6953 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزدي الجهضميّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، وسقط في رواية أبي ذرٍّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، اللَّيثيّ المدنيّ، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَخْطُبُ) على المنبر (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، والجملة مقول القول، وإنَّما من أدوات الحصر.
قال السَّكاكيّ في «إعجاز القرآن» إنَّ الواقع بعد إنَّما إذا كان مبتدأ وخبرًا المحصور هو الثَّاني، فإذا قلنا إنَّما المال لزيدٍ، فالمال لزيد لا لغيره، وإذا قلنا إنَّما لزيدٍ المال فالمحصور المال تقديره لا غيره، والأعمال مبتدأ بتقدير مضاف؛ أي إنَّما صحَّة الأعمال، والخبر الاستقرار الَّذي يتعلَّق به حرف الجر، والباء في بالنِّية للسَّببية، وأفردها؛ لأنَّ المصدر المفرد يقومُ مقامَ الجمع، وإنَّما يجمع لاختلاف الأنواع.
(وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى) وقد تقدَّم في (( بدء الوحي ) ) [خ¦1] (( وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) )ومفهومه أنَّ من لم ينوِ شيئًا لم يحصل، وقد أوردَ عليه من نوى الحج عن غيره وكان لم يحجَّ، فإنَّه يصحُّ عنه ويسقطُ عنه الفرض بذلك عند الشَّافعيّ وأحمد والأوزاعيّ وإسحاق، وقال الباقون يصحُّ عن غيره ولا ينقلب عن نفسهِ لأنَّه لم ينوه.
واحتجَّ الأوَّل بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قصَّة شُبْرمة، فعند أبي داود (( حُجَّ عن نفسك، ثمَّ حُجَّ عن شُبْرمة ) )، وعند ابن ماجه (( فاجعلْ هذه عن نفسك، ثمَّ حجَّ عن شبرمة ) )، وسنده صحيحٌ، وأجابوا أنَّ الحجَّ خرج عن بقيَّة العبادات، ولذلك يمضي في فاسده دون غيره.
وقد وافق أبو جعفر الطَّحاويّ على ذلك، ولكن حمله على الجاهل بالحكم وأنَّه إذا علم في أثناء الحج وجب عليه أن ينويه عن نفسهِ
ج 29 ص 118
فحينئذٍ ينقلب وإلَّا فلا يصحُّ عنه.
ويستثنى من عموم الخبر ما يحصل من جهة الفضل الإلهيِّ بالقصد من غير عملٍ كالأجرِ الحاصل للمريضِ بسبب مرضه على الصَّواب لثبوت الأخبار بذلك خلافًا لمن قال إنَّما يقعُ الأجر على الصَّبر، وحصول الأجر بالوعد الصَّادق كمن قصد العبادة فعاقه عنها عائقٌ بغير إرادته، وكمن له أورادٌ فعجزَ عنها لمرضٍ مثلًا، فإنَّه يكتب له أجرها كمن عملها.
وممَّا يستثنى على خُلْفٍ ما إذا نوى صلاة فرضٍ، ثمَّ ظهر ما يقتضي فسادها هل ينقلبُ نفلًا وهذا عند العذر، فأمَّا لو أحرم بالظهر مثلًا قبل الزَّوال فلا يصحُّ فرضًا، ولا ينقلب نفلًا إذا تعمَّد ذلك، وممَّا اختلف فيه هل يثاب المسبوق ثواب الجماعة على ما أدركه أو يعمُّ، وهل يثاب من نوى صيام نفلٍ في أثناء النَّهار على جميعه أو من حين نوى؟ وهل يكمل الجمعة إذا خرج وقتها في أوَّل الرَّكعة الثَّانية مثلًا جمعة أو ظهرًا وهل تنقلب بنفسها أو تحتاج إلى تجديد نيةٍ؟ والمسبوق إذا أدرك الاعتدال الثَّاني مثلًا هل ينوي الجمعة أو الظُّهر؟ ومن أحرم بالحجِّ في غير أشهره هل ينقلب عمرةً أو لا؟
واستدلَّ به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها؛ لأنَّ مرجع كلٍّ من الفريقين إلى نيَّة العامل، وسيأتي في أثناء الأبواب الَّتي ذكرها المصنِّف إشارةً إلى بيان ذلك، والضَّابط ما تقدَّمت الإشارة إليه إن كان فيه خلاص المظلوم مثلًا فهو مطلوبٌ، وإن كان فيه فوات حقٍّ فهو مذمومٌ.
وقد نصَّ الشَّافعيّ على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق، فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيهٍ. وقال كثيرٌ من محقِّقيهم كالغزالّي هي كراهة تحريمٍ، ويدلُّ عليه قوله (( وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) )، فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وقع في الرِّبا ولا يخلصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النِّكاح التَّحليل كان محللًا ودخل في الوعيد على ذلك باللَّعن ولا يخلصه من ذلك صورة النِّكاح، وكلُّ شيءٍ قصد به تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله، كان آثمًا، ولا فرق
ج 29 ص 119
في حصول الإثم في التَّحليل على الفعل المحرَّم بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعله ذريعةً.
واستدلَّ به على أنَّه لا تصحُّ العبادة من الكافر ولا المجنون؛ لأنَّهما ليسا من أهل العبادة، وعلى سقوط القَوَد في شِبْهِ العَمْد؛ لأنَّه لم يقصد القتل، وعلى عدم مؤاخذة المخطئ والنَّاسي والمكره في الطَّلاق والعتاق ونحوهما، وقد تقدَّم ذلك في أبوابه، واستُدلَّ به لمن قال كالمالكيَّة اليمين على نيَّة المحلوف له ولا ينفعه التَّورية، وعكسه غيرهم.
وقد تقدَّم بيانه في (( الأيمان ) ) [خ¦6676] ، واستدلُّوا بما أخرجه مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( اليمين على نيَّة المستحلف ) )، وفي لفظ (( يمينك على ما يصدّقك به صاحبك ) )، وحمله الشَّافعيّة على ما إذا كان المحلّف حاكمًا، واستُدلَّ به لمالكٍ على القول بسدِّ الذَّرائع واعتبار المقاصد بالقرائن، كما تقدَّمت الإشارة إليه، وضبط بعضهم ذلك بأنَّ الألفاظ بالنِّسبة إلى مقاصد المتكلِّم ثلاثة أقسامٍ
أحدها أن تظهر المطابقة إمَّا يقينًا وإمَّا ظنًّا غالبًا.
والثَّاني أن يظهر أنَّ المتكلِّم لم يرد معناه إمَّا يقينًا وإمَّا ظنًّا.
والثَّالث أن يظهر في معناه ويقع التَّردد في إرادة غيره وعدمها على حدٍّ سواء، فإذا ظهرَ قصد المتكلِّم لمعنى ما تكلَّم به، أو لم يظهر قصد ما يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره، وإذا ظهرت إرادته بخلاف ذلك فهل يستمرُّ الحكم على الظَّاهر ولا عبرة بخلاف ذلك، أو يعملُ بما ظهرَ من إرادته، فاستُدلَّ للأول بأنَّ البيع لو كان يفسدُ بأن يقال هذه الصِّيغة فيها ذريعةٌ إلى الرِّبا، ونيَّة المتعاقدين فيها فاسدةٌ لكان إفساد البيع ممَّا يتحقَّق تحريمه أولى أن يفسدَ به البيع من هذا الظَّن، كما لو نوى رجلٌ بشراء سيفٍ أنَّه يقتل به رجلًا مسلمًا بغير حقٍّ، فإنَّ العقدَ صحيحٌ، وإن كانت نيَّته فاسدة جزمًا، فلم يستلزم تحريم القتل بطلان البيع، وإذا كان العقد بمثل هذا لا يفسد فلا يفسد بالظَّن والتَّوهم بطريق الأولى.
واستدلَّ للثَّاني
ج 29 ص 120
بأنَّ النِّية تؤثر في الفعل فيصير بها تارةً حرامًا وتارةً حلالًا كما يصير العقد بها تارةً صحيحًا وتارةً فاسدًا، كالذَّبح مثلًا فإنَّ الحيوان إذا ذبح لأجل الأكل يحلُّ، وإذا ذبح لغير الله يحرم، والصَّورة واحدة، والرَّجل يشتري الجارية لموكله فتحرم عليه ولنفسه فتحلُّ له وصورة العقد واحدةٌ، وكذلك صورة القرض في الذِّمة وبيع النَّقد بمثله إلى أجل صورتهما واحدة والأوَّل قربةٌ صحيحة، والثَّاني معصية باطلةٌ، وفي الجملة فلا يلزم من صحَّة العقد في الظَّاهر رفع الحرج عمَّن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن.
وقد نقل النَّسفيّ الحنفيّ في «الكافي» عن محمَّد بن الحسن قال ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحقِّ.
(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) من مكَّة إلى المدينة (إِلَى اللَّهِ) أي إلى طاعة الله (وَرَسُولِهِ) وجواب الشَّرط قوله (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء فهو كقوله من أكل أكل ومن شرب شرب وذلك غير مفيدٍ.
أجاب عنه ابن دقيق العيد بأنَّ التَّقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا، قال ابن مالكٍ هو كقوله لو متَّ متَّ على الفطرة.
قال ابن فرحون وإعراب قصدًا ونيَّة يصحُّ أن يكون خبر كان؛ أي ذات قصدٍ وذات نيةٍ ويتعلَّق إلى بالمصدر، ويصحُّ أن يكون إلى الله الخبر وقصدًا مصدر في محل الحال، وأمَّا قوله ثوابًا وأجرًا فلا يصحُّ فيه إلَّا الحال من الضَّمير في الخبر. انتهى.
(وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا) بضم الدَّال، وحكى ابنُ قتيبة كسرها ولا ينون على المشهور؛ لأنَّها فُعلى من الدّنوّ وألف التأنيث تمنعُ من الصَّرف وحكي تنوينها. قال ابنُ جني وهي لغةٌ نادرة، والدُّنيا ما على الأرض من الجو والهواء أو كلُّ مخلوقٍ من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، والمراد بها في الحديث المال ونحوه.
(يُصِيبُهَا) جملة من فعل وفاعل ومفعول، في موضعِ صفة لدُنيا، ومتى تقدَّمت النَّكرة على الظَّرف أو المجرورات أو الجُمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفة كانت أحوالًا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) وجواب الشَّرط قوله (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) .
ومطابقة
ج 29 ص 121
الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ مهاجر أمّ قيس جعل الهجرة حيلة في تزويج أمِّ قيس، وقد سبق الحديث في أوَّل (( الكتاب ) ) [خ¦1] ومضى شرحه هناك بحيث لا مزيد عليه.