2172 - 2173 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السدوسي، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) هو السَّختياني(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ
ج 10 ص 284
قَاْلَ)أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ) أي من الزَّبيب، أو التَّمر معين وقوله
(إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ) حال من فاعل يبيع بتقدير القول؛ أي يبيعه قائلًا إن زاد التَّمر المخروص على ما يساوي الكيل المعيَّن فهو لي، وإن نقص فعليَّ بتشديد الياء. وفي بعض النسخ سقط لفظ (( والمزابنة ) )بعد قوله (( قال ) )فقيل إنَّ قوله (( أن يبيع ) )بدل أو بيان لقوله (( المزابنة ) )، والظَّاهر أنَّه في محل الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف هو المزابنة.
(قَالَ) أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وفي نسخة سقط لفظ (( قال ) )اكتفاء بما سبق.
- (وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاري رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة مصدر بمعنى التَّقدير والتَّخمين، وبكسرها اسمٌ منه يقال كم خرص أرضك؛ أي كم مقدارها والباء فيه للسببية؛ أو للملابسة.
وأمَّا العرايا فهو جمع عريَّة، مشتقٌّ من العُري، وهو التَّجرد وقلع الثَّوب؛ لأنَّها عريت عن حكم باقي البستان، قال الجمهور هي فعيلة بمعنى فاعلة. وقال الهرويُّ بمعنى مفعولة من عراه يعروه، إذا آتاه وتردَّد إليه؛ لأنَّ صاحبها يتردَّد إليها قال وهي بحسب الاصطلاح أن يخرص نخلٌ بأنَّ رطبها إذا جفَّ يكون ثلاثة أوسق مثلًا فيبيع بثلاثة أوسق من التَّمر، وكذا في الكروم.
وفي «التلويح» العرية النَّخلة المعراة، وهي التي وهبت ثمرة عامها، والعرية أيضًا التي تعزل عن المساومة عند بيع النَّخل، وقيل هي النَّخلة التي قد أُكِلَ ما عليها. واستعرى النَّاس أكلوا الرطب.
وفي «الصحاح» يعروها؛ أي يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنَّما أدخلت فيها الهاء؛ لأنَّها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النَّطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النَّخلة قلت نخلة عري. وقيل عراه يعروه، إذا أتاه يطلب منه عريةً فأعراه؛ أي إيَّاها كما يقال سألني فأسألته، فالعرية اسمٌ للنَّخلة المعطى ثمرها، فهي اسم لعطية خاصة، وقد سمَّت العرب عطايا خاصةً بأسماء خاصَّة كالمنيحة لعطية الشَّاة للبن،
ج 10 ص 285
والأفقار لِمَا ركب فقاره.
فعلى هذا إنَّ العرية عطية لا بيع، ثمَّ إنَّهم اختلفوا في تفسير العرية شرعًا
فقال مالكٌ والأوزاعي وأحمد وإسحاق العريَّة المذكورة في الحديث إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا. وقال قوم العرية النَّخلة والنَّخلتان والثلاث تجعل للقوم فيبيعون ثمرها بخرصها تمرًا، وهو قول يحيى بن سعيدٍ الأنصاري ومحمَّد بن إسحاق، وروي عن زيد بن ثابتٍ. وقال قومٌ مثل هذا إلَّا أنَّهم خصُّوا بذلك المساكين يجعل لهم ثمر النَّخل فيصعب عليهم القيام عليها فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاؤوا من التَّمر، وهو قول سفيان بن حسين وسفيان بن عيينة. وقال قوم العرية الرَّجل يعري النَّخلة، أو يستثني من ماله النَّخلة أو النخلتين بأكلها فيبيعها مثل خرصها، وهو قول عبد ربه بن سعيدٍ الأنصاري. وقال قومٌ العرية أن يأتي أوان الرُّطب وهنالك قوم فقراء لا مال لهم يريدون انتفاع رطب يأكلونه مع النَّاس، ولهم فضول تمرٍ من أقواتهم فإنَّه لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التَّمر فيما دون خمسة أوسقٍ، وهو قول الشَّافعي وأبي ثور، ولا عريَّة عندهما في غير النَّخل والعنب.
وقال الطَّحاوي وكان أبو حنيفة يقول فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر أنَّه سمع محمد بن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال معنى ذلك عندنا أن يعري الرَّجل الرَّجلَ ثمر نخلةٍ من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتَّى يبدو له؛ يعني يظهر له أن لا يمكِّنه من ذلك، فيعطيه مكانه خرصه تمرًا، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد.
وقال ابن الأثير العرية هي أنَّ من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل لهم يطعمهم منه ويكون قد فضل له تمر من فرقه فيجيء إلى صاحب النَّخل فيقول له بعني ثمر نخلةٍ أو نخلتين بخرصها من التَّمر فيعطيه ذلك الفاضل من التَّمر بثمر تلك النَّخلات ليصيب من رطبها مع النَّاس فرُخِّصَ فيه إذا كان دون خمسة أوسق.
وقال ابن زَرْقُون هي عطية ثمر النَّخل دون الرِّقاب كانوا يعطون ذلك إذا دهمتهم سنة لمن لا نخل له فيعطيه من نخله ما سمحت به نفسه مثل الأفقار
ج 10 ص 286
والمنحة والعمرى وكانت العرب تتمدَّح بالإعراء.
وقال النَّووي رحمه الله العرية هي أن يخرص الخارص نخلات فيقول هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجيء منه ثلاثة أوسقٍ من التَّمر مثلًا فيعطيه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسقٍ تمر ويتقاصَّان في المجلس فيسلِّم الثَّمن ويسلِّم بائع الرطب الرطبَ بالتَّخلية، وهذا جائزٌ فيما دون خمسة أوسق ولا يجوز فيما زاد على خمسة.
وفي جوازه في خمسة أوسق قولان للشَّافعي أصحهما لا يجوز، والأصحُّ أنَّه يجوز ذلك للفقراء والأغنياء وأنَّه لا يجوز في غير الرطب والعنب، وبه قال أحمد.
وقال أبو عمر فجملة قول مالكٍ وأصحابه في العرايا أنَّ العرية هي أن يجلب الرَّجل من حائطه خمسة أوسقٍ فما دونها، ثمَّ يريد أن يشتريها من المُعْرِي عند طيب الثَّمرة فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرًا عند الجذاذ وإن عَجَّلَ له لم يجز.
ولا يجوز ذلك لغير المُعرِي؛ لأنَّ الرُّخصة وردت فيه، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض، وقال أيضًا ولا يجوز البيع في العرايا عند مالكٍ وأصحابه إلَّا لوجهين إمَّا لدفع ضرر دخول المُعْرَى على المُعْرِي، وإمَّا لأن يرفق المُعْرِي المُعْرَى فيكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها من التَّمر إلى الجذاذ.
وفي «الاستذكار» يجوز الإعراء في كلِّ نوعٍ من الثَّمر كان ممَّا ييبس ويدَّخر أم لا، وفي القثاء والموز والبطيخ، قاله ابن حبيب قبل الإبار أو بعده، لعامٍ أو لأعوام، في جميع الحائط أو بعضه.
وقال عبد الوهاب بيع العرية جائز بأربعة شروطٍ
أحدها أن يُزْهَى وهو قول جمهور الفقهاء، وقال يزيدُ بن حبيب يجوز قبل بدوِّ الصَّلاح.
والثَّاني أن يكون خمسة أوسق فأدنى، وهو رواية المصريين عن مالكٍ، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد أنَّه لا يجوز إلَّا في خمسة أوسقٍ، فإن خرصت أقلَّ من خمسة أوسقٍ فلمَّا جُذَّ وُجِد أكثر، ففي «المدونة» روى صدقة بن حبيب عن مالكٍ أنَّ الفضل لصاحب العرية، ولو جذَّ أقل من الخرص ضَمِن الخرص، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص.
والثَّالث أن يُعطيه خرصها عند الجذاذ
ج 10 ص 287
ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرًا، خلافًا للشَّافعي في قوله إنَّه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرًا، ولا يجوز أن يفترقا حتَّى يتقابضا.
والرَّابع أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ، ثمَّ أراد تعجيل الخرص جاز، قاله ابن حبيب.
وعن مالكٍ فيما يصحُّ ذلك فيه من الثمار روايتان
إحداهما أنَّه لا يجوز إلَّا في النخل والعنب، وبه قال الشَّافعي.
والثَّانية أنَّه يجوز في كلِّ ما ييبس ويدَّخر من الثِّمار كالجوز واللوز والتين والزَّيتون والفستق، رواه محمَّد، وقال أشهب في الزَّيتون يجوز إذا كان ييبس ويدَّخر، وأمَّا النَّخل الذي لا يثمر، والعنب الذي لا يتزبَّب فعلى اشتراط التَّيبس يجب أن لا يجوز، والله أعلم.