5752 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبضم النون وفتح الميم، مصغَّرين، الواسطي الضَّرير، ما له في البُخاري سوى هذا الحديث، وقد تقدَّم بهذا الإسناد في أحاديث «الأنبياء عليهم السَّلام» [خ¦3410] ، لكن باختصار (عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغَّرًا أيضًا، الكوفي (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، الوالهي مولاهم أبي محمد، أحدُ الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء على البناء للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) أي في منامي (فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر بالواو (الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ) هو ما دون العشرة من الرِّجال، أو إلى الأربعين (وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا) أي أشخاصًا كثيرة مِنْ بُعْدٍ (سَدَّ) ذلك السَّواد (الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ) لي (هَذَا مُوسَى فِي وَقَوْمُهُ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت، ويُروى ، وفي باب «من اكتوى» [خ¦5705] (( حتَّى رُفِعَ لي سواد عظيم، قلت ما هذا أمتي؟ قيل هذا موسى وقومه ) ).
(ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ) فنظرت(فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا
ج 24 ص 489
سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا)فنظرت (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ هَؤُلاَءِ أُمَّتُكَ) الَّذين آمنوا بك (وَمَعَ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم الدَّاخلين بغير حسابٍ (فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا) على البناء للمفعول (فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنْ هَؤُلاَءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا) ولدوا في الإسلام (فَبَلَغَ) قولهم (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ هُمُ) أي الدَّاخلون بغير حساب (الَّذِينَ لاَ يَتَطَيَّرُونَ) أي لا يتشأمون بالطُّيور كالجاهليَّة (وَلاَ يَكْتَوُونَ) معتقدين الشِّفاء في الكيِّ كالجاهليَّة، فإنَّهم كالطَّبائعيين يعتقدون أنَّ الأدوية تنفعُ بطبعها، قاله الطَّبري والمازري وطائفة.
(وَلاَ يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا حسمًا للمادَّة؛ لأنَّ فاعلها لا يأمن أن يكلَ نفسه إليها، وإلَّا فالرُّقية [في] ذاتُها ليست ممنوعة، وإنَّما مُنِع منها ما كان شركًا، أو احتمله. قال طائفة إنَّه محمولٌ على أنَّ الرُّقى التي يُحمد تاركها ما كان من كلام الجاهليَّة من الذي لا يعقلُ معناه؛ لاحتمال أن يكون كفرًا، بخلاف الرُّقى بالذكر ونحوه.
وتعقَّبه القاضي وغيره بأنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ للسَّبعين ألفًا مزيَّة على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمَّن شاركهم في أصل الفضل والدِّيانة، ومن كان يعتقدُ أنَّ الأدوية تؤثِّر بطبعها، أو يستعمل رُقىَ الجاهليَّة ونحوها فليس مُسِلمًا.
وقال ابنُ تيمية لم يذكر فيه «لا يرقون» ، وهو صوابٌ؛ يعني حذف «لا يرقون» .
قال وهذه الزِّيادة وقعت مقحمةً في الحديث، وهي غلطٌ من بعض الرُّواة، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جعل الوصف الَّذي استحقَّ به هؤلاء دخول الجنَّة بغير حسابٍ تحقيق التَّوحيد وتجريده، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهُم، والنَّبي صلى الله عليه وسلم لم يسترق جبريل ولا عائشة، بل هما رقياهُ ابتداءً من غير أن يأمرهمَا أن يرقاه، وإن فعله بعضُهم لبعضٍ يجوز؛ لأنَّه إحسانٌ إليه.
قال وكان صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه، ويرقي غيره، ولا يسترقي، ولا يقول لأحدٍ ارقني، فإنَّ ترك طلب الرُّقية من الغير توكُّلًا على الله أفضلُ كما وَصَفَ به السَّبعين ألفًا. قال وقد رُوِي
ج 24 ص 490
في بعض طرقه (( ولا يرقون ولا يسترقون ) )وهو غلطٌ، وإن كان في مسلمٍ في بعض ألفاظهِ، وإنَّما الصَّواب (( ولا يسترقون ) )فقط كما رواه البُخاري ومسلم أيضًا.
وقال التَّبريزي رواه مسلمٌ بإسقاط (( يرقون ) )في الطَّبقة الأولى التي هي أعلى رتب الصَّحيح عنده، وكذلك رواه أيضًا في الطَّبقة الثانية بإسقاط يرقون، ورواه بإثباتها في الطَّبقة الثَّالثة التي هي الطَّبقة السُّفلى من طبقات «صحيحه» التي شرطها في خطبة كتابه «الصحيح» .
وهذا ممَّا يقوي قول ابن تيمية في أن (( يرقون ) )مقحم وقع غلطًا في الحديث في بعض رواية، وأنَّ الصَّواب ما رواه البُخاري. ووافقه مسلمٌ في الموضعين القويين، وأنَّ الزِّيادة مخالفة للرِّوايات الصَّحيحة القوية.
(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي يفوِّضون إليه تعالى ترتيب الأسباب على المسببات، أو يتركون ذلك مطلقًا. قال الدَّاودي وطائفة إنَّ المرادَ بالحديث الَّذين يجتنبون فعل ذلك في الصِّحَّة خشيةَ وقوع الدَّاء، وأمَّا من يستعملُ الدَّواء بعد الوقوع في الدَّاء فلا، وهذا اختيار ابن عبد البرِّ، غير أنَّه معترضٌ بما تقدَّم من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الدَّاء.
وقال الحليميُّ يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غَفَل عن أحوال الدُّنيا وما فيها من الأسباب المعدَّة لدفع العوارض فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأٌ فيما يعتريهم إلَّا الدُّعاء والاعتصام بالله تعالى، والرِّضا بقضائه، فهم غافلون عن طبِّ الأطباء، ورُقى الرُّقاة، ولا يُحسنون من ذلك شيئًا. وقيل إنَّ المراد بترك الكيِّ والرُّقى الاعتماد على الله تعالى في دفع الدَّاء، والرِّضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصَّحيحة.
وعن السَّلف الصَّالح مقام الرِّضا والتَّسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطَّابي ومن تبعه.
وقال ابنُ الأثير وهذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدُّنيا وأسبابها وعلائقها، وهم خواصُّ الأولياء، ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النَّبي صلى الله عليه وسلم فعلًا وأمرًا؛ لأنَّه كان في أعلى مقامات العرفان
ج 24 ص 491
ودرجات التَّوكل، فكان ذلك منه للتَّشريع، وبيان الجواز.
ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكُّله؛ لأنَّه كان كامل التَّوكُّل يقينًا فلا يؤثِّر فيه تَعاطي الأسباب شيئًا بخلاف غيره ولو كان كثير التَّوكُّل، لكن مَنْ ترك الأسباب وفوَّض وأخلص في ذلك كان أعلى مقامًا وأرفع شأنًا.
وقال الطَّبري قيل لا يستحقُّ اسم التَّوكُّل إلَّا من لم يخالطْ قلبه خوف من شيءٍ البتة، حتى السَّبع الضَّاري والعدو العادي، ولا من يسعى في طلب رزقٍ، ولا في مداواة ألمٍ.
والحقُّ أنَّ من وثقَ بالله، وأيقنَ أنَّ قضاءهُ عليه ماضٍ لم يقدحْ في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد ظَاهَرَ صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعَين، ولبس على رأسه المِغْفر، وأقعدَ الرُّماة على فم الشِّعب، وخندقَ حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشُّرب، وادَّخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزلَ عليه من السَّماء، وهو كان أحقُّ الخلق أن يحصلَ له ذلك. وقال للذي سأله أأعقل ناقتي أو أدعها؟ قال (( أعقلها وتوكل ) )فأشار إلى أنَّ الاحتراز لا يدفع التَّوكُّل ولا ينافيه، والله تعالى أعلم.
(فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، وعُكاشة بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف وبعد الألف شين معجمة مفتوحة مخففة، البدري (فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ) قيل هو سعد بن عبادة (فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا) يا رسول الله (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) قال ذلك صلى الله عليه وسلم حسمًا للمادَّة. وقال الزَّركشي قيل كانت ساعة إجابةٍ، وهو الأشبه؛ لئلَّا يتسلسل الأمر.
وتعقَّبه في «المصابيح» في قوله «إنَّها ساعة إجابةٍ» فقال إنَّما يحسن من الحديث الذي فيه فادع الله أن يجعلني منهم، وأمَّا هنا فلا يحسنُ ذلك، فإن الَّذي هنا استفهام وجواب عنه، وليس هنا ذكر للدُّعاء. وفي حديث رفاعة الجهنيِّ عند أحمد، وصحَّحه
ج 24 ص 492
ابن حبَّان (( وعدني ربِّي أن يُدخلَ الجنَّة من أمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإنِّي لأرجو أن لا يدخلوها حتَّى تبوؤا أنتم، ومن صلح من أزواجكم وذرِّياتكُم مساكن الجنَّة ) ).
وهو يدلُّ على أنَّ مزية السَّبعين بالدُّخول بغير حسابٍ لا تستلزم أفضليتهم على غيرهم، بل في مَن يُحاسبُ في الجملة من هو أفضل منهم، ومن يتأخَّر عن الدُّخول ممَّن تحقَّقت نجاته، وعُرف مقامه من الجنَّة؛ ليشفع في غيره، بل هو أفضل منهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ولا يسترقون ) ). وقد مرَّ الحديث في باب «من اكتوى» [خ¦5705] .