فهرس الكتاب

الصفحة 1905 من 11127

1206 - (وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ المصري، وهذا تعليقٌ من المؤلِّف رحمه الله؛ لأنَّه لم يدرك عصر الليث، وقد وصله الإسماعيليُّ قال أخبرنا أبو بكرٍ المروزي حدَّثنا عاصم بن عليٍّ حدَّثنا اللَّيث عن جعفر بن ربيعة الحديث مطوَّلًا، وفيه (( لا أماتك الله حتَّى تنظر في وجهك زوانِي المدينة )

ج 6 ص 80

فَعَرفَ أنَّ ذاك يصيبه، فلمَّا مرُّوا به على بيت الزَّواني خرجنَ يضحكنَ، فتبسَّم فقالوا لم يضحك حتَّى مرَّ بالزَّواني.

ووصله أبو نعيمٍ أيضًا حدَّثنا أبو بكر بن خلاد حدَّثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان حدَّثنا يحيى ابن بُكير قال حدَّثنا اللَّيث عن جعفر.

وأسنده البخاريُّ أيضًا في باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم 16] حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدَّثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لم يتكلَّم في المهد إلَّا ثلاثةٌ عيسى عليه الصَّلاة والسلام، وكان في بني إسرائيل رجلٌ يقال له جريج كان يصلِّي فجاءته أمُّه فدعته فقال أُجيبها أو أصلِّي؟ فقالت اللَّهمَّ لا تمته حتَّى تريه وجوه المومسات، وكان جريجٌ في صومعته فتعرَّضت له امرأةٌ، وكلَّمته فأبى فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها فولدت غلامًا، فقيل لها ممَّن؟ فقالت من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبُّوه فتوضَّأ وصلَّى، ثمَّ أتى الغلام فقال من أبوك؟ قال الرَّاعي، قالوا نبني صومعتك من ذهبٍ قال لا إلَّا من طينٍ ) )الحديث [خ¦3436] .

(حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ بْنُ رَبِيْعَةَ) بن شرحبيل بن حسنة المصري، وفي رواية سقط لفظ «ابن ربيعة» (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج المدني.

(قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية الأَصيليِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا) وهو جريج (وَهْوَ) أي والحال أنَّه (فِي صَوْمَعَتِهِ) على وزن فوعلة، من صَمَعْت، إذا دققت؛ لأنَّها دقيقة الرَّأس، وفي رواية بدون الضمير، وكان في صلاته، قيل ولم يكن الكلام في الصَّلاة ممنوعًا في شريعته، ولذلك استجيبت دعوة أمِّه فيه، ولكن قد كان من كرامة الله تعالى لجريجٍ أنَّ ألهم أمَّه الاقتصاد في الدَّعوة، ولم تقل اللهمَّ امتحنه، فلم تورث إلَّا كدرًا يسيرًا بل أعقبت سرورًا كثيرًا.

(قَالَتْ يَا جُرَيْجُ) بضم الجيم وفتح الراء وسكون المثناة التحتية وآخره جيم أيضًا (فَقَالَ) وفي رواية بدون الفاء (اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي) أي اجتمع حق إجابة أمِّي وإتمام صلاتي فوفِّقني لأفضلهما (قَالَتْ) الثَّانية (يَا جُرَيْجُ، قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي؟ قَالَتْ) الثَّالثة (يَا جُرَيْجُ، قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي؟) قيل والظَّاهر من عدم إجابته لها مع تكرير ندائها له أنَّ الكلام عنده يقطع الصَّلاة، لكن قد روى الحسن بن سفيان وغيره من طريق الليث عن يزيد بن حوشبٍ، عن أبيه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو كان جريج عالمًا لعلم أنَّ إجابته أمَّه أولى من عبادته ربَّه.

ويزيد هذا مجهولٌ، وحوشب بمهملة ثم معجمة، على وزن جعفر، ووهم الدِّمياطيُّ فزعم أنَّه ذو ظُلَيم، والصَّواب أنَّه غيره؛ لأنَّ ذا ظُلَيم لم يسمعْ من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وقع التَّصريح بسماعه. كذا ذكره الحافظ العسقلانيُّ.

ولمَّا لم يجبها في الثَّالثة، وآثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها، واختار التزام مراعاة حقِّ الله تعالى [على] حقَّها (قَالَتْ) داعيةً عليه بلفظ النَّفي (اللَّهُمَّ لاَ يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ) بالإفراد، وفي رواية (الْمَيَامِيْس) بميمين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، جمع مومسة، وهي الفاجرةُ المتجاهرة به.

وفي «التلويح»

ج 6 ص 81

المياميس الزَّواني، والفاجرات الواحدة مومسة، وقال ابن الجوزيِّ إثبات الياء فيه غلطٌ، والصَّواب حذفها لكن صحِّح بإشباع الكسرة، وقال ابن قُرْقول وبالياء روِّيناه، وكذا ذكره أصحاب العربيَّة.

(وَكَانَتْ تَأْوِي) أي تنضمُّ وترجع (إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ) أي امرأة راعية (تَرْعَى الْغَنَمَ) فوقع عليها رجلٌ (فَوَلَدَتْ) منه غلامًا (فَقِيلَ لَهَا مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ قَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ) صاحب الصَّومعة (نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ) وأحبلني هذا الولد (قَالَ جُرَيْجٌ) لمَّا بلغه ذلك (أَيْنَ هَذِهِ) المرأة (الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟) ثمَّ (قَالَ يَا بَابُوسُ) بفتح الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى مضمومة وآخره سين مهملة.

قال القزَّاز هو الصَّغير، ووزنه فاعول فاؤه وعينه من جنسٍ واحدٍ، وهو قليل، وقيل هو اسمٌ أعجميٌّ، وقيل عربيٌّ، قال الدَّاودي هو اسم ذلك الولد بعينه، وقال ابن بطَّال هو الرَّضيع، وقال الكرمانُّي لو صحَّ الرِّواية بكسر السين وتنوينها يكون كنية لها، ومعناه يا أبا الشِّدَّة.

(مَنْ أَبُوكَ) أي من ماءِ مَن خُلِقت؟ فأنطق الله الغلامَ كرامةً لجريج و (قَالَ رَاعِي الْغَنَمِ) وسمَّاه أبًا مجازًا، أو يكون في شرعه أنَّه يلحقه، وإلَّا فقد اتَّفق العلماء على أن لا توارث بينهما، فلم تصحَّ تلك النِّسبة.

ثمَّ إنَّ في الحديث دَلالةٌ على أنَّ الكلام لم يكن ممنوعًا في الصَّلاة في شريعتهم، فلمَّا لم يجب أمه، والحال أنَّ الكلام مباحٌ له استجيب دعوة أمِّه فيه، وذلك أنَّه لمَّا تعارض عند جريج حقُّ الصَّلاة، وحق الصَّلة لأمه رجَّح حق الصَّلاة، والتزم الخشوع لله تعالى وفضَّله على الاستجابة لأمه لكن حق الصَّلاة المرجوح لم يذهب هدرًا، ولذا أجيبت فيه الدَّعوة اعتبارًا لكونه ترك الصَّلاة لأمه، ثمَّ أراه الله تعالى فضيلة ما آثره من مناجاة ربِّه والتزام الخشوع له أن جعلَ له آيةً معجزةً في كلام الطِّفل، فحسنت حاله وظهرتْ كرامته اعتبارًا بحقِّ الصَّلاة.

ففيه دليلٌ على أنَّ من ابتلي بشيئين يسأل الله تعالى أن يلقي في قلبه الأفضل، ويحمله على أَوْلى الأمرين، فإنَّ جريجًا لمَّا ابتليَ بشيئين قال اللَّهمَّ أمِّي وصلاتي، فاختيار التزام مراعاة حقِّ الله تعالى على حقِّ أمه.

هذا وقد كان الكلامُ مباحًا أيضًا في شريعتنا أولًا حتَّى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة 238] فأمَّا الآن فلا يجوز للمصلِّي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطعَ صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ) )لكنَّ العلماء يستحبُّون

ج 6 ص 82

أن يخفِّف صلاته ويُجيب أبويه.

وقال صاحب «التوضيح» وصرَّح أصحابنا فقالوا من خصائصِ النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه لو دعا إنسانًا، وهو في الصَّلاة وجبَ عليه الإجابة، ولا تبطل صلاته، وحكى الرَّوياني في «البحر» ثلاثة أوجهٍ في إجابة أحد الوالدين

أصحُّها لا تجب الإجابة.

ثانيها تجبُ وتبطل.

ثالثها تجبُ ولا تبطل.

والظَّاهر عدم الوجوب إن كانت الصَّلاة فرضًا، وقد ضاق الوقت، وقال عبدُ الملك بن حبيب كانت صلاته؛ أي صلاة جريجٍ نافلة، وإجابة أمِّه أفضل من النَّافلة، وكان الصَّواب إجابتها؛ لأنَّ الاستمرار في صلاة النَّفل تطوُّع، وإجابة الأمِّ وبرُّها واجبٌ، وكان يمكنه أن يخفِّف ويجيبها.

قيل لعلَّه خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدُّنيا وتعلُّقاتها، وفي الوجوب في حقِّ الأمِّ حديث مرسلٌ رواه ابنُ أبي شيبة عن حفص بن غياث عن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا دعتك أمُّك في الصَّلاة فأجبها، وإن دعاك أبوك فلا تجبْه ) )، وقال مكحولٌ رواه الأوزاعيُّ عنه، وقال العوام سألت مجاهدًا عن الرَّجل يدعوه أمه أو أبوه في الصَّلاة فقال يجيبهما.

وعن مالكٍ إذا منعته أمُّه عن شهود صلاة العشاء في جماعةٍ لم يطعها، وإن منعته عن الجهاد أطاعها، والفرق ظاهرٌ؛ لأنَّ الأمن غالبٌ في الأول دون الثاني.

وفي كتاب «البرِّ والصلة» لعبد الله بن المبارك عن الحسن في الرَّجل تقول له أمُّه أفطر قال يفطر، وليس عليه قضاؤه وله أجر الصَّوم، وإذا قالت له لا تخرج إلى الصَّلاة فليس لها في هذا طاعةٌ؛ لأنَّ هذا فرضٌ، وقالوا إنَّ مرسل ابن المنكدر الفقهاءُ على خلافه، ولا يعلم به قائلٌ غير مكحول، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمُّه فليجبها بالتَّسبيح، وبما أبيح للمصلِّي الإجابة به.

وقال ابنُ حبيب من أتاه أبواه ليكلِّمه وهو في نافلةٍ فليخفِّف ويسلِّم ويتكلَّم.

هذا وفي الحديث أيضًا الاحتجاج لمن يقول أنَّ الزِّنا يحرِّم كما يحرِّم الوطئُ الحلال.

قال القرطبيُّ وهو رواية ابن القاسم عن مالكٍ في «المدونة» وفي «الموطأ» عكسه لا يحرِّم الزِّنا حلالًا، قال ويستدلُّ به أيضًا أنَّ المخلوقة من ماء الزَّاني لا يحلُّ للزَّاني أمها، وهو المشهور.

وقال ابن الماجشون أنَّها تحلُّ، ووجه التَّمسك على المسألتين أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حكى عن جريجٍ أنَّه لمَّا نسب ولد الزِّنا للزَّاني، وصدق

ج 6 ص 83

الله نسبته بما خرق له من العادة فكانت تلك النِّسبة صحيحة، فيلزم على هذا أن يجري بينهما أحكام الأبوَّة والنبوَّة والولايات وغير ذلك، والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا دَلالةٌ على صحَّة وقوع الكرامات من الأولياء، وهو قولُ جمهور أهل السُّنة والعلماء خلافًا للمعتزلة.

وقد نسب إلى بعض العلماء إنكارها، والذي يُظنُّ بهم أنَّهم ما أنكروا أصلها لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسُّنة وأخبار صالحي هذه الأمَّة بما يدلُّ على وقوعها، وإنَّما محلُّ الإنكار ادِّعاء وقوعها ممَّن ليس موصوفًا بشروطها ولا هو أهلٌ لها.

وفيه أيضًا أنَّ كرامة الولي قد تقع باختياره وطلبه، وهو الصَّحيح عند جماعة المتكلِّمين، ومنهم من قال لا تقع باختياره وطلبه.

وفيه أنَّ الكرامة قد تقع بخوارق العادات على جميع أنواعها ومنعه بعضهم، وادَّعى أنَّها تختصُّ بمثل إجابة دعاء ونحوه، قال بعض العلماء هذا غلط من قائله وإنكارٌ للحسِّ.

وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ من أخذ بالشِّدَّة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوَّة على ذلك؛ لأنَّ جريجًا دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته وفضله على الاستجابة لأمِّه، فعاقبه الله تعالى على ترك الاستجابة لها بما ابتلاه الله به من دعوة أمِّه عليه.

وفيه أيضًا عظم برِّ الوالدين وأن دعاءهما مستجاب، وعن هذا قال العلماء إنَّ إكرامهما واجبٌ، ولو كانا كافرين حتَّى روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ له أن يزور قبر والديه، ولو كانا كافرين، وتجب نفقتهما على الولد مع اختلاف الدِّين عند أصحابنا.

وقال أبو عبد الملك وهذا _ أي أمر جريجٍ _ من عجائب بني إسرائيل، وفي «صحيح مسلم» (( لم يتكلَّم في المهد إلَّا ثلاثة عيسى بن مريم عليهما السَّلام، وصاحب جريج، والصَّبي الذي قالت أمُّه ورأت رجلًا له شارة اللهمَّ اجعل ابني مثله، فنزع الثَّدي من أمِّه وقال اللَّهمَّ لا تجعلني مثله ) ).

فإن قلت ظاهر هذا يقتضي الحصر، ومع هذا روي عن ابن عياش شاهد يوسف عليه السَّلام كان في المهد. قاله القرطبيُّ، وعن الضَّحاك كلَّم في المهد أيضًا يحيى بن زكريا عليهما السَّلام، وفي حديث صهيبٍ أنَّه لمَّا خُدِّد الأخدود تقاعستْ امرأةٌ عن الأخدود، فقال له صبيُّها وهو يرتضع منها يا أمَّه اصبري، فإنَّك على الحقِّ.

فالجواب على ذلك بوجهين

أحدهما أنَّ الثَّلاثة المذكورين في الصَّحيح ليس فيها خلافٌ، والباقون مختلفٌ فيهم، وقال ابن عبَّاس وعكرمة كان صاحب يوسف عليه السَّلام

ج 6 ص 84

ذا لحية. وقال مجاهد الشَّاهد هو القميص.

والجواب الآخر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أولًا ثمَّ أطلعه الله على غيرهم، وقد يقال التَّنصيص على الشَّيء باسمه العَلَم لا يقتضي الخصوص سواءٌ كان المنصوص عليه مقرونًا باسم العدد أولًا. قلت فيه خلافٌ مشهورٌ بين العلماء، ومع هذا ذلك إذا لم يكن في الكلام أداة حصرٍ وهاهنا في الكلام أداة حصر كما لا يخفى.

ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} [مريم 16] [خ¦3436] وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3466] ، وأخرجه مسلمٌ في «برِّ الوالدين ودعاء الوالدة على الولد» قال حدَّثنا شيبان بن فروخ حدَّثنا سليمان بن المغيرة حدَّثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( كان جريجٌ يتعبَّد في صومعته، فجاءت أمه فقالت يا جريج أنا أمُّك كلِّمني. فصادفته يصلِّي، فقال اللَّهمَّ أمِّي وصلاتي، فاختار صلاته فرجعتْ، ثمَّ عادت في الثَّانية، فقالت يا جريج أنا أمُّك فكلِّمني. قال اللَّهمَّ أمِّي وصلاتي فاختار صلاته، فقالت اللَّهمَّ إنَّ هذا جريج وهو ابني وإنِّي كلَّمته فأبى أن يكلِّمني اللَّهمَّ فلا تمته حتَّى تريه المومسات، قال لو دعت عليه أن يُفتن لفُتن قال وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى دياره، قال فخرجتْ امرأةٌ من القرية، فوقع عليها الرَّاعي فحملتْ فولدت غلامًا، فقيل لها ما هذا؟ قالت من صاحب هذا الدِّيار؟ قال فجاءوا بنفوسهم ومساحيهم فنادوه وصادفوه وهو يصلِّي فلم يكلِّمهم، قال فأخذوا يهدمون دياره، فلمَّا رأى ذلك نزلَ إليهم، فقالوا له سلْ هذه فتبسَّم، ثمَّ مسح رأس الصَّبي، فقال من أبوك؟ قال أبي راعي الضَّأن، فلمَّا سمعوا ذلك منه، قالوا نبني ما هدمنَا من ديارك بالذَّهب والفضَّة، قال لا، ولكن أَعِيدوه ترابًا كما كان ) ).

وأخرجه أيضًا من طريق جرير بن حازم عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لم يتكلَّم في المهد إلَّا ثلاثة ) )الحديث. وفيه (( وكانت امرأة بغي يُتمثَّل بحسنها، فقالت إن شئتُم لأفتِننه لكم فتعرَّضت، فلم يلتفت إليها فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنتْه من نفسها، فوقع عليها فحملتْ فلمَّا ولدت قالت هو من جريجٍ فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه فقال ما شأنكم؟ قالوا زنيت بهذهِ البغيِّ فولدت منك، فقال أين الصَّبي فجاءوا به؟ فقال دعوني

ج 6 ص 85

حتَّى أصلِّي فصلَّى، فلمَّا انصرف أتى الصَّبي، فطَعُنَ في بطنه، وقال يا غلام مَنْ أبوك؟ قال فلانٌ الرَّاعي، قال فأقبلوا على جريجٍ يقبِّلونه ويتمسَّحون به، وقالوا نبني لك صومعتك من ذهبٍ قال لا، أعيدوها من طينٍ كما كانت، ففعلوا )) الحديث.

وأخرجه الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ وقد مرَّ [في وصل هذا الحديث في أوله] ، وذكر الفقيه أبو الليث السَّمرقندي في كتابه «تنبيه الغافلين» كان جريجٌ راهبًا في بني إسرائيل يعبد الله في صومعته، فجاءته أمُّه يومًا وهو قائمٌ في الصَّلاة، فنادته يا جريج، فلم يجبْها لاشتغاله بصلاته فقالت ابتلاك الله بالمومسات _ يعني الزَّواني _، وكانت امرأة في تلك البلدة خرجت لحاجتها، فأخذها راعي الغنم فواقعها عند صومعة جُريج فحبلتْ منه، وكان أهل تلك البلدة يعظِّمون أمر الزِّنا فظهر أمر تلك المرأة في البلد، فلمَّا وضعتْ حملها أخبر الملك أنَّ امرأةً قد ولدت من الزِّنا، فدعاها فقال من أين لكِ هذا الولد؟ قالت من جريج الرَّاهب قد واقعني، فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصَّلاة، فنادوه فلم يجبْهم حتَّى جاءوا إليه بالمرود، وهدموا صومعته وجعلوا في عنقه حبلًا، وجاءوا به إلى الملك، فقال له الملك إنَّك قد جعلت نفسك عابدًا، ثمَّ تهتك حريم النَّاس وتتعاطى ما لا يحلُّ لك، قال أيُّ شيءٍ فعلت؟ قال إنَّك زنيت بامرأة كذا، فقال لم أفعل، فلم يصدِّقوه وحلف على ذلك، فلم يصدِّقوه، فقال ردُّوني إلى أمِّي فردُّوه إلى أمِّه، فقال لها يا أمَّاه إنَّك دعوت الله عليَّ فاستجاب الله دعاءك فادعي الله أن يكشف عنِّي بدعائك، فقالت أمُّه اللهمَّ إن كان جريج إنَّما أخذْتَهُ بدعوتي فاكشف عنه فرجع جريجٌ إلى الملك فقال أين هذه المرأة وأين الصَّبي؟ فسألوها فقالت بلى هذا الذي فعل بي، فوضع جريجٌ يده على رأس الصَّبي، وقال بحقِّ الذي خلقك أن تخبرني من أبوك؟ فتكلَّم الصَّبيُّ بإذن الله تعالى، وقال إنَّ أبي فلانٌ الرَّاعي، فلمَّا سمعت المرأة بذلك اعترفتْ وقالت كنت كاذبة، وإنَّما فعل بي فلان الرَّاعي.

وفي رواية أنَّ المرأة كانت حاملًا لم تضع بعد فقال لها أين أصبتك؟ قالت تحت شجرةٍ، وكانت الشَّجرة تحت صومعته، قال جريج اخرجوا إلى تلك الشَّجرة ثمَّ قال يا شجرة أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنا بهذه المرأة؟ فقال كلُّ غصن منها راعي الغنم ثمَّ طعن بإصبعه في بطنها وقال يا غلام من أبوك؟ فنادى من بطنها أبي راعي الضَّأن، فاعتذر الملك إلى جريجٍ الرَّاهب، وقال

ج 6 ص 86

ائذن لي أن أبني صومعتك بالذَّهب قال لا، قال فبالفضَّة، قال لا، ولكن بالطِّين كما كان فبنوه بالطِّين.

وفي كتاب «البرِّ والصلة» لعبد الله بن المبارك من حديث الحسن أنَّ اسمه كان جُريًّا، وأنَّهم لمَّا أحاطوا به قال بالله لمَّا أنظرتموني ليالي أدعو الله عزَّ وجلَّ فأنظروه ليالي الله أعلم كم هي فأتاه آتٍ في منامه فقال له إذا اجتمع النَّاس فاطعن في بطن المرأة، وقيل أيَّتها السَّخلة من أنت ومن أبوك؟ فإنَّه سيقول راعي الغنم، فلمَّا أصبح طعن في بطنها، وقال أيَّتها السخلة من أبوك؟ قالت راعي الغنم.

قال الحسن ذكر لي أنَّ مولودًا لم يتكلَّم في بطن أمِّه إلَّا هذا وعيسى عليه الصَّلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت