226 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بعينين وراءين مهملات (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق أنه (قَالَ كَانَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس (الأَشْعَرِيُّ) رضي الله عنه (يُشَدِّدُ) أي يحتاط عظيمًا (فِي) الاحتراز عن رشاشات (الْبَوْلِ) حتى كان يبول في القارورة خوفًا أن يصيبه من رشاشه شيء، وأخرج ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه أنه سمع أبا موسى ورأى رجلًا يبول قائمًا فقال ويحك أفلا قاعدًا، ثمَّ ذكر قصة بني إسرائيل.
(وَيَقُولُ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين، وإسرائيل لَقَبُ يعقوب عليه السلام لُقِّبَ به؛ لأن يعقوب وعيصو أخوان كانا في بطن أمهما معًا، فلما جاء وقت وضعهما اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولًا، فقال عيصو والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي لأقتله، فتأخر يعقوب وخرج عيصو قبله، فسمي عيصو؛ لأنه عصي، وسمي يعقوب؛ لأنه خرج آخذًا بعقب عيصو، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، وكان أحبهما إلى أمه، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه، وكان صاحب صيد، فلما كبر أبوهما إسحاق وعمي قال لعيصو يا بني أطعمني لحم صيد أدعو لك بدعاء كان أبي دعا لي به، وكان أشعر، وكان يعقوب أجرد، فخرج عيصو إلى الصيد وقالت أمه ليعقوب خذ شاةً واشوها والبس جلدها وقدمها إلى أبيك،
ج 2 ص 294
وقل له أنا ابنك عيصو، ففعل فمسه إسحاق فقال المسُّ مسُّ عيصو، والريح ريح يعقوب، فقالت أمه ابنك عيصو فادع له فأكل منها ودعا له بأن يجعل الله في ذريته الأنبياء والملوك، ثمَّ جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق يا بني قد سبقك أخوك، فغضب وقال والله لأقتلنه، فقال إسحاق يا بني قد بقيت دعوة، فدعا له بأن تكون ذريته عدد التراب، ولا يملكهم أحد غيرهم، وقالت أم يعقوب له الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتله عيصو، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان، وكان ببابل، وقيل بحرَّان، فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار، فلذلك سمي إسرائيل، فأخذ من السري والليل، نقله محمود العيني عن السُّدِّيُّ، وقيل معناه عبد الله؛ لأن إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية كما يقال جبرائيل وميكائيل.
(كَانَ) أي شأنهم فلا يرد ما أورده الكِرماني من أن بني جمع، فلم أفرد ضمير (كان) الراجع إليه، وقد أجاب بنفسه أيضًا، (إِذَا أَصَابَ) أي البول (ثَوْبَ أَحَدِهِمْ) ووقع في رواية مسلم .
وقال القرطبي مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود حيث قال حدثنا مسدد، قال حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حَسَنة قال انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ومعه الدَّرقه ثمَّ استتر بها، ثمَّ بال، فقلنا انظروا [1] إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال (( ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم فعُذِّب في قبره ) )، قال منصور عن أبي وائل، عن أبي موسى (( جِلْدَ أحدهم ) )، وقال عاصم عن أبي وائل، عن أبي موسى (( جسد أحدهم ) ).
(قَرَضَهُ) بالقاف؛ أي قطعه، وفي رواية الأصيلي ، وهذه الرواية تَردُّ قول من يقول المراد بالقرض الغسل بالماء (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) أي ابن اليمان رضي الله عنه (لَيْتَهُ) أي ليت أبا موسى (أَمْسَكَ) نفسه عن هذا التشديد أو لسانه عن هذا القول أو كلاهما عن كليهما [2] ، وللإسماعيلي .
(أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا) ومقصوده أن هذا التشديد خلاف
ج 2 ص 295
السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا، ولا شك في كون القائم مُعَرَّضًا للرَشَاشِ ولم يلتفت صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتمال ولم يتكلَّف البول في القارورة.
وقال ابن بطال وهو حجة لمن رَخَّص في يسير البول؛ لأن المعهود ممن بال قائمًا أن يتطاير له مثل رؤوس الإبر، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل، واختلفوا في مقدار رؤوس الإبر من البول فقال مالك يغسلها استحبابًا وتنزهًا، والشافعي يغسلها وجوبًا، وأبو حنيفة سهَّل فيها كما في سائر النجاسات ما لم يتجاوز قدر الدرهم، وقال الثوري كانوا يُرخِّصون في القليل من البول.
[1] في هامش الأصل قوله انظروا .... إلى آخره هذا القول منهما وقع من غير قصد أو وقع بطريق التعجب أو الاستفسار عن هذا الفعل فلذلك قال عليه السلام (( ألم تعلموا ... إلى آخره ) )ولم يقولا هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف لأن الصحابة بُرَآء من ذلك، فافهم. منه.
[2] في (الأصل) (( كليهما عن كليهما ) ).