5 - (باب قَولِهِ) تعالى، وليس في بعض النُّسخ لفظ ( {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} ) أي وكما ذكر من إهلاك الأمم السَّالفة {أَخْذُ رَبِّكَ} ففيه تشبيه الأخذ المستقبل بالأخذ الماضي ( {إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} ) أي أهلها، وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ (( أَخَذ ) )بفتحتين في الأوَّل كالثَّاني.
( {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} ) جملة حالية ( {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} ) أي وجيع شديد، وهذا تحذيرٌ من وخامة الذَّنب والظُّلم كفرًا كان أو غيره، لغيره أو لنفسه، ولكلِّ أهل قرية ظالمة ( {الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} الْعَوْنُ الْمُعِينُ، رَفَدْتُهُ أَعَنْتُهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود 99] وفسَّر {الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} بقوله «العون المعين» ، وهو تفسير
ج 20 ص 19
أبي عُبيدة، قال {الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} العون المعين، يُقال رفدتُه عند الأمير؛ أي أعنتُه. وقال الزَّمخشري أي بئس العون المعان على صيغة اسم المفعول، وكذا وقع في بعض النُّسخ، والمشهور بلفظ «المعين» ، على لفظ اسم الفاعل.
قال في «المصابيح» وفيه نظرٌ، وقال البرماويُّ والوجه المعان، ثمَّ وجهه كالكرماني بأن يُقال الفاعل فيه بمعنى المفعول، أو هو من باب ذي كذا؛ أي عون ذي إعانة. وقوله «رفدتُه أعنتُه» ، إشارة إلى معنى الرفد هنا العون، يُقال رفدت فلانًا؛ أي أعنته، وقال مُجاهد رُفِدوا يوم القيامة بلعنة أخرى.
( {تَرْكَنُوا} تَمِيلُوا) أشار به إلى قوله عزَّ وجلَّ {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود 113] وفسَّر قوله {تَرْكَنُوا} بقوله «تميلوا» وأصل الرُّكون أدنى الميل كالتزيي بزيِّهم، وتعظيم ذكرهم. قال أبو عُبيدة أي لا تعدلوا إليهم ولا تميلوا، يُقال ركنت إلى قولك؛ أي أردته، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا تركنوا إلى الذين ظلموا في المحبَّة ولين الكلام والمودَّة، وعن مجاهد لا تُداهنوا الظَّلمة. وعن أبي العالية لا ترضوا بأعمالهم، وكذا رواه عبد بن حميد من طريق الرَّبيع بن أنس، فمن استعان بظالم فكأنَّه قد رضي بفعله، وإذا كان في الرُّكون إلى من وجد فيه ما يُسمَّى ظلمًا هذا الوعيد الشَّديد، فما ظنُّك بالرُّكون إلى الموسومين بالظُّلم، ثمَّ بالميل إليهم، ثمَّ بالظُّلم نفسه والانهماك فيه، أعاذنا الله تعالى من كلِّ مكروه بمنِّه وكرمه.
( {فَلَوْلاَ كَانَ} فَهَلاَّ كَانَ) أشار به إلى قوله تعالى {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ} [هود 116] ثمَّ قال معناه «فهلَّا كان» ، وهو قول أبي عُبيدة قال في قوله {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ} مجازه فهلا كان من القرون، وهكذا فسَّره الزَّمخشري، ثمَّ قال وحكوا عن الخليل كلُّ لولا في القرآن فمعناها هلا إلَّا التي في الصَّافات، وما صحَّت هذه الحكاية ففي غير الصَّافات {لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ} [القلم 49] {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ} [الفتح 25] {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء 74] وروى عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتادة في قوله {فَلَوْلاَ} قال في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ، وكلمة (هلا) للتَّحضيض، وسقط في رواية أبي ذرٍّ من < {تَرْكَنُوا} > إلى هنا.
( {أُتْرِفُوا} أُهْلِكُوا) أشار به إلى قوله تعالى {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود 116] وفسَّر {أُتْرِفُوا} بقوله «أُهلكوا» على البناء للمفعول فيهما، وهو تفسير باللَّازم؛ لأنَّ معنى الإتراف
ج 20 ص 20
التَّنعيم، فلعلَّه أراد به أنَّهم أُهلكوا بسبب هذا الإتراف الذي أطغاهم؛ أي كان الترف سببًا لإهلاكهم، وقد ورد في الدُّعاء (( هبْ لنا غنى لا يُطغينا ) ). وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} [هود 116] أي ما تجبروا وتكبروا عن أمرِ الله وصدُّوا عنه.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ) أشار به إلى قوله تعالى {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود 106] أي للذين شُقوا في النَّار زفير وشهيق. وقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما الزَّفير صوتٌ شديد، والشَّهيق صوتٌ ضعيف، وفي التَّفسير الزَّفير والشَّهيق من أصوات المكروبين المحزونين، وحُكي عن أهل اللُّغة أنَّ الزَّفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنَّهيق، والشَّهيق بمنزلة آخر صوته.
وقال بعضهم الزَّفير زفير الحمار، والشَّهيق شهيق البغال، وقيل الزَّفير ضدُّ الشَّهيق؛ لأنَّ الشَّهيق رد النَّفس، والزَّفير إخراج النَّفس، وأصل الزَّفير الحمل على الظَّهر، والشَّهيق من قولهم جبل شاهق. وقال أبو العالية الزَّفير في الحلق، والشَّهيق في الصَّدر، وقد سقط قوله في رواية أبي ذرٍّ.