فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 11127

621 - (حَدَّثنَا أَحمَدُ بْنُ يُوْنسَ) نسبة إلى جدِّه؛ لشهرته به، واسم أبيه عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي الكوفي، وأحمد هذا هو المعروف بشيخِ الإسلام، وقد مرَّ في باب «من قال أنَّ الإيمان هو العمل» [خ¦26] .

(قَالَ حَدَّثَنا زُهَيٌر) هو ابنُ معاوية الجُعْفِيُّ، وقد مرَّ في باب «لا يستنجى بروث» [خ¦156] (قَالَ حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ) هو ابن طَرْخان (التَّيْمِيُّ) البصري، وقد مرَّ في باب «من خصَّ بالعلم قومًا» [خ¦129] .

(عَنْ أَبِيْ عُثْمُانَ) عبد الرحمن بن مَلٍّ (النَّهْدِي) بفتح النون، وقد مرَّ في باب «الصلاة كفَّارة» [خ¦526] (عَن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد ما بين كوفي وبصري، وفيه رواية تابعي عن تابعي سليمانُ وأبو عثمان. وفي رواية ابن خزيمة من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه حدثنا أبو عثمان.

وقال الحافظ العسقلاني ولم أرَ هذا الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في شيءٍ من الطُّرق إلا من رواية أبي عثمان عنه، ولا من رواية أبي عثمان إلَّا من رواية سليمان التَّيمي عنه، واشتهر عن سليمان. وله شاهد في «صحيح مسلم» من حديث سَمُرة بن جُنْدب رضي الله عنه.

ج 4 ص 56

وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الطَّلاق» [خ¦5298] ، و «خبر الواحد» [خ¦7247] أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في «الصوم» ، وابن ماجه في «الصلاة» .

(عَنْ النبِّي صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ لاَ يمنَعَنَّ أَحَدَكُمْ) بنصب «أحدَكم» على المفعولية (أَوْ) قال (أَحَدًا مِنْكُمْ) شكٌّ من الرَّاوي. وقال صاحب «التلويح» يَحتَمِل أن يكون هذا الشَّكُّ من زهير، فإنَّ جماعة رووه عن سليمان التَّيمي، فقالوا «لا يمنعنَّ أحدكم» ، بلا شك وكلاهما يُفيد العموم وإن اختلف الحيثيَّة، فالأول من جهة أنَّه اسم جنس مضاف، والثاني من جهة أنَّه نكرةٌ في سياق النفي.

وأمَّا الفرق بين الأحد والواحد؛ فمن جهة أنَّ أحدًا يرجع إلى الذَّات وواحدًا إلى الصِّفات.

(أَذَانُ بِلاَلٍ)

ج 4 ص 57

رضي الله عنه (مِنْ) أَكْل (سَحُورِهِ) بفتح السين، اسم لِمَا يُؤكَل وقت السَّحر، ويجوز بضم السين بمعنى التَّسحُّر كالوَضوء والوُضوء، وفي بعض النسخ . وقال محمود العيني لا أعلم صحَّته، ولم يذكره الحافظ العسقلاني.

(فَإِنَّهُ) أي فإن بلالًا رضي الله عنه (يُؤَذِّنُ _ أَوْ) قال (يُنَادِي _) شكٌّ من الراوي، ومعناهما واحدٌ (بِلَيلٍ) أي فيه (لِيَرْجِعَ) بفتح الياء وكسر الجيم، مضارع «رجع» المتعدِّي إلى واحدٍ، تقول رَجَعْتُ زيدًا كما تقول رجع زيد، كقوله تعالى {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} [التوبة 83] .

(قَائِمَكُمْ) بالنصب على المفعولية؛ أي ليردَّ قائمَكُم المتهجِّد إلى راحته؛ ليقوم لصلاة الصُّبح نشيطًا، أو ليتسحَّر إن أراد الصِّيام.

وقال الكرماني «ليرجع» إمَّا من الرجوع، وإمَّا من الرَّجع، و «قائمُكم» مرفوع أو منصوب، فافهم.

(ولِيُنَبِّهَ) من التَّنبيه (نَائِمَكُم) وقال الكرماني وفي بعض النسخ من الانتباه، فحينئذٍ يكون قوله «نائمُكم» ، مرفوعًا، ولم يبين أنَّهما رواية أم لا، والظَّاهر أنه تصرُّف من جهة المعنى، هذا والمعنى وليوقظ نائمكم؛ ليتأهَّب للصبح بفعل ما أراده من تهجُّد أو تسحُّر، أو اغتسال، أو لإتيان وتران نام عنها.

(ولَيْسَ) أي قال صلى الله عليه وسلم «وليس» . وفي رواية (أَنْ يَقُولَ) بالمثناة التحتية؛ أي يظهر، أطلقَ القول على الفعل، وهو الظُّهور، وهو خبر «ليس» ، واسمه قوله (الفَجْرُ _ أَو الصَّبحُ _) شكٌّ من الراوي (وقَالَ) أي أشار صلى الله عليه وسلم (بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا) وفي رواية وقال الكرماني، ويروى ، ولم يذكره غيره.

(إِلَى فَوْقُ) بالضم على البناء على نيِّة الإضافة، وبالجر مُنَونًا على عدم نيتها، وهكذا حكم الأسفل، لكنه غير منصرفٍ فجرَّه بالفتح، وقد قُرئ بهما قوله تعالى {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم 4] .

(وَطَأْطَأَ) على وزن دَحرج؛ أي خفض أُصبعيه (إِلَى أَسْفَلُ) بضم اللام على البناء أو بالجر، وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى الفجر الكاذب المسمَّى عند العرب بذَنَب السِّرْحان، وهو الضوء المستطيل من العلو إلى السُّفْل، وهو من الليل فلا يدخل به وقت الصبح، ويجوز فيه التَّسحُّر، ثم أشار إلى الفجر الصَّادق بقوله

(حَتَّى يَقُولَ) أي يظهر (هَكَذَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ) الجعفي في تفسير معنى «هكذا» ؛ أي أشار (بِسَبَّابَتَيْهِ) اللَّتين تليان الإبهام، سمِّيت بذلك؛ لأن النَّاس يشيرون بها عند الشَّتم والسبِّ، ويقال لها المُسبِّحة أيضًا (إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهَما) بالتَّثنية، ويروى (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ) وكأنه جمع بين أصبعيه، ثمَّ فرقهما؛ ليحكي صفة الفجر الصَّادق؛ لأن يطلع معترضًا، ثمَّ يعم الأفق يمينًا وشمالًا، بخلاف الفجر الكاذب، فإنَّه يظهر في أعلى السَّماء ثمَّ ينخفض، وإلى ذلك

ج 4 ص 58

أشار بقوله «رفع» و «طأطأ» .

وفي «صحيح مسلم» قال صلى الله عليه وسلم (( صفة الفجر ليس أن يقول هكذا، وصوَّب بيده، ورفعها حتى يقول هكذا، وفرَّج بين أصبعيه ) )، وفي الرواية الأخرى (( إنَّ الفجر ليس الذي يقول هكذا _ وجمع أصابعه ثم نكَسَها إلى الأرض _ ولكن الذي يقول هكذا _ ووضع المسبِّحة على المسبِّحة ومدَّ يديه _ ) ).

والحاصل أنَّ الصبح على نوعين كاذب، وصادق. والكاذب هو الضَّوء المستطيل من العلو إلى السُّفل، والصَّادق هو المعترض المستطير في اليمين والشمال، والفجر المعتَبر في الشرع ليس هو الأول، بل هو الثاني.

وفي الحديث مشروعيَّة الأذان قبل الفجر إلَّا أنَّه ليس للصلاة، بل ليرجع القائم، وليوقظ النائم، ويُستفاد منه بطريق الإشارة كما يُستفاد من الحديث الآتي [خ¦623] تصريحًا أنَّه لا يُكتفى به، بل يعاد بعد الفجر، وبه قال أبو حنيفة. يعني أنه قال لا بدَّ من أذان آخر كما فعل ابنُ أمِّ مكتوم، وذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم إلى أنه يكتفى به ولا يعاد.

وقال أبو الفتح القشيري الذين قالوا بمشروعيَّة الأذان للصبح قبل دخول الوقت اختلفوا في وقته، فذكر بعض الشَّافعيَّة أنه يكون في وقت السَّحر. قال ويكره التَّقديم على ذلك الوقت، وعند البعض يؤذِّن عند انقضاء وقت صلاة العتمة من نصف اللَّيل، وقيل عند ثلث اللَّيل، وقيل عند سدسه الآخر. وقال أبو يوسف وأحمد ومالك في قول الجوازُ من نصف اللَّيل، وهو الأصح من أقوال أصحاب الشَّافعي.

والقول الثاني عند طلوع الفجر في السَّحر. قال النووي وبه قطع البغويُّ، وصحَّحه القاضي حسين والمتولِّي.

والقول الثالث يؤذَّن لها في الشِّتاء لسُبُعٍ يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع يبقى.

والرابع من ثلث الليل آخر الوقت المختار.

والخامس جميعُ الليل وقتٌ لأذان الصبح، حكاه إمام الحرمين. وقال ولولا حكاية أبي علي له وأنَّه لم يَنْقل إلا ما صحَّ عنده لَمَا استجزت نقله، وكيف يَحسُن الدُّعاء لصلاة الصبح في وقت الدُّعاء للمغرب، والسرف في كلِّ شيء يُطرَح، وأما «السُّبع» و «نصف السُّبع» فحديث باطلٌ عند أهل الحديث، وإنما رواه الشَّافعي عن بعض أصحابه، عن الأعرج، عن إبراهيم بن محمد، عن عُمَارة، عن أبيه، عن جدِّه، عن سعيد [1] القرظ، وهو مخالفٌ لمذهبه، فإنَّه قال كان أذاننا في الشتاء لسُبُع ونصف سُبع يبقى من اللَّيل، وفي الصَّيف لسُبْع يبقى منه.

وقال الحافظ العسقلاني ادَّعى بعض الحنفية _ كما حكاه السروجي منهم _ أنَّ النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا أو تسحيرًا كما يقع للناس اليوم، وهذا مردودٌ؛ لأن الذي يصنعه الناس اليوم مُحْدَثٌ قطعًا، وقد تظافرت الطُّرق على التَّعبير بلفظ الأذان، فحَمْلُه على معناه الشَّرعي مقدَّم، ولأنَّ الأذان الأوَّل لو كان بألفاظٍ مخصوصةٍ

ج 4 ص 59

لما التبسَ على السَّامعين، وسياق الخبر يقتضي أنَّه خشي عليهم الالتباس عليهم، وقد قال (( لا يغرَّنَّكم أذان بلال ) )، وجعل أذان ابن أم مكتوم هو الأصل. وادَّعى ابن القطَّان أن ذلك كان في رمضان خاصَّة. وفيه نظر.

وفي الحديث أيضًا بيان الفجر الكاذب والصَّادق. وفيه زيادة الإيضاح بالإشارة تأكيدًا.

وقال المهلَّب ويؤخذ منه أنَّ الإشارة أقوى من الكلام، فافهم.

تنبيه قال ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث بعدم الاكتفاء، كما قال أبو حنيفة رحمه الله، وكذا قال به الغزالي في «الإحياء» . وادَّعى بعضهم أنه لم يردْ في شيء من الحديث ما يدلُّ على الاكتفاء، وتعقِّب بحديث الباب.

وأُجيب بأنه مسكوتٌ عنه فلا يدلُّ عليه، وعلى التنزُّل، فمحلُّه ما إذا لم يَرِدْ نصٌّ بخلافه، وهنا قد ورد حديثُ ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما بما يُشعِر بعدم الاكتفاء، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في إيراد البخاري لحديثهما في هذا الباب عقب حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

نعم حديث زياد بن الحارث عند أبي داود يدلُّ على الاكتفاء، فإنَّ فيه أنه أذَّن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أستأذنه في الإقامة، فمنعه إلى أن يطلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسنادهِ ضعف، وأيضًا فهي واقعة عينٍ وكانت في سفر. ومن ثمَّة قال القرطبيُّ إنه مذهبٌ واضحٌ، غيرَ أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه، انتهى.

فلم يردَّه إلا بالعمل على قاعدة المالكيَّة.

[1] كذا في عمدة القاري أيضًا وهو تصحيح وصوابه «سعد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت