قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى
(بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ) [1] بدأ بها تبرُّكًا وتأسيًا بالكتاب العزيز حيث استفتح بها السور القرآنية، وامتثالًا لقوله صلَّى الله عليه وسلم «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بذكر الله وببسم الله الرَّحمن الرَّحيم أقطع» . رواه الحافظ عبد القادر في (( أربعينه ) ). ولم يأت بالحمد اكتفاء بالبسملة.
ويحتمل أنَّه ذكر الحمد بعد البسملةِ كما هو دأب المصنِّفين في مسوَّدته كما ذكره في بقيَّة مصنَّفاته، وإنَّما سقط ذلك من بعض المبيِّضين فاستمرَّ على ذلك، ويمكن أن يقال إنَّما لم يذكر الحمد؛ إظهارًا لعجزه عن الحمد، اقتداءً به صلَّى الله عليه وسلم حيث أظهر عجزه في مقام الحمد، وقال «لا أحصِي ثناء عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك» .
(باب) الباب أصله البوب، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو بمعنى المدخل، والمراد منه هاهنا النَّوع كما في قولهم فتح بابًا من العلم؛ أي نوعًا، وهو بالرَّفع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز فيه التَّنوين والإضافة إلى ما بعده، وجوِّز فيه الوقف على سبيل التِّعداد، فلا إعراب له حينئذٍ؛ لأنَّ الإعراب إثر العقد والتَّركيب.
(كَيْفَ) كلمة كيف تستعمل على وجهين الأول أن تكون شرطًا نحو كيف تصنع أصنع.
والثَّاني أن تكون استفهامًا إما حقيقيًا نحو كيف زيد أصحيحٌ أم سقيم؟ أو غير حقيقي نحو {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة 28] فإنه أخرج مخرج التعجب. وعلى الوجه الثاني تقعُ خبرًا نحو كيف أنت، وحالًا نحو كيف جاء زيد؛ أي على أيِّ حالة جاء زيدٌ، وهي هاهنا خبر لقوله (كَانَ) إن كانت ناقصة، وحال من فاعلها إن كانت تامَّة، ولا بدَّ قبلها من تقدير مضاف؛ أي باب جواب كيف كان.
(بَدْءُ) بفتح الموحدة وسكون المهملة آخره همزة، من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به.
وقال القاضي عياض روي _ بالهمز مع سكون الدال من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو _ من الظُّهور فالمعنى على الأول كيف كان ابتداء (الْوَحْيِ) كما وقع في بعض الروايات، وعلى الثاني كيف كان ظهوره. وقال بعضُهم الهمز أحسن؛ لأنه يجمع المعنَيَيْن، وقيل الظُّهور أحسن؛ لأنه أعمُّ.
والوحي في الأصل الإعلام في خفاء. وفي اصطلاح الشرع إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء إما بكتاب، أو برسالة ملك، أو منامٍ، أو إلهامٍ، وقد يجيءُ بمعنى الأمر نحو
ج 1 ص 4
قوله تعالى {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة 111] . وبمعنى التَّسخير نحو قوله تعالى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل 68] أي سخَّرها لهذا الفعل وهو اتخاذها من الجبال بيوتًا. وقد يعبَّر عن ذلك بالإلهام، لكن المراد به هدايتها لذلك، وإلَّا فالإلهام حقيقة إنما يكون لعاقل، وبمعنى الإشارة نحو قوله تعالى {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم 11] . وكما في قول الشاعر
~يَرْمون بالخُطب الطِّوال وتارةً وحيَ الملاحظِ خيفةَ الرُّقباء
وأوحى ووحى لغتان، والأولى أفصح وبها ورد القرآن. وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه؛ أي الموحي كالقرآن والسُّنة قال تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم 4] .
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وهو على الصحيح من نزل عليه كتاب، أو أتى إليه مَلَك، والنبيُّ من يُوقِفُه الله تعالى على الأحكام، أو يتبع رسولًا آخر، فكل رسولٍ نبيٌّ من غير عكس (صلَّى الله عليه وسلم) جملة خبرية يُراد بها الإنشاء، كأنه قال اللهم صل عليه وسلم.
(وَقَوْلُ اللَّهِ) بالجرِّ عطفًا على محل الجملة التي أضيفَ إليها الباب؛ أي باب كيف كان، وباب معنى قول الله (جَلَّ ذِكْرُهُ) وفي رواية ، وفي رواية ، أو بالرفع على الابتداء وخبره محذوف؛ أي قول الله تعالى مما يتعلق بهذا الباب أو الخبر ما ذكر بعده، قيل وإنما لم يُقدِّر وباب كيف قول الله؛ لأن قول الله لا يُكيَّف. وتُعقِّب بأنه يصح على تقدير مضاف؛ أي كيف نزول قول الله، أو كيف فهم معنى قول الله، فافهم.
( {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ) وحيًا ( {كَمَا أَوْحَيْنَا} ) أي كوحينا ( {إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ) في كونه وحي رسالةٍ لا وحي إلهام، وفي رواية يعني اقرأ الآية بتمامها {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء 163] . وسبب نزولها وما قبلها أنَّ اليهود قالوا للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم إن كنت نبيًّا فأتنا بكتاب جملة من السَّماء، كما أتى موسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [النساء 153] الآيات.
فأَعلم الله تعالى أنه نبيٌّ يُوحَى إليه كما يوحى إليهم، وأن أمره في الوحي كأمر سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأكده بكلمة (إنَّ) المؤكدة؛ لأنَّ قولهم هذا كأنه نشأ من إنكارهم لنبوته صلى الله عليه وسلم، وآثر صيغة التعظيم؛ تعظيمًا للموحي والموحَى إليه. فإن قيل لم خصَّ نوحًا عليه السلام بالذِّكر؟ فالجواب أن
ج 1 ص 5
نوحًا عليه السلام هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض مِن وَلَد نوحٍ الثلاثة؛ لقوله تعالى {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات 77] ، فجميع الناس مِن وَلَد سام وحام ويافث، وذلك؛ لأنَّ كلَّ من كان على وجه الأرض قد هلكوا بالطُّوفان إلَّا أصحاب السفينة.
قال قتادةُ لم يكن فيها إلَّا نوح وامرأته وثلاثة بنيه سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. وقال ابن إسحاق كانوا عشرة سوى نسائهم. وقال مقاتل كانوا اثنين وسبعين نفسًا. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانوا ثمانين إنسانًا، ولمَّا خرجوا من السَّفينة ماتوا كلُّهم ما خلا نوحًا وبنيه الثلاثة وأزواجهم، ثم مات نوحٌ عليه السلام، وبقي بنوه الثلاثة، فجميع الخلق منهم، وكان نوحٌ عليه السلام أوَّل الأنبياء المرسلين بعد الطُّوفان، وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده ما خلا آدم وشِيثًا وإدريس عليه السلام، فلذلك خصَّه الله تعالى بالذِّكر، وعطف عليه النَّبيين من بعده، وخصَّ منهم إبراهيم ومن بعدَه؛ تعظيمًا لهم وتشريفًا؛ لأن إبراهيم أوَّل أولي العزم منهم، وعيسى آخرهم، والباقين أشراف الأنبياء ومشاهيرهم.
وقيل إنما خَصَّ نوحًا عليه السلام بالذكر؛ لأنَّه أول مشرِّع، وفيه نظر؛ لأن أول مشرِّع هو آدم عليه السلام، فإنه نبيٌّ أرسل إلى بنيه، وشرَع لهم شرائع، ثم بعده قام بأعباء الأمر شِيث عليه السلام، وكان نبيًّا مرسلًا، وبعده إدريس عليه السلام، بعثه الله تعالى إلى ولد قابيل، ثم رفعه الله إلى السماء. وقيل إنما خصَّه بالذكر؛ لأنه أوَّل نبيٍّ عُوقب قومه، فخصَّه الله تعالى بالذكر؛ تهديدًا لقوم محمد صلَّى الله عليه وسلم. وفيه أيضًا نظر؛ لأن شيثًا عليه السلام هو أول من عذِّب قومه بالقتل.
ذكر الفربريُّ في (( تاريخه ) )أن شِيثًا عليه السلام سار إلى أخيه قابيل فقاتله بوصية أبيه له بذلك متقلِّدًا بسيف أبيه، وهو أول من تقلَّد بالسيف، فأخذ أخاه أسيرًا وسلسله، ولم يزل كذلك إلى أن قُبض كافرًا. وقيل إنما خصَّه بالذكر؛ لأنه أول رسول آذاه قومه، فكانوا يحصبونه بالحجارةِ حتى يقع إلى الأرض كما وقع مثله لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
واعلم أنه لمَّا كان هذا الكتاب معقودًا على أخبار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم صدَّره بباب بَدء الوحي؛ لأنَّه يذكر فيه أول شأن الرسالة والوحي، ولم يقدِّم عليه شيئًا حتى الخطبة، وذكر الآية تبركًا، ولمناسبتها لِمَا ترجم له؛ لأن الآية في أنَّ الوحي سُنَّة
ج 1 ص 6
الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام.
ومن عادة البخاري رحمه الله تعالى أن يضمَّ إلى الحديث الذي يذكره ما يناسبُه من قرآن، أو تفسير له، أو حديث على غير شرطه، أو أثر عن بعض الصَّحابة والتَّابعين رضوان الله عليهم أجمعين بحسب ما يليقُ عنده، ومن عادته في تراجم الأبواب ذكر آيات كثيرةٍ من القرآن، وربما اقتصر في بعض الأبواب عليها، فلا يذكر معها شيئًا أصلًا. قيل لو قال في الترجمة باب كيف كان الوحي وبدؤه، لكان أحسن؛ لأنه تعرَّض لبيان كيفية الوحي، لا لبيان كيفية بَدء الوحي، وكان ينبغي أن لا يقدم عليه عقيب الترجمة غيره؛ ليكون أقرب إلى الحسن.
وكذا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما «كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أجود الناس» . لا يدلُّ على بدء الوحي، ولا تعرض له إليه، غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة، وإنما مقصوده فهم السامع والقارئ إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة، فلم يشتغل بها؛ تعويلًا منه على فهم القارئ والسَّامع.
وفيه أنَّا لا نسلِّم أنه ليس لبيان كيفية بَدء الوحي، إذ يُعلَم مما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه في المنام، ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغطِّ ونحوه على أن ما فرَّ عنه ذلك القائل لازمٌ عليه أيضًا، إذ البدء عطف على الوحي فيما قرَّره، فيصحُّ أن يقال ذلك إيرادًا عليه أيضًا.
وأما حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ففيه أيضًا بيان حال الرسول صلَّى الله عليه وسلم عند ابتداء نزول الوحي، أو عند ظهوره، والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلَّق بشأنه؛ أي تعلق كان كما في التَّعلق الذي في الحديث الهرقلي، وهو أن هذه القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها، أو المراد من الباب بجملته بيان كيفية بَدء الوحي، لا من كلِّ حديث منه، فلو علم من مجموع ما في الباب كيفيَّة بدء الوحي، ومن كلِّ حديث شيء يتعلَّق به؛ لصحَّت الترجمة.
وأما تقديمه عقيب الترجمة حديث النية؛ فلأنه لمَّا كان هذا الكتاب لجمع وحي السُّنة، وقد أوحي إلى جميع الأنبياء عليهم السلام بإخلاص النية، كما قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة 5] ، وقال تعالى {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى 13] الآية. قال أبو العالية وصَّاهم بالإخلاص في عبادته، والإخلاص النية.
صدَّره بهذا الحديث؛ بيانًا لإخلاصه أول وهلةٍ؛ ليرغب الناس في تأليفه، فكأنه قال قصدت جمع وحي
ج 1 ص 7
السنة المتلقَّى عن خير البرية على وجه يظهر حسن عملي فيه من قصدي (( وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) )، فاكتفى بالتلويح عن التصريح.
[1] في هامش الأصل قد بدئ في هذه القطعة الأولى ليلة البراءة من ليالي شهر شعبان المعظم المنسلك في سلك شهور السنة الثالثة والعشرين بعد المائة والألف يسر الله تعالى إتمامها وإتمام ما يتلوها في آخر الكتاب بعون الله تعالى الملك الوهاب وبحرمة رسوله الهادي إلى الحق والصواب عليه من الصلوات أزكاها ومن التحيات أوفاها وبحرمة الآل والأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.