فهرس الكتاب

الصفحة 8702 من 11127

5849 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) هو ابنُ عُقبة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ أَشْعَثَ) هو ابنُ أبي الشَّعثاء (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة (عَنِ البَرَاءِ) أي ابن عازبٍ رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ) أي بسبع خصالٍ، ومميَّز العدد محذوف (عِيَادَةِ المَرِيضِ) الأصل في عيادة عوادة؛ لأنَّه من عاده يعوده، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والمرض يكون في الجسم والقلبِ كالجهلِ والجبن والبخل والنِّفاق وغيرها من الرَّذائل، وإطلاقِ المرض على ذلك مجازٌ، والمراد هنا الأوَّل.

(وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) افتعالٌ من تبع يتبع، ويكون تارةً بالجسم، وتارةً بالائتمارِ والامتثال، ومن المحتمل لهما قوله تعالى {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف 66] أي أتَّبعك بجسمي وألتزم ما تفعله وأقتفي فيه أثركَ، والَّذي يحتملهما أيضًا اتِّباع الجنائز، وعلى ذلك يبتنى الخلاف في أنَّ الأفضلَ المشي خلفها أو أمامها؛ لأنَّه إن كان أمامها فهو تابعٌ لها معنى، كذا قيل فليتأمَّل [1] .

(وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ) بإعجام الشين وتهمل، وهو أن تقولَ للعاطس يرحمك الله، وقيل التَّشميت مأخوذٌ من شماتة العدوِّ وهو فرحه بما يسوءك، فإمَّا أن يكون المراد هنا الدُّعاء له بأن لا يكون في حالةٍ يُشمَت به فيها، وإمَّا أن يكون

ج 25 ص 130

أنَّك إذا دعوت له بالرحمة فقد أدخلتَ على الشَّيطان ما يُسخطه، فيسرُّ العاطس بذلك، فيكون شماتةً بالشَّيطان، وقيل غير ذلك. والأربعة الباقية من السَّبع إجابة الدَّاعي، وإفشاء السَّلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسِم.

والأمر المذكور المراد به المطلق في الإيجاب، والنَّدب لأنَّ بعضها إيجابٌ، وبعضها ندبٌ، وليس ذلك من استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه؛ لأنَّ ذاك إنما هو في صيغة أفعل، أمَّا لفظ الأمر فيُطلق عليهما حقيقةً على المرجَّح؛ لأنَّه حقيقة في القول المخصوص، واتِّباع الجنائز فرضُ كفاية، وكذا إجابة الداعي لوليمة النِّكاح.

(وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) كذا في رواية أبي ذرٍّ وسقط في رواية غيره (عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ) هو ما رقَّ من ثيابِ الحرير، وعطفه على الحرير ليفيد النَّهي عن خصوصه؛ لأنَّه صار جنسًا مستقلًّا بنفسه. قال العينيُّ وهو فارسيٌّ معرب.

(وَ) عن (القَسِّيِّ) بفتح القاف وتشديد السين المهملة على صيغة النِّسبة، وقيل الأصل القَزِّي بالزاي بدل السين فأبدلت سينًا، والصَّواب تفسيرها بما في مسلم عن عليٍّ أنَّها ثيابٌ مصبغةٌ يُؤتى بها من مصر والشَّام فيها سيور، وفي البخاري حرير أمثال الأترج [خ¦5838 قبل] ، وفي أبي داود من الشَّام أو مصر مصبغة فيها أمثال الأترج، وقد سبقَ أيضًا من بابه [خ¦5838 قبل] .

(وَالإِسْتَبْرَقِ) وهو ما غلُظ من الحرير والدِّيباج، والاستبرق صنفان نفيسان من الحرير، ولذا خصَّصهما بالذِّكر (وَمَيَاثِرِ الحُمْرِ) وفي رواية أبي ذرٍّ فهي جمع ميثرة تقدَّم ضبطها في «باب لبس القسيِّ» [خ¦5838 قبل] ، وقد أخرج أحمد والنَّسائيُّ وأصله عند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن عليٍّ رضي الله عنه قال نهى عن مياثرِ الأرجوان، هكذا عندهم بلفظ نُهِيَ على البناء للمفعول وهو محمولٌ على الرَّفع.

وقد أخرج أحمدُ وأصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن حبَّان من طريق هُبيرة بن يريم _ بتحتانية أوله _ على وزن عظيم عن عليٍّ رضي الله عنه قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذَّهب،

ج 25 ص 131

وعن لبس القسِّيِّ والميثرة الحمراء. قال أبو عبيد المياثر الحمر الَّتي جاء النَّهي عنها كانت من مراكب العجم من ديباجٍ وحريرٍ. وقال الطَّبريُّ هي وطاءٌ يوضع على سرج الفرس أو رَحْلِ البعير من الأرجوان. وحكى في «المشارق» قولًا أنَّها سروجٌ من ديباج. وقولًا أنَّها أغشيةٌ للسُّروج من حرير. وقولًا أنَّها تشبه المخدَّة تحشى بقطنٍ أو ريشٍ يجعلها الرَّاكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطَّبري.

والأقوال الثَّلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفةً بل الميثرة تطلق على كلٍّ منها، وتفسير أبي عبيد يحتمل الثَّاني أو الثَّالث، وعلى كلِّ تقديرٍ فالميثرة إن كانت من حريرٍ فالنَّهي فيها كالنَّهي عن الجلوس على الحرير، وقد تقدَّم القول فيه [خ¦5837] ولكنَّ تقييدها بالأحمر أخصُّ من مطلق الحرير فيمتنع إن كانت حريرًا، وكذا يمنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حريرٍ فالنهي فيها للزَّجر عن التَّشبُّه بالأعاجم.

قال ابن بطَّال كلام الطَّبريِّ يقتضي التَّسوية في المنع من الرُّكوب عليها سواءٌ كانت من حريرٍ أم غيره، فكان النَّهي عنها إذا لم تكن من حريرٍ للتَّشبُّه أو للسَّرف أو التزيُّن، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التَّحريم والتَّنزيه، وأمَّا تقييدها بالحمرة فمَن يحمل المطلق على المقيَّد _ وهم الأكثر _ يخصُّ المنع بما كان أحمر.

والأرجوان المذكور في الرِّواية التي أشير إليها بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو خفيفة. وحكى القاضي عياض ثمَّ القرطبي فتح الهمزة. وأنكره النَّوويُّ وصوَّب أنَّ الضم هو المعروف في كتب الحديث واللغة والغريب. واختلفوا في المراد به، فقيل هو صبغٌ أحمر شديد الحمرة، وهو نَوْر شجر من أحسن الألوان، وقيل الصُّوف الأحمر، وقيل كلُّ شيءٍ أحمر فهو أرجوان، ويقال ثوب أرجوانٍ وقطيفة أرجوان. وحكى السِّيرافيُّ أحمر أرجوان فكأنَّه وُصْفٌ للمبالغة في الحمرة كما يقال أبيض يقَق وأصفر فاقع. واختلفوا هل الكلمة عربيَّة أو معرَّبة؟

فإن قلنا باختصاص النَّهي بالأحمر من المياثر، فالمعنى

ج 25 ص 132

في النَّهي عنها ما في غيرها كما تقدم في الباب قبله [خ¦5848] . وإن قلنا لا يختصُّ بالأحمر فالمعنى في النَّهي عنها ما فيه من التَّرفُّه، وقد يعتادها الشَّخص فيعوزه فيشق عليه تركها، فيكون النهي نهي إرشادٍ لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، وإن قلنا النَّهي عنها من أجل التَّشبُّه بالأعاجم فهو لمصلحةٍ دينيَّةٍ، لكن كان ذلك شعارهم حينئذٍ وهم كفَّارٌ ثمَّ لما لم يَصِرِ الآنَ يختصُّ بشعارهم زال ذلك المعنى، فيزول الكراهة والاثنان المكملان للسَّبع خواتم الذَّهب وأواني الفضَّة.

ومضى الحديث مختصرًا في «باب لبس القسيِّ» [خ¦5838] ، ومضى مطولًا في «الجنائز» في «باب الأمر بإتباع الجنائز» [خ¦1239] . ومطابقته للتَّرجمة في قوله «ومياثر الحمر» .

[1] في هامش الأصل قسطلاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت