3 - (باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ) بفتح الحاء وكسرها وسكون الجيم، واحد الحجور ومحله نصبٌ على الحال، وكلمة في بمعنى على، كما في قوله تعالى {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه 71] ؛ أي متكئًا أو واضعًا رأسه على حجر (امْرَأَتِهِ وَهْي حَائِضٌ) جملةٌ اسميةٌ وقعت حالًا.
(وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسدي، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره روى عن كثيرٍ من الصحابة، وهو التابعي المشهور، قال يحيى بن معين ثقةٌ لا يسأل عن مثله.
وقال الواقدي مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد تقدم أيضًا في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله [خ¦48] ، وأثره هذا قد وصله ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح قال حدثنا جرير، عن معتمر كان أبو وائل (يُرْسِلُ) من الإرسال (خَادِمَهُ) الخادم اسمٌ لمن يخدم غيره يطلق على الذكر والأنثى، فلذلك قال (وَهْيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ) بفتح الراء وكسر الزاي، مسعود بن مالك الأسدي الكوفي مولى أبي وائل التابعي (فَتَأْتِيهِ) وفي رواية(بِالْمُصْحَفِ،
ج 2 ص 499
فَتُمْسِكُهُ بِعِلاَقَتِهِ)بكسر العين؛ أي الخيط الذي يُربط ويُعَلَّق به كيسُه، وكذلك علاقة السيف ونحو ذلك، فيستنبط من هذا الأثر جواز حمْلِ الحائض المصحفَ بعِلاقته، وكذلك الجنب.
وممن أجاز ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعطاء، والحسن البصري، ومجاهد، وطاوس، وأبو وائل، وأبو رزين، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشعبي، والقاسم بن محمد.
وقال ابن بطال ورخَّص في حمله الحاكم، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وأهل الظاهر، ومنع الحاكم مسه بباطن الكف خاصَّة.
وقال ابن حزمٍ وقراءة القرآن ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائزٌ كل ذلك بوضوءٍ وبلا وضوءٍ، وللجنب والحائض، وهو قول ربيعة، وسعيد بن المسيَّب، وابن جبير، وابن عباسٍ وداود، أما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منهما شيءٌ؛ لأنها إما مرسلة، وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهولٍ، وإما عن ضعيفٍ.
والصحيح عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه قوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران 64] الآية، فهذا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد بعث كتابًا فيه قرآن إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسونه، فإن ذكروا حديث ابن عمر رضي الله عنهما نهى أن يُسَافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافةَ أن يناله العدوُّ. قلنا هذا حقٌ يلزم اتباعه، وليس فيه لا يمس المصحف جنبٌ ولا كافرٌ، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط وإن قالوا إنما بعث إلى هرقل بآيةٍ واحدة؟ قيل لهم ولم يمنع من غيرها يقال لهم فأنتم أهل قياس، فقيسوا، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها.
وإن ذكروا قوله تعالى {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة 79] . قلنا لا حجة فيه؛ لأنه ليس أمرًا، وإنما هو خبرٌ، والرب تعالى لا يقول إلا حقًا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنصٍّ جليٍّ أو إجماع متيقن، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر، علمنا أنه لم يعن المصحف، وإنما عنى تعالى كتابًا آخر عنده، كما جاء عن سعيد بن جبير في هذه الآية هم الملائكة الذين في السماء، وكان علقمة إذا أراد أن يتخذ مصحفًا أمر نصرانيًا بنسخه له.
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعِلاقته، وغير المتوضئ عنده كذلك،
ج 2 ص 500
وأبى ذلك مالك إلا إن كان في خُرجٍ أو تابوتٍ فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني.
قال أبو محمد وهذه تفاريق لا دليل على صحتها. انتهى كلامه.
وتعقَّبه محمود العيني بأن قوله فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه ... إلى آخره ليس كذلك، فإن أكثر الآثار في ذلك صحاح.
منها ما رواه الدارقطني في (( سننه ) )بسندٍ صحيحٍ متصل عن أنس رضي الله عنه «خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه متقلدًا السيف، فدخل على أخته وزوجها خباب وهم يقرءون سورة طه فقال أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرأه فقالت له أخته إنك رجسٌ ولا يمسه إلا المطهرون، فقم واغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ ثمَّ أخذ الكتاب» .
والعجب من أبي عمر بن عبد البر، إذ ذكره من (( سير ابن إسحاق ) )وقال هو معطل، وتبعه على ذلك أبو الفتح القشيري، وهذا أعحب منه، وقال السهيلي هو من أحاديث السِّيَر.
ومنها ما رواه الدارقطني أيضًا بسندٍ صحيحٍ من حديث سالم، يحدث عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ ) )، ولمَّا ذكره الجوزقاني في كتابه قال هذا حديثٌ مشهورٌ حسن.
ومنها ما رواه الدارقطني أيضًا من حديث الزهري، عن أبي بكرٍ بن محمد بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه (( لا يمس القرآن إلا طاهر ) ).
ورواه في (( الغرائب ) )من حديث إسحاق الطباع، عن مالك مسندًا، وأخرجه الطبراني في (( الكبير ) )وابن عبد البر، والبيهقي في (( الشعب ) ).
وقد وردت أحاديث كثيرة تمنع قراءة القرآن للجنب والحائض، منها حديث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن، وهو جنبٌ، قال أبو عمر رويناه من وجوهٍ صحاح، ومنها حديث عمر بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي رضي الله عنه يرفعه (( لا يحجبه عن قراءة القرآن شيءٌ إلا الجنابة ) )صححه جماعةٌ منهم ابن خزيمة وابن حبان، وأبو علي الطوسي والترمذي والحاكم والبغوي في (( شرح السنة ) )وفي (( سؤالات الميموني ) )، قال شعبة (ليس أحدٌ يحدث بحديثٍ أجود من كذا) .
وفي (( كامل ) )ابن عدي عنه لم يرو عمرو أحسن من هذا، وكان شعبة يقول هو ثلث رأس مالي، وأخرجه ابن الجارود في (( المنتقى ) )، وزاد ابن حبان قد يتوهم غير المتبحر في الحديث أن حديث عائشة رضي الله عنها «كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه» يعارض هذا، وليس كذلك؛ لأنها
ج 2 ص 501
أرادت الذكر الذي هو غير القرآن، أو القرآن، وكان لا يقرأ وهو جنب، ويقرأ في سائر الأحوال، ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تقرأ الحُيَّضُ ولا الجنب ولا النفساء شيئًا من القرآن ) )، رواه الدارقطني، ثمَّ البيهقي، وقال إسناده صحيح.
ومنها حديث أبي موسى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا علي، لا تقرأ القرآن وأنت جنب ) )رواه الدارقطني، وعن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة في (( مصنفَّه ) )بسندٍ لا بأس به، وإبراهيم لا يقرأ الجنب، وعن الشعبي وأبي وائل مثله بزيادة والحائض.
والجواب عن الكتاب إلى هرقل أنه كان لمصلحة الإبلاغ والإنذار، وأنه لم يقصد به التلاوة، وأما الجواب عن الآية فهو أن تخصيص الملائكة من بين سائر المطهرين خلاف الأصل على أن الملائكة كلَّهم مطهَّرون، والمس والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم دون الجميع.
ثمَّ إن مطابقة هذا الأثر للترجمة على ما قاله صاحب (( التلويح ) )، وتبعه صاحب (( التوضيح ) )من جهة أنه لما ذكر المؤلِّف رحمه الله حَمْلَ الحائض العِلاقة التي فيها المصحف نَظَّرَها بمن يحفظ القرآن فهو حامله؛ لأنه في جوفه، كما روي عن سعيد بن المسيَّب وسعيد بن جبير هو في جوفه.
ولما قرأ ابن عباس رضي الله عنهما ورقة وهو جنب قال في جوفي أكثر من هذا، فنَزَّلَ ثيابَ الحائض بمنزلة العِلاقة، وقراءةَ الرجلِ بمنزلة المصحف؛ لكونه في جوفه.
وتعقَّبه محمود العيني بأنه في غاية البعد؛ لأن بين قراءة الرجل في حجر امرأته، وبين حمل الحائض المصحف بعِلاقته بونًا بعيدًا من الجهة التي ذكرت؛ لأن قوله (نَظَّرها) إما تشبيه، وإما قياس، فإن أراد به التشبيه، وهو تشبيه محسوس بمعقول فلا وجه للتشبيه، وإن أراد به القياس، فشروطه غير موجودة فيه.
ويمكن أن يقال وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كلٍّ منهما، فكما يجوز قراءة الرجل في حجر الحائض، فكذلك يجوز حمل الحائض المصحف بعِلاقته، وفيه ما فيه، فليتأمل.