9 - (باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} ) قال الرَّاغب وغيره القَسَم _ بفتحتين _ الحَلف، وأصله من القسامة، وهي الأيمان التي على أولياء المقتول، ثمَّ استعمل في كلِّ حلفٍ [قال الراغب ومعنى (جهد أيمانهم) أنهم اجتهدوا في حلفهم] فأتوا به على أبلغ ما في وسعه انتهى.
وقال أهل اللُّغة القسامة مأخوذةٌ من القسمة، وأنَّ الأيمان تقسم على أولياء القتيل. وقال المهلَّب قوله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام 109] دليلٌ على أنَّ الحلف بالله أكبر الأيمان؛ لأنَّ الجهد شدَّة المشقَّة، وهذه الآية في الأنعام، وبعدها {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} [الأنعام 109] الآية، وفي سورة النُّور، وبعدها {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور 53] الآية.
ج 28 ص 60
قال الثَّعلبي الآية الأولى نزلت في قريش قالوا يا محمَّد تخبرنا عن موسى أنَّه كان معه العصا يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا، وتخبرنا عن عيسى أنَّه يحيي الموتى، وتخبرنا أنَّ ثمود كانت لهم ناقةٌ فأتنا بشيءٍ من الآيات حتَّى نصدقك، الحديث بطوله، فأنزل الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام 109] ؛ أي حلفوا بالله (( جهد أيمانهم ) )؛ أي بجهد أيمانهم. يعني بكلِّ ما قدروا عليه من الأيمان وأشدِّها (( لئن جاءتهم آيةٌ ) )كما جاءت من قبله من الأمم (( ليؤمنن بها ) )، والآية الثَّانية نزلت في المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك، إن أقمتَ أقمنا، وإن خرجتَ خرجنا، وإن جاهدت جاهدنا معك، فقال الله تعالى {قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور 53] بالقول واللِّسان دون الاعتقاد، فهي معروفةٌ منكم بالكذبِ أنَّكم تكذِّبون فيها، قاله مجاهد. وقيل أي حلفوا بالله وهو جهدُ اليمين؛ لأنَّهم بذلوا فيها مجهودهُم وجهد يمينه مستعارٌ من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذ بالغ في اليمين وبلغ غاية شدَّتها ووكادتها.
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما من قال بالله، فقد جهد يمينه.
وأصل أقسم جهد اليمين أقسم يجهد اليمين جهدًا، فحذف الفعل وقدَّم المصدر فوضع موضعه مضافًا إلى المفعول كقوله {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد 4] ، وحكم هذا المنصوب حكم الحال كأنَّه قال جاهدين أيمانهم.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وقد وصله البخاري في كتاب «التَّعبير» في باب «من لم يرَ الرؤيا لأوَّل عابرٍ» [خ¦7046] من طريق الزُّهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ رجلًا أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال إنِّي رأيت اللَّيلة ظُلَّة ينطفُ منها السَّمن والعسل. الحديث، وفيه تعبير أبي بكر لها، وقوله للنَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني يا رسول الله أصبت أم أخطأت؟ قال (( أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا ) ).
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ فِي) تعبير (الرُّؤْيَا، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ تُقْسِمْ) وقوله هنا «في الرُّؤيا» من كلام البخاري إشارةٌ إلى ما اختصره من الحديث،
ج 28 ص 61
والغرض منه هنا قوله «لا تقسم» ، موضع قوله «لا تحلف» ، وأشار إلى الرَّدِّ على من قال أقسمت، انعقدت يمينًا؛ لأنَّه لو قال بدل أقسمت، حلفت لم تنعقد اتِّفاقًا إلَّا إن نوى اليمين، أو قصد الإخبار بأنَّه سبق منه حلف.
وأيضًا فقد أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بإبرار المقسم، فلو كانت أقسمت يمينًا لأبرَّ أبا بكر حين قالها، كذا قيل وفي تلك الإشارة خفاءٌ.
وقال العيني مطابقته للترجمة من حيث إن فيها إنكار قسم قريش أو المنافقين؛ لكذبهم في أيمانهم، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنكارٌ للقسم الَّذي أقسم به أبو بكر رضي الله عنه، ولكنَّ الفرق ظاهرٌ بين القسمين. فإن قيل أمر صلى الله عليه وسلم بإبرار المقسم، كما يجيء فلم ما أبره. فالجواب أنَّ ذلك مندوبٌ عند عدم المانع، وإنما كان له صلى الله عليه وسلم مانعٌ منه.
وقال ابن المنذر أمر الشَّارع بإبرار المقسم أمر ندبٍ لا وجوب؛ لأنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه أقسم على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرَّ قسمه، ولو كان ذلك واجبًا لأبرَّه.
وقال المهلَّب إبرار المقسم إنَّما يستحبُّ إذا لم يكن في ذلك ضررٌ على المحلوفِ عليه، أو على جماعة أهل الدِّين، والَّذي سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيان موضع الخطأ في تعبير الصِّدِّيق هو عائدٌ على المسلمين، وسيجيء إيضاح ذلك في «التَّعبير» [خ¦7046] إن شاء الله تعالى.
فائدة قالت الشَّافعيَّة لو قال أقسمت، أو أقسم، أو حلفت، أو أحلف بالله لأفعلنَّ يكون يمينًا كما عند الحنفيَّة بشرط أن ينويَ بذلك الحلف بالله؛ لأنَّه عرف الشَّرع قال تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [الأنعام 109] إلَّا أن ينويَ خبرًا ماضيًا في صيغة الماضي، أو مستقبلًا في صيغة المضارع فلا يكون يمينًا لاحتمال ما نواه.
وأمَّا قوله لغيره أقسم عليك بالله، أو أسألك بالله لتفعلنَّ كذا، يمين إن أرادَ يمين نفسه، فيسن للمخاطب إبراره فيها بخلاف ما إذا لم يردها، وتحمل على الشَّفاعة في فعله.