فهرس الكتاب

الصفحة 10313 من 11127

90 - (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، كِتَابُ الحِيَلِ) جمع حيلة، وهي ما يتوصَّل به إلى مقصوده بطريق خفيٍّ، وقال الجوهريّ الحيلة _ بالكسر _ اسمٌ من الاحتيال، ذكره في فصل الياء، ثمَّ قال وهو من الواو يقال هو أحيل منك، وأحول منك؛ أي أكثر حيلةً، وما أحيله لغةٌ في ما أحوله…

وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصَّل بها إلى إبطال حقٍّ أو إثبات باطلٍ فهي حرامٌ، أو إلى إثبات حقٍّ أو دفع باطلٍ فهي واجبةٌ أو مستحبَّة، وإن توصَّل بها بطريق مباحٍ إلى سلامة من وقع في مكروه فهي مستحبَّة أو مباحة، أو إلى ترك مندوبٍ فهي مكروهة.

ووقع الخلاف بين الأئمَّة في القسم الأول هل يصحُّ مطلقًا وينفذ ظاهرًا وباطنًا، أو يبطل مطلقًا، أو يصحُّ مع الإثم؟ ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلَّة كثيرة، فمن الأوَّل قوله تعالى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص 44] .

وقد عمل به النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في حقِّ الضَّعيف الَّذي زنا، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في السُّنن، ومنه قوله تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق 2] . وفي الحيل مخارج من المضايق، ومنه مشروعيَّة الاستثناء فإنَّ فيه تخليصًا من الحنث، وكذلك الشُّروط فإنَّ فيها سلامةً من الوقوع في الحرج.

ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه في قصَّة بلالٍ بع الجمع بالدَّراهم ثمَّ ابتع بالدَّراهم جبنًا، ومن الثَّاني قصَّة أصحاب السَّبت وحديث (( حرِّمت عليهم الشُّحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها ) ).

وحديث النَّهي عن الفحش، وحديث لعن المحلِّل والمحلَّل له، والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغِ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجازَ الحيل، ثمَّ اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ باطنًا،

ج 29 ص 116

ومن قال بالثَّاني أبطلها ولم يجز منها إلَّا ما وافقَ فيه اللَّفظ المعنى الَّذي تدلُّ عليه القرائن الحالية.

وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفيَّة لكون أبي يوسف صنَّف فيه كتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثيرٍ من أئمَّتهم تقييد أعمالها بقصد الحقِّ.

قال صاحب «المحيط» أصل الحيل قوله تعالى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص 44] ، وضابطها إن كانت للفرارِ من الحرام، والتَّباعدِ من الإثم فحسنٌ، وإن كانت لإبطال حقِّ مسلم فلا، بل هي إثمٌ وعدوان، والله تعالى أعلم.

1 - (باب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ) وسقطت في (( اليونينية ) )لفظة ، فباب مضاف لتاليه.

قال ابنُ المُنيِّر أدخل البخاريُّ التَّرك في التَّرجمة لئلَّا يتوهَّم؛ أي من التَّرجمة الأولى إجازة الحيل، قال العينيُّ التَّرجمة الأولى بعمومها تتناول الحيلةَ الجائزة، والحيلة الغير الجائزة وأطلقها؛ لأنَّ من الحيلة ما لا يمنع منها، وفي هذه التَّرجمة أحد النَّوعين وهو التَّرك.

(وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة (وَغَيْرِهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيّ بالتَّذكير على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع، وهذا قطعةٌ من الحديث الذي يأتي [خ¦6953] ، وأيضًا مضى في أوَّل الكتاب [خ¦1 و 54] ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّما الأعمال بالنِّيات وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) ).

وقوله (( في الأيمان وغيرها ) )، من كلام البخاريّ لا من الحديث، والحديث محمولٌ على العبادات والبخاريّ عمَّم في ذلك حيث يشملُ كلامه المعاملات أيضًا.

قال ابنُ المنيِّر اتَّسع البخاريّ في الاستنباط، والمشهورُ عند النّظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاريُّ عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكًا في القول بسدِّ الذَّرائع واعتبار المقاصد، فلو فسد اللَّفظ وصحَّ القصد ألغي اللَّفظ، وأعمل القصد تصحيحًا وإبطالًا.

قال والاستدلال بهذا الحديث على سدِّ الذَّرائع، وإبطال الحيل من أقوى الأدلَّة، ووجه التَّعميم أنَّ المحذوفَ المقدر الاعتبار، فمعنى الاعتبار في العبادات إجراؤها

ج 29 ص 117

وبيان مراتبها، وفي المعاملات وكذلك الأيمان الرَّدُّ إلى القصد، وقد تقدَّم في أوَّل الكتاب تصريحُ البخاريّ بدخولِ الأحكام كلِّها في هذا الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت