2753 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} . قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ) قال (كَلِمَةً نَحْوَهَا) شكٌّ من الرَّاوي (اشْتَرُوا) أمر من الاشتراء (أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي لا أبعد عنكم شيئًا من العذاب بدل رحمة الله أو طاعته، وإنَّما يبعد عنكم ذلك رحمة الله أو طاعته، فمعنى أُغْنِي أُبْعِدُ. قال المطرزيُّ يقال أغن عنِّي كذا؛ أي نحِّه عنِّي.
(يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) يجوز في يا عبَّاس، ويا صفيَّة، ويا فاطمة الضم والنصب، كما عرف في موضعه.
(لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله ويا صفيَّة ويا فاطمة فإنَّه سوَّى صلى الله عليه وسلم في ذلك بين عشيرته فعمَّهم أوَّلًا ثمَّ خصَّ بعض البطون، ثمَّ ذكر عمَّه العبَّاس، وعمَّته صفيَّة، وابنته فاطمة فدلَّ على دخول النِّساء في الأقارب، وعلى دخول الفروع أيضًا، وعلى عدم التَّخصيص بمَن يرث ولا بمن كان مسلمًا.
ويحتمل أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة للعشيرة، والمراد بعشيرته قومه، وهم قريش. وقد روى ابن مردويه من حديث عديٍّ بن حاتم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 13 ص 63
ذكر قريشًا، فقال {وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} يعني قومه، فعلى هذا، يكون قد أمر بإنذار قومه، فلا يختصُّ ذلك بالأقرب منهم دون الأبعد، فلا حجَّة فيه لمسألة الوقف؛ لأنَّ صورتها ما إذا وقف على قرابته، أو على أقرب النَّاس إليه، والآية تتعلَّق بإنذار العشيرة فافترقا. هذا وقال ابن المنيِّر لعلَّه كان هناك قرينة فهم بها النَّبي صلى الله عليه وسلم فعمَّم الإنذار. انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون أوَّلًا خصَّ اتباعًا لظاهر القرابة، ثمَّ عمَّ لما عنده من الدَّليل على التَّعميم لكونه أرسل إلى النَّاس كافَّة، وقد مرَّ في أوَّل الباب السَّابق [خ¦2752 قبل] ذكر الأقوال الكائنة في المراد من الأقارب.
وذكر الطَّحاوي أنَّ الصَّحيح من الأقوال هو القول الذي ذهب إليه مالك والشَّافعي وأحمد، وأبطل بقيَّة الأقوال، وصرَّح ببطلان ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، وما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، فهذا الذي سلكه هو طريق المجتهدين المستنبطين للأحكام من الكتاب والسُّنة، فلذلك ترك تقليده لأبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة.
ثمَّ إنَّه قد نقل صاحب «التلويح» عن الإسماعيلي أنَّه قال حديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرسلان؛ لأنَّ الآية نزلت بمكَّة وابن عبَّاس رضي الله عنهما كان صغيرًا وأبو هريرة رضي الله عنه أسلم بالمدينة.
وأُجيب عنه بأنَّه يمكن أن يكونا سمعا من النَّبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي آخر، فتأمَّل، ثم إنَّ الإجماع قام على أنَّ اسم الولد يقع على البنين والبنات، وأنَّ النِّساء التي من صلبه وعصبته كالابنة والأخت والعمَّة يدخلن في الأقارب إذا وقف على أقاربه، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وسلم خصَّ عمَّته بالنَّذارة كما خصَّ ابنته، وكذلك من كان في معناهما ممَّن يجمعه وإيَّاه أب واحد هكذا قال العينيُّ.
وقد ناقض نفسه في ذلك حيث قال في أوَّل الباب السَّابق ولا يدخل الوالدان والولد، فافهم.
وروى أشهب عن مالك أنَّ الأم لا تدخل، وقال ابن القاسم تدخل الأمُّ في ذلك، ولا تدخل الأخوات لأمٍّ.
ج 13 ص 64
واختلفوا في ولد البنات وولد العمَّات ممَّن لا يجتمع مع الموصي في أب واحد هل يدخلون بالقرابة أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشَّافعي إذا وقف وقفًا على ولده دخل فيه ولد ولده، وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات.
والقرابة عند أبي حنيفة كلُّ ذي رحم محرم، فسقط عنده ابن العمِّ والعمَّة وابن الخال والخالة؛ لأنَّهم ليسوا بمحرمين. والقرابة عند الشَّافعي كلَّ ذي رحم محرم وغيره، ولم يسقط عنده ابن العمِّ ولا غيره.
وقال صاحب «التوضيح» صحَّح أصحابه أنَّه لا يدخل في القرابة الأصول والفروع، ويدخل كلُّ قرابة وإن بعد، وقال مالك لا يدخل في ذلك ولد البنات.
وقوله لقرابتي وعَقِبِي، كقوله لولدي، وقوله لولدي، يدخل فيه ولد البنتين، ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه ولا يدخل ولد البنات.
وحجَّة من أدخل ولد البنت قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ ابني هذا سيِّد ) )في الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، وقال تعالى {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات 13] والتولُّد من جهة الأمِّ كالتَّولُّد من جهة الأب، وقد دلَّ القرآن على ذلك، قال تعالى {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} إلى أن قال {وَعِيسَى} [الأنعام 84] فجعل عيسى من ذرِّيته، وهو ابن بنته، ولم يفرِّق في الاسم بين ابنه وبين بنته.
وأجيب عنه بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما سمَّى الحسن ابنًا على وجه التَّحنن، وأبوه في الحقيقة عليٌّ رضي الله عنه، وإليه نسبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في العبَّاس رضي الله عنه (( اتركوا لي أبي ) )وهو عمُّه، وعيسى عليه السَّلام جرى عليه اسم الذُّريَّة على طريق الاتِّساع، والله تعالى أعلم.
(تَابَعَهُ) أي تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالغين المعجمة، هو ابن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهبٍ (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، عن ابن المسيَّب وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه {وَأَنذِر عَشِيَرتَكَ الأَقْرَبِينَ} الحديث، وهذه المتابعة
ج 13 ص 65
أخرجها مسلم.