فهرس الكتاب

الصفحة 3849 من 11127

2458 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن عبد الله بن يحيى الأويسي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ) وهي بنت أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، وكان اسمها برَّة، فسمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب.

(أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة (زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أي لا أعلم الغيب وبواطن الأمور، كما هو مقتضى الحالة البشريَّة، وأنَّه إنَّما يحكم بالظَّاهر والله يتولَّى السَّرائر، ولو شاء الله لأطلعه على باطن الأمور حتَّى يحكم باليقين، لكن لمَّا أمر الله أمَّته بالاقتداء به أجرى أحكامه على الظَّاهر؛ لتطييب نفوسهم للانقياد.

(وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ) وأدخل «أنَّ» تشبيهًا لـ «لعلَّ» بعسى، ومعنى «أبلغ» أفصح ببيان حجَّته.

وقال الزَّجاج بلغ الرَّجل يبلغ بلاغة، وهو بليغٌ إذا كان يبلغ بعبادة لسانه كُنه ما في قلبه، وقال غيره البلاغةُ إيصالُ المعنى إلى قلب السَّامع في أحسن صورةٍ من اللَّفظ، وقيل الإيجازُ مع الإفهام والتَّصرف من غير إضمارٍ.

وذكر ابنُ رُشَيق في «العمدة» البلاغة قليل يُفهم، وكثير لا يُسْئِم، وقال آخر

ج 11 ص 362

البلاغةُ إجاعة اللَّفظ وإشباع المعنى، وقال آخر البليغُ أسهلهم لفظًا وأحسنُهم بديهةً.

وقال خلف الأحمر البلاغة لمحةٌ دالَّة، وقال الخليل البلاغة كلمةٌ تكشفُ عن البغية، وقيل الإيجاز من غير عجزٍ، والإطناب من غير خطأ، وقيل البلاغة معرفة الوصل والفصل، وقيل أن يدلَّ أوَّل الكلام على آخره، وآخره يدلُّ على أوَّله.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه ابنُ أبي شيبة (( ولعلَّ بعضهم أن يكون ألحن بحجَّته من بعضٍ ) )، واللَّحَنُ بالتَّحريك. قال الخطَّابي الفطنةُ، وقد لحِن _ بالكسر _ يلحن لحْنًا بسكون الحاء في الإعراب.

(فَأَحْسِبُ) بالنصب عطفًا على قوله «أن يكون أبلغ» (أَنَّهُ صَدَقَ وَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ) أي حكمت (لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ) وإنَّما قيَّد بالمسلم تغليبًا أو اهتمامًا بحاله، أو نظرًا إلى لفظ «بعضكم» ، فإنَّه خطابٌ للمؤمنين.

(فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) أي هو حرام مآله النَّار (فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لْيَتْرُكْهَا) أمر تهديدٍ لا تخيير كما في قوله تعالى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف 29] وكقوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت 40] . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فمن قطعت له من حقِّ أخيه قطعة فإنَّما أقطع قطعةً من النَّار ) ).

وفي الحديث دلالةٌ على الحكم بالظَّاهر تشريفًا للأمَّة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم (( أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله ) ) [خ¦25] ، وقوله في حديث المتلاعنين (( لولا الإيمان لكان لي ولها شأن ) ) [خ¦4747] .

قال القرطبيُّ وقد رُوِي في هذا (( إنَّما أحكم بما أسمع ) )، و «إنَّما» للحصر فكأنَّه قال لا أحكم إلَّا بما أسمع، وقد اختلف في هذا فقال مالكٌ في المشهور عنه إنَّ الحاكم لا يحكم بعلمه في شيءٍ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشَّعبي، ورُوِي عن شريحٍ.

وذهبت طائفةٌ إلى أنَّه يقضي بعلمه في كلِّ شيءٍ من الأموال والحدود، وبه قال أبو ثور وهو أحدُ قولي الشَّافعي، وذهبت طائفةٌ إلى التَّفريق فمنهم من قال يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصَّة لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بيِّنةٌ في الأموال خاصَّة، وهو قول الأوزاعيِّ وجماعة من أصحاب مالك وحكوه عنه أيضًا.

ومنهم من قال يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره في الأموال خاصَّة،

ج 11 ص 363

سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره، قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمَّد، وهو أحد قولي الشَّافعي.

قال وذهب بعض أصحابنا إلى أنَّه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصَّة، ولم يشترط مجلس القضاء، واتَّفقوا على أنَّه يحكم بعلمه في الجرح والتَّعديل؛ لأنَّ ذلك ضروريٌّ في حقِّه.

وقال المهلَّب دلَّ الحديث على أنَّ القويَّ على البيان، البليغَ في تأدية الحجَّة يبلغ بالباطل ما يُقضىَ له على خصمهِ، وليس ذلك ممَّا يُحلُّ له ما حرَّم الله عليه، وهو معنى قوله تعالى {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} [البقرة 188] .

وفيه دلالةٌ على أنَّ البيِّنة مسموعةٌ بعد اليمين، وهو الذي فهمه البخاري وبوَّب له باب من أقام البيِّنة بعد اليمين، وفيه دَلالةٌ على حكمه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد. قال القاضي عياض وهو قول المحقِّقين. قال الخطَّابي وفيه دليلٌ على أنَّه ليس كلُّ مجتهدٍ مصيبًا وأنَّ إثم الخطأ مرفوعٌ عنه إذا اجتهد، وفيه العمل بالظنِّ لقوله صلى الله عليه وسلم (( فأحسب أنَّه صدق ) )وهو أمر لم يُختَلف فيه في حقِّ الحاكم.

وقال الطَّحاوي ذهب قومٌ إلى أنَّ كلَّ ما يقضي به الحاكم من تمليك مالٍ وإزالة ملك، أو إثبات نكاحٍ أو طلاق وما أشبه ذلك على ما حكم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشَّاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم الظَّاهر، لم يكن قضاء القاضي موجبًا شيئًا من تمليك ولا تحليل ولا تحريم، وممَّن قال ذلك أبو يوسف.

وخالفهم آخرون فقالوا ما كان [من] ذلك من تمليك مالٍ فهو على حُكم الباطن، وما كان من ذلك من قضاء بطلاقٍ أو نكاحٍ بشهود ظاهرهم العدالة، وباطنُهم الجرحة، فحَكَمَ الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم فإنَّه ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فإنَّما هي قطعةٌ من نارٍ ) ).

ورجال الإسناد كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي وهم صالح على قولِ من قال رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والزُّهري وعروة، وفيه رواية الصَّحابية عن الصَّحابية رضي الله عنهما.

والحديث أخرجه المؤلِّف

ج 11 ص 364

في «الأحكام» [خ¦7181] وفي «الشهادات» [خ¦2680] وفي «ترك الحيل» [خ¦6967] ، وأخرجه مسلمٌ في «القضاء» ، وأبو داود في «الأحكام» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت