14 - (بابُ) حكم (أَجْرِ السَّمْسَرَةِ) هو مصدر بمعنى الدَّلالة، والسِّمسار _ بكسر السين المهملة _ الدلَّال، وهو الذي يعرض متاع الغير على البيع، وقيل السَّمسرة أن يبيع الرَّجل من الحاضرة للقادمة ما يجلبونه، وهو الذي قيل في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يبيع حاضر لباد ) )يعني أنَّه لا يكون سمسارًا ومنه كان أبو حنيفة يكره السَّمسرة.
(وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) هو محمد إمام التَّعبير (وَعَطَاءٌ) هو ابنُ رباح (وَإِبْرَاهِيمُ) أي النَّخعيُّ (وَالْحَسَنُ) أي البصريُّ (بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا) أمَّا تعليق ابن سيرين وإبراهيم قد وصله ابن أبي شيبة قال حدَّثنا حفص عن أشعث عن الحكم وحمَّاد عن إبراهيم ومحمد بن سيرين قالا لا بأس بأجر السِّمسار إذا اشترى يدًا بيد.
وأمَّا تعليق عطاء فقد وصله ابن أبي شيبة أيضًا قال حدَّثنا وكيع حدَّثنا ليث أبو عبد العزيز قال سألت عطاء
ج 10 ص 511
عن السَّمسرة فقال لا بأس لها.
وأمَّا تعليق الحسن فلم نقف على من وصله، وقال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّ المصنِّف أشار إلى الرَّد على من كرهها، وقد نقله ابن المنذر عن الكوفيِّين، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ البخاري لم يقصد بهذا الرَّد على أحدٍ، وإنَّما نقل عن هؤلاء المذكورين أنَّهم لا يرون بأسًا بالسَّمسرة، وطريقة الرَّد لا تكون هكذا.
وفي هذا الباب اختلاف العلماء فقال مالكٌ يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا بيَّن لذلك أجلًا، قال وكذلك إذا قال له بع هذا الثَّوب ولك درهمٌ أنَّه جائز وإن لم يوقت له ثمنًا، وكذلك إن جعل له في كلِّ مائة دينارٍ شيئًا وهو الجُعْل.
وقال أحمد لا بأس أن يعطيه من الألف شيئًا معلومًا، وذكر ابن المنذر عن حماد والثَّوري أنَّهما كرها أجره. وقال أبو حنيفة إن دفع له ألف درهمٍ يشتري بها بزًا بأجر عشر دراهم فهو فاسدٌ، وكذلك لو قال اشتر مائة ثوبٍ فهو فاسدٌ فإن اشترى له أجر مثله، ولا يجاوز ما سمى من الأجر. وقال أبو ثور إذا جعل له في كلِّ ألفٍ شيئًا معلومًا لم يجز لأنَّ ذلك غير معلومٍ فإن عمل على ذلك فله أجر مثله، وقال ابن التِّين أجرة السِّمسار ضربان إجارة وجُعَالة فالأوَّل يكون مدَّة معلومة فيجتهد في بيعه فإن باع قبل ذلك أخذ بحسابه، وإن انقضى الأجل أخذ كامل الأجرة. والثَّاني لا يضرب فيها آجال هذا هو المشهور من المذهب.
ولكن لا تكون الإجارة والجُعَالة إلَّا معلومين، ولا يستحقُّ في الجُعَالة شيئًا إلَّا بتمام العمل، وهو البيع والجُعَالة الصَّحيحة أن يسمَّى له ثمنًا إن بلغه ما باع أو يفوض إليه، فإن بلغ القيمة باع، وإن قال الجاعل لا تبع إلَّا بأمري فهو فاسدٌ.
وقال أبو عبد الملك أجرة السِّمسار محمولةٌ على العرف يقلُّ عن قومٍ ويكثر عن قومٍ لكن جُوِّزَتْ لِمَا مضى من عمل النَّاس عليه على أنَّها مجهولةٌ قال ومثل ذلك أجرة الحجام.
وقال ابن التِّين وهذا الذي ذكره غير جارٍ على أصول مالك وإنَّما يجوز من ذلك
ج 10 ص 512
عنده ما كان ثمنه معلومًا لا غرر فيه.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ) أحدٌ لغيره (بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ) هذا التَّعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه.
وهذه أجرة سمسرة أيضًا لكنَّها مجهولة، ولذلك لم يجزها الجمهور، وممَّن كرهها الثَّوري والكوفيون، وقال الشَّافعي ومالك لا يجوز فإن باع على كذا فله أجر مثله، وحمل بعضهم إجازة ابن عبَّاس رضي الله عنهما على أنَّه أجراه مجرى المقارض وبذلك أجاب أحمد وإسحاق وقالا هو من باب القراض، وقد لا يربح المقارض.
ونقل ابن المنيِّر أنَّ بعضهم شرط في جوازه أن يعلم النَّاس في ذلك الوقت أنَّ ثمن السِّلعة يساوي أكثر ممَّا سُمِّي له، وتعقَّبه بأنَّ الجهل بمقدار الأجرة باقٍ.
(وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا قَالَ بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ) وهذا التَّعليق أيضًا وصله ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن ابن سيرين، وهذا أشبه بصورة المقارض من السِّمسار.
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ) ويُرْوَى أي شروطهم الجائزة شرعًا هذا أحد الأحاديث التي لم يوصلها المصنف في مكانٍ آخر.
وقد جاء من حديث عمرو بن عوف المزنيِّ وأبي هريرة رضي الله عنهما، أمَّا حديث عمرو بن عوف فأخرجه إسحاق في «مسنده» من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا بلفظه وزاد (( إلَّا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا ) )وكثير بن عبد الله ضعيفٌ عند الأكثرين لكن البخاري ومن تبعه كالتِّرمذي وابن خزيمة يقعرون أمره.
وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فوصله أحمد وأبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح بالموحدة عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظه أيضًا دون زيادة كثير، وزاد بدلها (( والصلح جائزٌ بين النَّاس ) )، وهذه الزِّيادة أخرجها الدَّارقطني والحاكم من طريق أبي رافعٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه. وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء بلغنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( المؤمنون
ج 10 ص 513
عند شروطهم )) وروى الدَّارقطنيُّ والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها مثله وزاد (( ما وافق الحق ) ).
ثمَّ إنَّه قد ظنَّ ابن التِّين أنَّ قوله وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( المسلمون على شروطهم ) )بقية كلام ابن سِيرين فشرح على ذلك فوهم، وقد تعقَّبه القُطْبُ الحلبيُّ ومَنْ تبعه، والله أعلم.