة، وأمِّ الولد في الظهار )) . وقد اختلف السَّلف في هذا الباب فوافق طاوسًا الحسن في المدبَّر، والنَّخعي في أم الولد، وخالف فيهما الزُّهري والشَّعبي وإبراهيم. وقال مالكٌ والأوزاعي لا يجزئ في الكفَّارة المدبَّر ولا أمُّ الولد ولا المكاتب ولا المعلَّق عتقه، وهو قول الكوفيين. وقال أبو حنيفة والأوزاعي إن كان المكاتب أدَّى شيئًا من كتابته فلا يجوز، وإلَّا جاز، وبه قال اللَّيث وأحمد وإسحاق. وقال الشَّافعي وأبو ثور يجوز عتق المدبَّر. وقال أبو ثور يجوز عتقُ المكاتب ما دام عليه شيءٌ من كتابته، وأمَّا عتق أمِّ الولد، فلا يجوز في الرِّقاب الواجبة عند أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأبي ثور، وعليه فقهاء الأمصار.
واحتجَّ لمالكٍ بأنَّ هؤلاء ثبت لهم عقد حريَّةٍ لا سبيل إلى رفعها، والواجب في الكفَّارة تحرير رقبة. وأجاب الشَّافعي بأنَّه لو كان في المدبَّر شعبةً من حريَّةٍ ما جاز بيعه، وأمَّا عتق ولد الزِّنى في الرِّقاب الواجبة. فقال ابنُ المُنيِّر لا أعلم مناسبةً بين عتق ولد الزِّنى، وبين ما أدخلَه في الباب إلَّا أن يكون المخالف في عتقه خالف ما تقدَّم ذكره، فاستدلَّ عليه بأنَّه لا قائلَ بالفصل.
ثمَّ قال ويظهر أنَّه لما جوَّز عتق المدبَّر واستدلَّ له ولم يأت في أمِّ الولد إلَّا بقول طاوس، ولا ولد الزِّنى بشيءٍ أشار إلى أنَّه قد تقدَّم الحث على عتقِ الرَّقبة المؤمنة، فيدخل ما ذكر بعده في العموم، بل في الخصوصِ؛ لأنَّ ولد الزِّنا مع إيمانه أفضل من الكافر، وقد روي جواز ذلك عن عمر وعلي وعائشة وجماعةٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيَّب والحسن وطاوس وأبو حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وقال عطاء والشَّعبي والنَّخعي والأوزاعي لا يجوز عتقه، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أنَّه شرُّ الثَّلاثة ) ).
وفيه أنَّه روي عن ابن عبَّاس وعائشة رضي الله عنهم إنكار ذلك حتَّى قالت عائشة رضي الله عنها ما عليه من ذنب أبويه شيءٌ، ثمَّ قرأت {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام 164] .
وقال الحافظ العسقلاني جاء المنع من ذلك في الحديث الَّذي
ج 28 ص 189
أخرجه البيهقي بسندٍ صحيحٍ عن الزُّهري أخبرني أبو حسن مولى عبد الله بن الحارث، وكان من أهل العلم والصَّلاح أنَّه سمع امرأةً تقول لعبد الله بن نوفل تستفتيه في غلامٍ لها ابن زنية تعتقه في رقبةٍ كانت عليها، فقال لا أراهُ يُجزئكِ، سمعت عمر رضي الله عنه يقول لأن أُحمل على نعلين في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أعتقَ ولد زنيةٍ أخرجه ابنُ أبي شيبة.
نعم، في «الموطأ» عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه أفتى بعتقِ ولد الزِّنا، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه أعتق ابنَ الزِّنا. وأخرجه ابنُ أبي شيبة والبيهقي بسندٍ صحيحٍ وزاد قد أمرنا الله أن نمنَّ على من هو شرٌّ منه قال الله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد 4] .
وقال الجمهورُ يُجزئ عتقه، وكرهه علي وابن عبَّاس وابن عَمرو بن العاص رضي الله عنهم أخرجه ابن أبي شيبة عنهم بأسانيد لينةٍ، والحجَّة للجمهور قوله تعالى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة 89] ، وقد صح ملك الحالف له فيصحُّ إعتاقه له، وقد أخرج ابنُ المنذر بسندٍ صحيحٍ عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنَّه سُئل عن ذلك فمنع. قال أبو الخير فسألنا فَضَالة بن عبيد رضي الله عنه فقال يغفرُ الله لعقبة، وهل هو إلَّا نسمة من النَّسم.