2171 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالكٍ، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ) والمزابنةُ هي مفاعلةٌ من الزبن _ بالزاي والموحدة وبالنون _ لا تكون إلَّا بين اثنين وأصلها الدَّفع الشَّديد. قال الدَّاودي كانوا قد كثر فيهم المدافعة بالخصام فسمِّي بالمزابنة؛ يعني لَمَّا كان كلُّ واحدٍ من المتبايعين يدفعُ الآخر في هذه المبايعة عن حقِّه سمِّيت بذلك.
وقال الكرمانيُّ وخصَّ هذا البيع بهذا الاسم؛ لأنَّ مدارَهُ على الحرص الذي لا يُؤْمَنُ التَّفاوت فيه فالمخاصمة والمدافعةُ أكثر فيه من غيره، وهذا عين ما قاله الدَّاودي، كما لا يخفى.
وقال ابن سِيده الزَّبن دفع الشَّيء عن الشَّيء، يقال زبن الشَّيء يزبنه زبنًا وزبن به. وفي «الجامع» للقزَّاز المزابنة كلُّ بيعٍ فيه غرر، وهو بيع شيءٍ جزافًا لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، وأصله أنَّ المغبون يريد أن ينفسخَ البيع، ويريد الغابن أن لا يفسخه فيتزابنان عليه؛ أي يتدافعان. وعند الشَّافعي هو بيعُ مجهولٍ بمجهول أو معلومٍ [من جنس تحريم الربا] في نقده [وخالفه مالك في هذا القيد، سواء كان مما يحرم الربا في نقده] [1] أو لا مطعومًا كان أو غير مطعومٍ [2] ، وقد فسَّر في هذا الصَّحيح بقوله
(بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) قال الكرمانيُّ بيع الثمر _ بالمثلثة _ بالتَّمر _ بالفوقانية _ ومعناه بيع الرطب بالتَّمر، وليس المراد كلُّ الثمار فإنَّ سائر الثِّمار يجوز بيعه بالتَّمر.
(كَيْلًا) أي من حيث الكيل نصب على التَّمييز، فإن قيل العقد مطلقًا منهي عنه سواء كان مكيلًا أو لا. فالجواب أنَّه بيان الواقع إذ هكذا
ج 10 ص 283
كان عادتهم.
(وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ) بسكون الراء، شجر العنب لكن المراد به هنا نفس العنب. قال الكرمانيُّ وهو من باب القلب إذ المناسب لقرينته أن يدخل الجار على الزَّبيب لا على الكرم.
(كَيْلًا) قال أبو عمر أجمعوا على تحريم بيع العنب بالزَّبيب، وعلى تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطةٍ صافيةٍ وهي المحاقلة سواء عند جمهورهم كان الرُّطب والعنب على الشَّجر أو مقطوفًا.
وقال أبو حنيفة إن كان مقطوفًا جاز بيعه بمثله من اليابس، وقال ابن بطَّال أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز بيع التَّمر في رؤوس النَّخل بالتَّمر؛ لأنَّه مزابنة وقد نهي عنه، وأمَّا رطب ذلك مع يابسه إذا كان مقطوفًا وأمكن فيه المماثلة فجمهور العلماء لا يجيزون بيع شيءٍ من ذلك بجنسه لا متماثلًا ولا متفاضلًا وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة والتَّمر بالرطب مثلًا بمثل، ولا يجيزه متفاضلًا.
قال ابن المنذر وأظنُّ أبا ثورٍ وافقه قال الإسماعيليُّ ليس في الحديث الذي ذكره البخاريُّ من جهة النَّص ذكر الزَّبيب بالزبيب ولا الطَّعام بالطَّعام، ولو ترجم للحديث ببيع التَّمر في رؤوس النَّخل بمثله من جنسه يابسًا لكان أولى، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّ البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرقه من ذكر الطَّعام، وهو في رواية الليث عن نافعٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقد روى مسلمٌ من حديث معمر عن عبد الله مرفوعًا (( الطَّعام بالطعام مثلًا بمثل ) ).
هذا، وقال العينيُّ هذا الذي قاله لا يساعد البخاري فالوجه أنَّه أخذ التَّرجمة من حيث المعنى، وهذا المقدار كافٍ في المطابقة، وربما تأتي بعض الأبواب لا توجد فيه المطابقة إلَّا بأدنى من هذا المقدار والغرض وجود شيءٍ ما من المناسبة، انتهى.
أقول قد أخذ هذا المعنى من قول الإسماعيليِّ فإنَّه قال لعلَّه أخذ ذلك من جهة المعنى، والله أعلم.
ثمَّ إنَّه لا خلاف بين العلماء أنَّ التَّفسير المذكور للمزابنة في الحديث من قول ابن عمر رضي الله عنهما أو مرفوعة، وأقلُّ ذلك أن يكون من قوله وهو راوي الحديث فَسُلِّمَ له وكيف ولا مخالف له في ذلك.
والحديث قد أخرجه مسلمٌ أيضًا في (( البيوع ) )، وكذا النسائي.
[1] ما بين معقوفين من العمدة.
[2] (وعند الشافعي .... غير مطعوم) هذه العبارة فيها نقص، وعلى ظاهرها مشكلة، راجع العمدة.