5848 - (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (سَمِعَ البَرَاءَ) أي ابن عازبٍ رضي الله عنهما، حال كونه (يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْبُوعًا) أي بين الطَّويل والقصير، يقال رجلٌ ربعةٌ ومربوعٌ، وجاء في صفته صلى الله عليه وسلم أطول من المربوع (وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) مضى تفسير الحلَّة عن قريبٍ (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ) وفي حديث هلال بن عامر عن أبيه رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم يخطبُ بمنى على بعيرٍ وعليه بردٌ أحمر رواه أبو داود بإسنادٍ حسنٍ. وللطَّبرانيِّ بسندٍ حسنٍ عن طارق المحاربيِّ نحوه لكن قال بسوق ذي المجاز. ثمَّ إنَّ أكثر أصحاب أبي إسحاق رووه عن أبي إسحاق عن البراء وخالفهم أشعث فقال عن أبي إسحاق عن جابر بن سَمُرة أخرجه النَّسائي وأعلَّه. وأخرجه التِّرمذي وحسَّنه، ونقل عن البخاريِّ أنَّه قال حديث أبي إسحاق عن البراء، وعن جابر بن سَمُرة صحيحان وصحَّحه الحاكم. وقد تقدَّم حديث أبي جُحَيفة قريبًا [خ¦5786] ، ويأتي وفيه حلَّةٌ حمراء أيضًا [خ¦5859] .
فإن قيل رويت أحاديث في المنع عن لبس الأحمر، منها أنَّ أنسًا رضي الله عنه روى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرهُ الحُمرة، وقال الجنَّة ليس
ج 25 ص 127
فيها حمرة.
ومنها حديث عبَّاد بن كثيرٍ عن هشام عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يحبُّ الخضرة ولا يحبُّ الحمرة. ومنها حديث خارجة بن مصعب عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه مثله. ومنها حديث الحسن بن أبي الحسن أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( الحمرة زينة الشَّيطان والشَّيطان يحب الحُمرة ) )أخرجه ابنُ أبي شيبة من مرسلِ الحسن.
فالجواب أنَّ هذا كلُّه غير مستقيم الإسناد وأكثرُها مراسيل لاسيَّما مرسل الحسن. وقد وصله أبو عليِّ بن السَّكن وأبو أحمد بن عدي. ومن طريقه البيهقيُّ في «الشعب» من رواية أبي بكرٍ الهذليِّ، وهو ضعيفٌ عن الحسن عن رافع بن يزيد الثَّقفيِّ رفعه (( إنَّ الشَّيطان يحبُّ الحمرة فإيَّاكم والحمرة، وكلُّ ثوبٍ ذي شهرة ) ). وأخرجه ابنُ منده وأدخل في روايةٍ له بين الحسن ورافع رجلًا، فالحديث ضعيفٌ وبالغ الجوزقانيُّ فقال إنَّه باطل. قال الحافظُ العسقلانيُّ وقد وقفت على كتاب الجوزقاني المذكور وترجمه بـ «الأباطيل» وهو بخطِّ ابن الجوزيِّ. وقد تبعه على ما ذكر في أكثر كتابه في «الموضوعات» لكن لم يوافقه على هذا الحديث، فإنَّه ما ذكره في الموضوعات فأصاب، نعم أخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفَدَّم وهو _ بالفاء وتشديد الدال _، وهو المشبَّع بالعصفر، فسَّره في الحديث إلَّا أنَّه محمولٌ على أنَّه يصبغُ كله بلونٍ واحدٍ. وعن عمر رضي الله عنه أنَّه كان إذا رأى على الرَّجل ثوبًا معصفرًا ضربه، وقال دعوا هذا للنِّساء. أخرجه الطَّبريُّ. وعن عبد الله بن عَمرو قال مرَّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ وعليه ثوبان أحمران فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه أبو داود والتِّرمذي وحسَّنه والبزَّار، وقال لا نعلمه إلَّا بهذا الإسناد، وفيه أبو يحيى القتَّات مختلفٌ فيه. وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فرأى على رواحلنا أكسيةً فيها خيوطُ عُهْنٍ حمرٍ، فقال ألا أرى هذه الحمرة قد غلبتكُم، قال فقمنَا سراعًا فنزعناهَا حتَّى نفرَ بعضُ إبلنا. أخرجه أبو داود وفي سنده راوٍ لم يسمَّ. وعن امرأةٍ من بني أسد قالت كنت عند زينب أمِّ المؤمنين رضي الله عنها ونحن نصبغ ثيابًا بمَغْرَةٍ إذ طلع النَّبي صلى الله عليه وسلم فلمَّا رأى المَغْرَة رجع، فلمَّا رأت ذلك زينب غسلتْ ثيابها ووارت كلَّ حمرةٍ فجاء فدخل. أخرجه أبو داود وفي سنده ضعفٌ، فكلُّ ذلك لا يقاوم حديث البراء في «الصحيح» .
واعلم أنَّه قد تلخَّص من أقوال السَّلف في لبس الثَّوب الأحمر سبعة أقوال
القول الأوَّل الجواز مطلقًا جاء عن عليٍّ وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحدٍ من الصَّحابة
ج 25 ص 128
وعن سعيد بن المسيب والنَّخعي والشَّعبي وأبي قلابة وأبي وائل وجماعةٍ من التَّابعين.
القول الثَّاني المنع مطلقًا للأحاديث المذكورة.
القول الثَّالث يكره لبس الثَّوب المُشْبع بالحُمرة دون ما كان صبغه خفيفًا، روي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد، وكان الحجَّة فيه حديث ابن عمر المذكور قريبًا في المفدَّم.
القول الرَّابع يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزِّينة والشُّهرة، ويجوز في البيوت والمَهْنةِ، جاء ذلك عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقد تقدَّم قول مالك في «باب التَّزعفر» [خ¦5846] .
القول الخامس يجوز لبس ما كان صُبِغَ غزلُه ثمَّ نُسجَ، ويمتنعُ ما صُبغ بعد النَّسج جنح إلى ذلك الخطابيُّ، واحتج بأنَّ الحلَّة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه صلى الله عليه وسلم الحلَّة الحمراء إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر وبرود اليمن يصبغُ غزلها ثمَّ تنسجُ.
القول السَّادس اختصاص النَّهي بما يصبغُ بالعصفر لورود النَّهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ، ويعكِّر عليه حديث المَغْرَة المتقدِّم.
القول السَّابع تخصيصُ المنع بالثوب الَّذي يصبغ كلُّه، وأمَّا ما فيه لونٌ آخر غير الأحمر من بياضٍ وسوادٍ وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلَّة الحمراء، فإنَّ الحلل اليمانيَّة غالبًا تكون ذات خطوطٍ حمر وغيرها.
قال ابن القيِّم كان بعضُ العلماء يلبسُ ثوبًا مشبعًا بالحُمرة ويزعم أنَّه يتبع السُّنَّة وهو غلطٌ، فإنَّ الحلَّة الحمراء من بُرود اليمن، والبُرْدُ لا يصبغُ بالحمرة صرفًا، كذا قال. وقال الطبريُّ بعد أن ذكر غالبَ هذه الأقوال الَّذي أراه جوازُ لبس الثِّياب المصبغة بكلِّ لونٍ، إلَّا أنِّي لا أحبُّ لبس ما كان مشبعًا بالحُمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثِّياب لكونه ليس من لباسِ أهل المروءةِ في زماننا، فإنَّ مراعاة زيِّ الزَّمان من المروءة ما لم يكن إثمًا.
وفي مخالفة الزِّيِّ ضربٌ من الشُّهرة وهذا يمكن أن يلخَّص منه قولٌ ثامن، والتَّحقيق في هذا المقام أنَّ النَّهي عن لبس الأحمر إن كان
ج 25 ص 129
من أجل أنَّه لباس الكفَّار فالقول فيه كالقول في الميثرة الحمراء كما سيأتي [خ¦5849] . وإن كان من أجل أنَّه زيُّ النِّساء فهو راجعٌ إلى الزَّجر عن التَّشبُّه بالنِّساء، فيكون النَّهي عنه لا لذاته، وإن كان من أجل الشُّهرة أو خرم المروءة فيمنع حيث يقعُ ذلك وإلَّا فلا فيقوِّي ما ذهب إليه مالك من التَّفرقة بين لبسه في المحافلِ وفي البيوت.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد مضى الحديث في «صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم» [خ¦3551] .
وقد أخرجه أبو داود في «اللِّباس» ، والتِّرمذي في «الاستئذان» و «الأدب» وفي «الشمائل» ، والنَّسائي في «الزِّينة» .