2330 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو المعروف بابن المَدينيِّ، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيَينة، قال (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينار، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة وغيره (( عن سفيان حدَّثنا عمرو بن دينار ) ).
(قُلْتُ لِطَاوُسٍ) هو ابن كيسان (لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ) جواب لو محذوف، والتَّقدير لو تركت المخابرة لكان خيرًا، ويحتمل أن تكون كلمة لو للتَّمني فلا يحتاج إلى جواب.
وفسَّر الِكَرْمانيُّ المخابرة من جهة ما أخذ هذا اللفظ
ج 11 ص 83
منه فقال المخابرة من الخبر، وهو الأكَّار، ومن الخُبرة _ بضم الخاء _ وهي النَّصيب، أو من خيبر؛ لأنَّ أوَّل هذه المعاملة وقعت فيها انتهى.
والمُخابرة هي العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، وهي المزارعة لكن الفرق بينهما من جهة أنَّ البذر من العامل في المخابرة، ومن صاحب الأرض في المزارعة.
والدَّليل على أنَّ المراد بالمخابرة هنا هو المزارعة رواية التِّرمذي من حديث عمرو بن دينار بلفظ (( لو تركت المزارعة ) )يخاطب ابن عبَّاس رضي الله عنهما بذلك.
ويقوِّي ذلك قول ابن الأعرابيِّ اللغوي أنَّ أصل المخابرة معاملة خيبرَ فاستعمل ذلك حتَّى صار إذا قيل خابرهم، معناه عاملهم نظير معاملة أهل خيبر.
(فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ) الفاء للتَّعليل؛ أي فإنَّ النَّاس، ومراده منهم رافع بن خديج وعمومته، والثَّابت بن الضحَّاك، وجابر بن عبد الله، ومن روى منهم يقولون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الزَّرع على طريق المخابرة، أو عن عقد المخابرة.
(قَالَ) طاوس لعمرو (أَيْ عَمْرُو) أي يا عمرو (إِنِّي أُعْطِيهِمْ) من الإعطاء (وَأُغِيْنُهُمْ) بالعين المهملة المكسورة، من الإعانة في رواية الأكثر، وللكُشميهني بالغين المعجمة الساكنة من الإغناء، والأول هو الصَّواب، وكذا ضبط ابن ماجه وغيره من هذا الوجه.
(وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ) أي أعلم النَّاس (أَخْبَرَنِي؛ يَعْنِي) أي بأعلمهم (ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وسيأتي بعد أبوابٍ من طريق سفيان وهو الثَّوري عن عَمرو بن دينار، عن طاوس قال قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكذلك أخرجه أبو داود من هذا الوجه.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أي عن الزَّرع على طريق المخابرة؛ أي إعطاء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها، ولم يرد ابن عبَّاس رضي الله عنهما بذلك نفي الرِّواية المثبتة للنَّهي مطلقًا، وإنَّما أراد أنَّ النَّهي عنه ليس على حقيقته، وإنَّما هو على الأولويَّة.
وحاصله أنَّ المراد بالإثبات نهي التَّنزيه وبالنَّفي نفي التَّحريم، ويؤيِّده ما وقع في رواية الترمذي (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يحرِّم المزارعة ) )، وقيل المراد أنَّه لم ينه عن العقد الصَّحيح، وإنَّما نهى عن الشَّرط الفاسد، فلا معارضة بين الرِّوايتين.
(وَلَكِنْ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ) قال الحافظ العسقلانيُّ بفتح الهمزة والحاء على أنَّها تعليلية، وبكسر
ج 11 ص 84
الهمزة وسكون الحاء على أنَّها شرطية، والأول أشهر، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس كذلك، بل «أَن» بفتح الهمزة مصدرية، ولام الابتداء مقدرة؛ أي لَأن يمنع أحدكم أخاه خيرٌ له، وهو مبتدأ وخبر.
ويؤيِّده أنَّه وقع في رواية الطَّحاوي بلام الابتداء ظاهرةٌ هكذا (( لَأَن يمنح أحدكم أخاه أرضه خيرٌ له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا ) ).
ووقع في رواية مسلم (( يمنح أحدكم ) )بدون أن واللام، وقد جاء أن بالفتح بمعنى إن _ بالكسر _ الشَّرطية، فحينئذٍ يكون «يمنح» مجزومًا به، وجواب الشَّرط خيرٌ له، لكن فيه حذف تقديره هو خيرٌ له.
(مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ) أي على إعطاء الأرض (خَرْجًا مَعْلُومًا) أي أجرة معلومة؛ يعني أن يجعلها له منحةً؛ أي عطية عاريٍة خيرٌ له وأفضل من أن يأخذ في مقابلتها أجرة معلومةً كالثُّلث والربع وغير ذلك.
وقد روى مسلمٌ والنَّسائي من حديث حمَّاد بن زيد عن عمرو بن دينار قال كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذَّهب والفضَّة، ولا يرى بالثُّلث والرُّبع بأسًا، فقال له مجاهد اذهب إلى ابن رافع بن خديج فاستمع حديثه عن أبيه، فقال لو أعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه لم أفعله، ولكن حدَّثني من هو أعلم منه ابن عبَّاس رضي الله عنهما فذكره.
وللنَّسائي أيضًا من طريق عبد الكريم عن مجاهدٍ قال أخذت بيد طاوس فأدخلته إلى ابن رافع بن خُدِيج، فحدَّثه، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض. فأبى طاوس وقال سمعت ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يرى بذلك بأسًا.
وقد بيَّن الطَّحاوي علَّة النَّهي في حديث رافعٍ فقال حدَّثنا عليُّ بن شَيْبة قال حدَّثنا يَحيَى بن يَحيَى قال ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرَّحمن بن إسحاق، عن أبي عبيدة بن محمَّد بن عمَّار بن ياسر، عن الوليد بن أبي الوليد، عن عروة بن الزُّبير، عن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، أنَّه قال يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله كنت أعلم منه بالحديث، إنَّما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقتتلا، فقال (( إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع ) )فسمع قوله (( لا تكروا المزارع ) ).
ج 11 ص 85
قال الطَّحاوي فهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه يخبر أن قول النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تكروا المزارع ) )الذي قد سمعه رافعٌ لم يكن من النَّبي صلى الله عليه وسلم على وجه التَّحريم، وإنَّما كان لكراهية وقوع الشَّرِّ بينهم. وأخرجه أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه أيضًا.
قال الطَّحاوي وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من المعنى الذي ذكره زيد بن ثابتٍ من حديث رافع ين خديج رضي الله عنهما شيءٌ، ثمَّ روى حديث الباب نحوه.
والحاصل أنَّ الأولى أن يجعلها له منيحةً؛ أي عاريّةً عارية عن العوض، لأنَّهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتَّى أفضى بهم إلى التَّقاتل؛ أو لأنَّه صلى الله عليه وسلم كره لهم الاعتياد بالزِّراعة والحرص عليها؛ لئلَّا يقعدوا بها عن الجهاد، والله أعلم بالسَّداد [1] .
ووجه دخول هذا الحديث في الباب السَّابق من حيث إنَّ فيه لربِّ الأرض على العامل جزءًا معلومًا، وهناك أنَّه لو ترك ربُّ الأرض هذا الجزء للعامل كان خيرًا له من أن يأخذه منه.
وفيه جواز أخذ الأجرة؛ لأنَّ أولوية التَّرك لا تنافي الجواز.
والحديث أخرجه المؤلف في «الهبة» أيضًا [خ¦2634] ، وأخرجه مسلم في «البيوع» ، وكذا أبو داود فيه وأخرجه التِّرمذي في «الأحكام» ، والنَّسائي في «المزارعة» ، وابن ماجه في «الأحكام» ، وزاد هو والإسماعيليُّ من الوجه الذي في الباب عن طاوس وأنَّ معاذ بن جبل أخذ النَّاس عليها عندنا؛ يعني باليمن، وكأن البخاريُّ حذف هذه الجملة الأخيرة؛ لِمَا فيها من الانقطاع بين طاوس ومعاذ رضي الله عنه ورحمه الله.
[1] من قوله (( والحاصل أن الأولى ... إلى قوله والله أعلم بالسداد ) )ليست في (خ) .